السفينة الحربية التي هاجمت رئيس بلادها

سفينة النحس المقنع: قصة المدمرة "ويليام دي بورتر" الأتعس حظاً في التاريخ
في قاموس العسكرية، هناك سفن تُخلد في التاريخ بسبب شجاعة طاقمها، وأخرى تكتسب شهرتها من قوتها التدميرية. لكن المدمرة الأمريكية "ويليام دي بورتر" (USS William D. Porter)، والمعروفة اختصاراً بـ (الـ ويلي دي)، دخلت التاريخ من باب مختلف تماماً؛ حيث تربعّت على عرش السفن الأتعس حظاً، وأكثرها إثارة للجدل والضحك في تاريخ الحروب البحرية. لم تكن هذه السفينة خائنة، ولم يكن طاقمها عملاء للأعداء، لكن سلسلة من الأخطاء الكوميدية والمصادفات الغريبة جعلت منها خطراً حقيقياً على جيشها وعلى رئيس بلادها، أكثر من خطرها على الأعداء!
البداية المتعثرة: نذر الشؤم تلوح في الأفق
دخلت المدمرة "ويليام دي بورتر" الخدمة في البحرية الأمريكية عام 1943 خلال الحرب العالمية الثانية. ومنذ الأيام الأولى لإبحارها، بدا وكأن هناك لعنة نحس تلاحقها. في أولى مهامها، وعندما كانت تحاول الخروج من الميناء للانضمام إلى قافلة عسكرية، نسيت السفينة رفع مرساتها بالكامل، فجرتها خلفها لتصطدم بمدمرة أمريكية أخرى كانت راسية بجوارها، مما أدى إلى تمزيق أجزاء من قوارب النجاة وحواجز السفينة المجاورة. اكتفت القيادة بالتوبيخ، معتبرة الأمر مجرد "خطأ بحارة مبتدئين"، دون أن تعلم أن هذه كانت مجرد مقبلات لكارثة أكبر.
نوفمبر 1943: كيف تحاول اغتيال رئيسك بالخطأ؟
في نوفمبر من عام 1943، تم اختيار "ويليام دي بورتر" لمهمة سرية غاية في الأهمية والسرية: حراسة البارجة العملاقة "آيوا" (USS Iowa). لم تكن البارجة تبحر بمفردها، بل كانت تحمل على متنها رئيس الولايات المتحدة الأمريكية فرانكلين روزفلت، ومعه وزير الخارجية وكبار قادة الجيش، متوجهين إلى "مؤتمر طهران" السري للقاء جوزيف ستالين وونستون تشرشل.
بدلاً من أن يرفع هذا الشرف من معنويات طاقم المدمرة ويزيد من تركيزهم، بدأت سلسلة النحس والارتجال القاتل:
القنبلة المفقودة: أثناء الإبحار في مياه الأطلسي، سقطت فجأة قنبلة أعماق (مضادة للغواصات) من مؤخرة السفينة بالخطأ وانفجرت في الماء. أحدث الانفجار دويّاً هائلاً أرعب القافلة بأكملها، وظنت السفن الحربية أنها تحت هجوم من غواصة ألمانية، فبدأت المناورات العنيفة، قبل أن تعترف "ويلي دي" بخجل عبر الإشارات بأنها هي الفاعلة!
الموجة الغادرة: بعد ساعات، ضربت موجة مفاجئة السفينة، فجرفت معها أحد البحارة إلى المحيط (ولم يُعثر عليه)، كما تسببت في إغراق إحدى غرف المحركات.
الطوربيد الغادر نحو الرئيس!
توجت السفينة رحلتها الكارثية في 14 نوفمبر، عندما طلب الرئيس روزفلت -الذي كان يجلس على كرسيه المتحرك على سطح البارجة آيوا- من قادة البحرية إجراء مناورة حية لعرض كيفية تصدي السفن للهجمات الجوية والطوربيدية. أطلقت البارجة بالونات في الهواء لتقوم المدمرات باستهدافها.
قرر طاقم "ويليام دي بورتر" المشاركة في التدريب، وقاموا بمحاكاة هجوم بالطوربيدات مستهدفين بارجة الرئيس "آيوا" نفسها (على أساس أنه تدريب وهمي). كان البروتوكول الصارم يقتضي إزالة "كبسولات التفجير الحية" من أنابيب الطوربيدات قبل بدء التدريب. لكن، وبسبب إهمال لا يُصدق من المسؤول عن الأنابيب، نُسيت إحدى الكبسولات حية ومجهزة!
في تمام الساعة 02:36 مساءً، صرخ الضابط: "أطلق"، لتنطلق المفاجأة المرعبة: طوربيد حي وفتاك اندفع في الماء مباشرة نحو بارجة رئيس الولايات المتحدة!
ذعر استخباراتي واعتقال في عرض البحر
تحول جو المدمرة إلى حالة من الرعب المطلق. حاول الضباط تحذير البارجة "آيوا" عبر الراديو، لكن بسبب أوامر الصمت اللاسلكي الصارمة للمهمة السرية، استخدموا إشارات ضوئية مشفرة أخطأت في البداية، مما أضاع دقيقة كاملة. وأخيراً، كسروا الصمت اللاسلكي وصرخوا عبر الراديو: "أسد.. أسد (الاسم الحركي لآيوا).. انعطف يميناً! هناك طوربيد في الماء!".
انعطفت البارجة العملاقة بأقصى سرعة ممكنة، وأسرع الحراس السريون لإحاطة الكرسي المتحرك للرئيس روزفلت لحمايته، بينما كان روزفلت يطلب دفع كرسيه نحو الحافة ليرى الطوربيد بنفسه! وبأعجوبة شديدة، مر الطوربيد خلف مؤخرة البارجة بمسافة ضئيلة وانفجر في مياه البحر محدثاً موجة ضخمة.
لم تمر الحادثة مرور الكرام؛ إذ ظنت قيادة الجيش أن هناك مؤامرة اغتيال أو خيانة استخباراتية. صوّبت البارجة "آيوا" مدافعها العملاقة نحو المدمرة "ويليام دي بورتر" وأجبرتها على الاستسلام. تم اقتياد السفينة إلى قاعدة عسكرية في برمودا، وهناك جرى اعتقال الطاقم بالكامل في سابقة هي الأولى والأخيرة في تاريخ البحرية الأمريكية، وحُكم على البحار المتسبب بالإهمال بالأشغال الشاقة لمدة 14 عاماً (قبل أن يعفو عنه الرئيس روزفلت لاحقاً).
النهاية الساخرة: الكاميكازي من تحت الماء!
بعد هذه الفضيحة، نُفيت السفينة إلى جبهة المحيط الهادئ البعيدة في جزر ألوشيان (المنطقة الباردة والمهجورة) كعقاب لها. وطوال بقية الحرب، كان البحارة في السفن الأخرى عندما يرون المدمرة مقبلة، يحيونها بسخرية عبر اللاسلكي قائلين: "لا تطلقوا النار.. نحن جمهوريون!" (في إشارة إلى أن الرئيس روزفلت كان ديمقراطياً).
في يونيو 1945، أثناء معركة أوكيناوا، جاءت نهاية السفينة بطريقة لا تقل غرابة عن تاريخها. تعرضت السفينة لهجوم من طائرة انتحارية يابانية (كاميكازي). نجح مدفعيو المدمرة في إطلاق النار على الطائرة بدقة، لتسقط الطائرة وتتحطم في مياه البحر على بعد عشرات الأمتار من السفينة، وظن الطاقم أنهم نجوا أخيراً وصنعوا مجداً.
لكن لعنة النحس أبَت أن تتركهم؛ حيث واصلت الطائرة اليابانية اندفاعها تحت الماء بفعل الزخم، وانفجرت مباشرة أسفل قاع السفينة تماماً! أدى الانفجار السفلي إلى رفع المدمرة بأكملها في الهواء ثم إسقاطها، مما تسبب في تمزيق هيكلها الداخلي وتدمير غرف المحركات. وبعد ثلاث ساعات من محاولات الإنقاذ الفاشلة، غرقت السفينة بالكامل، لكن لحسن الحظ، تم إخلاء الطاقم بالكامل دون خسارة أرواح.
الخاتمة
غرقت المدمرة "ويليام دي بورتر" في قاع المحيط الهادئ، تاركة خلفها إرثاً كلاسيكياً فريداً. إنها السفينة الحربية التي أثبتت للعالم أن الإهمال وسوء الحظ قد يكونان أحياناً أقوى من مدافع الأعداء، وأنك قد تصنع التاريخ ليس بانتصاراتك، بل بكونك الناجي الوحيد من طوربيد أطلقته أنت بنفسك على رئيس بلادك!