قصة محمود وسلمى

قصة محمود وسلمى

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

قصة طالب طب دمرت المخدرات مستقبله والعبرة التي يجب أن يعرفها كل شاب.

 

(قصة محمود وسلمى)

طالب اسمه (محمود) نموذج للتفوق والطموح

كان محمود شابًا هادئ الطباع يتمتع بأخلاق عالية ويعيش مع أسرته في بيت بسيط يسوده الحب والاحترام منذ طفولته كان يحلم بأن يصبح طبيبًا ناجحًا يخفف آلام المرضى ويحقق حلم والده الذي كان دائمًا يقول له:

"العلم هو الاستثمار الوحيد الذي لا يخسر أبدًا"

لم يكن محمود من الطلاب العاديين بل كان من أوائل مدرسته في جميع المراحل الدراسية، حتى نجح في تحقيق حلمه الأكبر بالالتحاق بكلية الطب في جامعة القاهرة.

 

 

ومنذ أول يوم داخل الكلية أدرك الجميع أنهم أمام طالب مختلف.

كان يحضر جميع المحاضرات دون تأخير ويقضي ساعات طويلة داخل المكتبة يراجع المراجع الطبية ويشارك أساتذته في المناقشات العلمية حتى أصبح اسمه معروفًا بين الطلاب والأساتذة.

وفي نهاية كل فصل دراسي كانت النتيجة تتكرر بصورة لافتة تقديرات مرتفعة وإشادة من أعضاء هيئة التدريس واحترام كبير من زملائه.

كان الكثير من الطلاب يلجؤون إليه لشرح المواد الصعبة ولم يكن يبخل على أحد بالمساعدة بل كان يؤمن أن النجاح الحقيقي هو أن ينجح الجميع.

ولهذا أصبح محمود مثالًا يُحتذى به داخل الكلية وكان الجميع يتوقع أن يصبح في المستقبل أحد أمهر الأطباء.

 

لقاء غير حياته

في بداية العام الدراسي التالي وبينما كان محمود يسير داخل الحرم الجامعي متجهًا إلى إحدى المحاضرات، لفت انتباهه وجود طالبة جديدة تقف أمام لوحة الإعلانات تحاول معرفة مكان إحدى القاعات.

كانت تبدو مرتبكة قليلًا لأنها ما زالت في سنواتها الأولى داخل الكلية.

اقترب منها محمود بكل هدوء وسألها إن كانت تحتاج إلى مساعدة.

ابتسمت الفتاة وشكرته ثم أخبرته أن اسمها سلمى، وأنها التحقت حديثًا بكلية الطب وكانت تبحث عن مكان المحاضرة الأولى.

دلها محمود على القاعة ثم تمنى لها التوفيق وغادر.

لم يكن يعلم أن هذا اللقاء البسيط سيكون بداية فصل جديد في حياته.

 

 

 

سلمى.. طالبة مجتهدة وطموحة

كانت سلمى أصغر من محمود بعدة سنوات لكنها كانت تشبهه في كثير من الصفات.

فهي أيضًا طالبة مجتهدة تحب الدراسة وتحترم أساتذتها وتسعى دائمًا إلى تحقيق أعلى الدرجات.

كانت تقضي ساعات طويلة داخل المكتبة وتشارك في الأنشطة العلمية وتحاول تطوير نفسها باستمرار.

ومع مرور الأيام بدأت تلاحظ محمود كثيرًا داخل الكلية.

كانت تراه دائمًا يحمل كتبه أو يجلس في المكتبة يراجع محاضراته أو يساعد زملاءه في فهم المواد الدراسية.

أعجبت بأخلاقه قبل تفوقه العلمي وأدركت أن النجاح الحقيقي لا يكون بالدرجات فقط بل بالتواضع وحسن التعامل مع الآخرين.

أما محمود فقد وجد في سلمى شخصية راقية تمتلك الطموح نفسه الذي يحمله منذ سنوات.

وأصبح لقاؤهما يتكرر في أروقة الكلية والمكتبة وقاعات المحاضرات وكان كل لقاء يزيد من الاحترام المتبادل بينهما.

لكن لم يكن أي منهما يعلم أن الأيام القادمة ستحمل لهما أحداثًا ستغير حياتهما بالكامل...

 

تطور العلاقة بين محمود وسلمى

مرت الأسابيع سريعًا وأصبح لقاء محمود وسلمى داخل كلية الطب أمرًا معتادًا. ففي كل صباح تقريبًا كانا يلتقيان قبل بداية المحاضرات ويتبادلان الحديث حول المواد الدراسية والامتحانات ثم يتوجهان كلٌ إلى قاعته.

ومع مرور الوقت اكتشف كلٌ منهما أن بينهما الكثير من الصفات المشتركة فكلاهما كان يؤمن بأن النجاح لا يأتي بالحظ وإنما بالاجتهاد والصبر والالتزام.

كانت سلمى ترى في محمود شخصًا مسؤولًا متواضعًا ولا يتعامل مع الآخرين بتكبر رغم تفوقه الدراسي بينما كان محمود يرى في سلمى فتاة ذكية وطموحة تمتلك شخصية هادئة وأخلاقًا راقية وهو ما جعله يشعر بالارتياح كلما تحدث معها.

وفي إحدى الأمسيات وبعد انتهاء يوم دراسي طويل جلسا داخل الحديقة المجاورة للكلية يتحدثان عن أحلامهما المستقبلية.

قال محمود مبتسمًا:

"أتمنى أن أصبح طبيبًا ناجحًا أستطيع أن أساعد المرضى وأجعل والدي فخورًا بي."

فأجابته سلمى بابتسامة مماثلة:

"وأنا أيضًا أحلم أن أصبح طبيبة ناجحة، وأن أترك أثرًا طيبًا في حياة الناس."

في تلك اللحظة شعر محمود بأن هذه الفتاة تختلف عن أي شخص قابله من قبل.

اعتراف غيّر مسار العلاقة

بعد عدة أشهر من التعارف والاحترام المتبادل قرر محمود أن يعبر عن مشاعره.

اختار يومًا هادئًا بعد انتهاء المحاضرات وطلب من سلمى أن يتحدث معها لبعض الوقت.

وقف للحظات يحاول ترتيب كلماته ثم قال:

"منذ أن عرفتك وأنا أشعر أنك الشخص الذي أفهمه أكثر من أي أحد وأتمنى أن يكون بيننا مستقبل يجمعنا بعد أن ننهي دراستنا."

ساد الصمت لثوانٍ ثم ابتسمت سلمى بخجل وقالت:

"الحقيقة أنني كنت أشعر بالمثل منذ فترة لكنني كنت أريد أن يظل تركيزنا الأول على الدراسة حتى نحقق أحلامنا."

شعر محمود بسعادة كبيرة ووعدها بأن يكون احترامه لها أكبر من أي شيء آخر وأن يظل نجاحهما الدراسي هو الأولوية دائمًا.

ومنذ ذلك اليوم بدأت بينهما قصة حب راقية قائمة على الاحترام والدعم المتبادل بعيدًا عن كل ما قد يؤثر في مستقبلهما.

حياة مليئة بالطموح داخل الجامعة

كانت أيامهما داخل كلية الطب تمر بسرعة لكنها كانت مليئة بالإنجازات.

كان محمود وسلمى يقضيان ساعات طويلة في المكتبة الجامعية يراجعان المحاضرات ويتناقشان في الحالات الطبية ويحضران الندوات العلمية التي تنظمها الكلية.

كما كانا يشجعان بعضهما البعض قبل الامتحانات ويتبادلان الملاحظات والملخصات حتى أصبحا من الطلاب المعروفين بالجدية والاجتهاد.

وفي كل مرة كانت النتائج الدراسية تُعلن كان اسم محمود يظهر ضمن أوائل الدفعة بينما تحقق سلمى أيضًا نتائج مميزة جعلتها من الطالبات المتفوقات.

كان كثير من زملائهما ينظرون إليهما بإعجاب ويتمنون أن يحققا حلمهما في أن يصبحا طبيبين ناجحين يخدمان المجتمع.

وبدا أن المستقبل يبتسم لهما وأن الطريق أمامهما واضح ومشرق.

لكن الحياة أحيانًا تخفي خلف لحظات السعادة اختبارات لم يكن أحد يتوقعها.

 

بداية التغيير

في بداية العام الدراسي التالي لاحظ محمود وجود مجموعة جديدة من الطلاب يترددون كثيرًا على الكافتيريا والساحات الخارجية للجامعة.

كانوا يتمتعون بشخصيات اجتماعية ويحيطون أنفسهم بعدد كبير من الزملاء ويبدون دائمًا وكأنهم يعيشون حياة مليئة بالمرح والحرية.

وفي أحد الأيام جلس محمود وحده بعد انتهاء إحدى المحاضرات فاقترب منه أحد أفراد تلك المجموعة وقال له:

"أنت محمود، أليس كذلك؟ سمعنا كثيرًا عن تفوقك الدراسي، وتعال اجلس معنا قليلًا، لن نخطفك من كتبك."

ابتسم محمود وجلس معهم لبضع دقائق بدافع المجاملة.

كان الحديث في البداية عاديًا عن الدراسة والامتحانات والحياة الجامعية وبعض المواقف المضحكة التي تحدث داخل الكلية.

خرج محمود من هذا اللقاء وهو يظن أنه مجرد تعارف عابر.

لكنه لم يكن يعلم أن تلك الجلسة ستكون بداية سلسلة من الأحداث التي ستغير حياته بالكامل.

 

أصدقاء السوء يقتربون خطوة بعد أخرى

مع مرور الأيام أصبح أفراد تلك المجموعة يحرصون على دعوة محمود للجلوس معهم بين المحاضرات.

كانوا يعاملونه باحترام ويثنون على ذكائه ويحاولون إشعاره بأنه شخص مميز بينهم.

في البداية كان محمود يعتذر كثيرًا لأنه كان يفضل قضاء وقته في المكتبة.

لكن مع تكرار الدعوات بدأ يجلس معهم لفترات أطول.

لاحظت سلمى هذا التغيير، فسألته ذات يوم:

"أشعر أنك لم تعد تقضي وقتك في المكتبة كما كنت من قبل، هل كل شيء بخير؟"

ابتسم محمود وقال بثقة:

"لا تقلقي، مجرد زملاء جدد نتحدث معهم قليلًا، ولن يؤثر ذلك على دراستي."

اكتفت سلمى بابتسامة خفيفة لكنها شعرت في داخلها بقلق لم تستطع تفسيره.

أما محمود فلم يكن يدرك أن بعض العلاقات تبدأ بخطوة صغيرة تبدو غير مؤذية لكنها قد تقود الإنسان إلى طريق لم يكن يتخيل يومًا أنه سيسلكه.

وهكذا بدأت أولى خطوات محمود نحو الصحبة الخاطئة بينما كان يظن أنه ما زال قادرًا على السيطرة على كل شيء.

بداية السقوط عندما تغيرت حياة محمود

مرت عدة أسابيع منذ تعرف محمود على تلك المجموعة الجديدة داخل الجامعة وأصبحت جلساته معهم تتكرر بصورة شبه يومية.

في البداية كان يعتقد أنهم مجرد زملاء يقضون وقت فراغهم في الحديث والضحك بعد انتهاء المحاضرات ولم يكن يتخيل أن وراء تلك الابتسامات والأحاديث العابرة ما قد يهدد مستقبله بأكمله.

لكن مع مرور الوقت بدأ يلاحظ أنهم كثيرًا ما يختفون لفترات قصيرة أثناء التجمعات ثم يعودون في حالة من النشاط غير الطبيعي والضحك المبالغ فيه.

كان يشعر أن هناك شيئًا غريبًا لكنه لم يشأ أن يسأل.

بداية الضغط من أصدقاء السوء

في إحدى الأمسيات، وبعد انتهاء يوم دراسي شاق دعاه أحد أفراد المجموعة إلى الجلوس معهم خارج الجامعة.

رفض محمود في البداية لكنه وافق بعد إلحاح شديد، معتقدًا أنها مجرد جلسة عادية.

وخلال اللقاء حاول بعضهم إقناعه بتجربة مواد مخدرة مستخدمين عبارات مثل:

"لن يحدث شيء من مرة واحدة."

"كلنا نجربها ثم نتركها وقتما نشاء."

"أنت متوتر بسبب الدراسة، وستشعر براحة كبيرة بعدها."

كان محمود يعلم جيدًا بحكم دراسته في كلية الطب مدى خطورة المخدرات ولذلك رفض بشدة في المرة الأولى.

لكنهم استمروا في السخرية منه واتهامه بأنه يخاف من تجربة شيء "يجربه الجميع" على حد زعمهم.

ومع تكرار الضغط النفسي عليه وضعف قدرته على رفضهم ارتكب أكبر خطأ في حياته.

كانت لحظة واحدة لكنها كانت كافية لتغيير مستقبله بالكامل.

 

تغيرات لم ينتبه إليها محمود

في البداية أقنع نفسه أن ما حدث لن يتكرر.

لكنه وجد نفسه يعود للجلوس مع المجموعة مرة بعد أخرى.

وبمرور الأيام بدأت شخصيته تتغير تدريجيًا دون أن يشعر.

لم يعد يستيقظ مبكرًا كما اعتاد.

وأصبح يتغيب عن بعض المحاضرات.

وتراجع تركيزه أثناء الدراسة بعدما كان يقضي ساعات طويلة في المكتبة.

حتى درجاته في الاختبارات الدورية بدأت تنخفض لأول مرة منذ دخوله كلية الطب.

لاحظ بعض أساتذته أنه لم يعد يشارك في المناقشات العلمية كما كان يفعل دائمًا.

أما زملاؤه الذين اعتادوا طلب المساعدة منه فقد فوجئوا بأنه أصبح يعتذر باستمرار أو يبدو شارد الذهن وغير قادر على التركيز.

 

سلمى تشعر بأن شيئًا ليس على ما يرام

كانت سلمى أكثر الناس ملاحظة للتغير الذي طرأ على محمود.

لم يعد يرد على رسائلها كما كان يفعل.

وأصبح كثير التأخر عن مواعيده.

بل إن ملامحه نفسها تغيرت فقد بدا مرهقًا دائمًا وعيناه تحملان آثار السهر والإجهاد.

وفي أحد الأيام قالت له بقلق:

"محمود... أنت لست الشخص الذي عرفته منذ عام. ماذا يحدث معك؟"

حاول أن يبتسم وقال:

"لا شيء... مجرد ضغوط الدراسة."

لكن سلمى لم تقتنع بإجابته.

كانت تشعر أن هناك سرًا يخفيه عنها إلا أنها فضلت الانتظار حتى يخبرها بنفسه.

 

المنزل لم يعد كما كان

لم يقتصر التغيير على الجامعة فقط.

فداخل المنزل بدأ والد محمود يلاحظ أن ابنه الذي كان يقضي معظم وقته في الدراسة أصبح يعود متأخرًا ويغلق باب غرفته لساعات طويلة.

وأحيانًا كان يخرج من المنزل دون أن يخبر أحدًا إلى أين يذهب.

كان الأب يراقب كل ذلك في صمت محاولًا إقناع نفسه بأن ابنه يمر بضغوط الدراسة.

لكن قلب الأب كان يشعر بأن هناك أمرًا خطيرًا يحدث.

وفي إحدى الليالي، جلس بجوار محمود وقال له بهدوء:

"يا بني... هل تواجه مشكلة؟ إذا كنت تمر بأي أزمة، فأنا معك."

خفض محمود رأسه، ثم أجاب بسرعة:

"لا يا أبي... كل شيء بخير."

نظر الأب إلى ابنه طويلًا لكنه شعر أن الكلمات لا تشبه الحقيقة.

 

الحقيقة المؤلمة

بعد أيام قليلة وبينما كان الأب يرتب غرفة محمود في غيابه، لاحظ وجود أشياء أثارت شكوكه.

لم يصدق ما رآه في البداية.

حاول أن يقنع نفسه بأنه مخطئ.

لكن بعد مواجهة محمود لم يعد هناك مجال للإنكار.

اعترف محمود وهو يبكي بأنه انجرف خلف رفاق السوء وأنه ارتكب خطأ يتمنى لو استطاع العودة بالزمن ليتجنبه.

كانت الكلمات ثقيلة على قلب والده.

فهذا الابن الذي أفنى عمره من أجل تعليمه والذي كان يحلم برؤيته طبيبًا ناجحًا أصبح الآن يواجه خطرًا قد يدمر مستقبله كله.

 

صدمة أصابت الأسرة بأكملها

ساد الصمت داخل المنزل.

جلست الأم تبكي وهي تدعو الله أن ينقذ ابنها.

أما الأب فقد بدا وكأنه فقد جزءًا من روحه.

لم يكن غاضبًا بقدر ما كان مكسور القلب.

كان يردد بصوت خافت:

"كيف حدث هذا يا محمود؟ كنت أراك قدوة لكل الشباب."

أما محمود فقد شعر لأول مرة بحجم الكارثة التي تسبب فيها.

نظر إلى والديه ولم يجد كلمات تبرر ما حدث.

أدرك أن الخطأ الذي بدأ باعتقاد أنه "تجربة عابرة" أصبح الآن سببًا في حزن أسرته كلها وأن طريق العودة سيكون أصعب بكثير مما كان يتخيل.

وهكذا بدأت آثار الإدمان تمتد من شخص واحد إلى أسرة كاملة لتثبت أن المخدرات لا تدمر حياة متعاطيها فقط بل تصيب كل من يحبه بالألم والخوف.

 

 

عندما يدفع الجميع ثمن الإدمان

لم يعد محمود ذلك الشاب الذي عرفه الجميع داخل كلية الطب.

اختفت ابتسامته وتراجع مستواه الدراسي بصورة واضحة وبدأت الأخبار تنتشر بين زملائه عن التغير الكبير الذي طرأ على شخصيته.

كان يحاول إقناع نفسه بأن الأمور ما زالت تحت سيطرته لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.

فالإدمان لا يسرق الإنسان دفعة واحدة بل ينتزع منه حياته جزءًا بعد جزء حتى يجد نفسه قد خسر كل ما كان يملكه.

 

 

والد محمود (قلب لم يتحمل الصدمة)

منذ اليوم الذي اكتشف فيه والد محمود حقيقة ما يمر به ابنه لم يعد كما كان.

كان يقضي ساعات طويلة جالسًا في صمت يتأمل صور محمود القديمة وهو يرتدي زي المدرسة ويحمل شهادات التفوق ثم يقارنها بالواقع الذي أصبح يعيشه.

كان يشعر بالعجز.

ليس لأنه لم يعد يحب ابنه بل لأنه لم يكن يعرف كيف ينقذه من الطريق الذي سلكه.

وفي كل ليلة كان يدعو الله أن يعود محمود كما كان وأن يستعيد حياته قبل أن يفقد كل شيء.

لكن كثرة التفكير والحزن المستمر والخوف على مستقبل ابنه أثرت في صحته بصورة كبيرة.

أصبح قليل النوم وضعيف الشهية ودائم القلق.

ورغم محاولات الأسرة طمأنته ظل يحمل همّ ابنه في قلبه كل يوم.

وذات صباح تعرض والد محمود لأزمة صحية مفاجئة.

نُقل إلى المستشفى وحاول الأطباء إسعافه لكن حالته كانت حرجة.

وبعد ساعات قليلة فارق الحياة.

 

صدمة لا يمكن نسيانها

وقف محمود أمام خبر وفاة والده وكأنه فقد القدرة على الحركة.

لم يستوعب في البداية ما حدث.

اقترب من والده وهو يبكي وأمسك بيده يتمنى لو عاد الزمن إلى الوراء.

كان يتذكر كلمات والده دائمًا:

"احرص على مستقبلك يا بني... فأنت حلمي الذي عشت من أجله."

لكن ذلك الصوت الذي كان يمنحه القوة اختفى إلى الأبد.

شعر محمود أن جزءًا كبيرًا من حياته قد انتهى في تلك اللحظة.

ولم يتوقف عن لوم نفسه.

كان يردد بينه وبين نفسه:

"لو لم أسلك هذا الطريق... ربما كان أبي ما زال بجانبي."

ومنذ ذلك اليوم ازدادت حالته النفسية سوءًا وأصبح يعيش شعورًا دائمًا بالذنب والحزن.

 

سلمى تكتشف الحقيقة

في الوقت نفسه كانت سلمى تراقب ما يحدث من بعيد.

كانت تعلم أن محمود تغير كثيرًا لكنها لم تكن تعرف السبب الحقيقي.

إلى أن أخبرها أحد زملائها بأن محمود أصبح يتردد على مجموعة من الشباب المعروف عنهم تعاطي المخدرات.

في البداية رفضت تصديق الأمر.

وقالت لنفسها:

"محمود الذي أعرفه لا يمكن أن يفعل ذلك."

لكنها قررت مواجهته بنفسها.

طلبت منه أن يلتقيا داخل الحرم الجامعي في المكان الذي جمعهما لأول مرة.

جلسا في صمت للحظات ثم نظرت إليه وقالت:

"أخبرني بالحقيقة يا محمود... هل ما سمعته صحيح؟"

خفض محمود رأسه طويلًا.

لم يجد هذه المرة أي كلمات يخفي بها الحقيقة.

اعترف لها بكل شيء.

أخبرها كيف خدعته الصحبة السيئة وكيف ظن في البداية أنه قادر على التوقف في أي وقت ثم وجد نفسه أسيرًا لذلك الطريق.

 

أصعب قرار في حياة سلمى

لم تتمالك سلمى دموعها.

لم تكن تبكي لأنها توقفت عن حبه بل لأنها كانت ترى أمامها إنسانًا مختلفًا تمامًا عن ذلك الشاب الذي أحبته.

قالت له بصوت يملؤه الحزن:

"كنت أحلم أن نحقق أحلامنا معًا، لكنك اخترت طريقًا لا أستطيع أن أسير فيه معك."

حاول محمود أن يعتذر.

ووعدها بأنه سيتغير.

لكنها أجابته:

"أتمنى من قلبي أن تعود كما كنت وأن تتعافى لكنني لا أستطيع أن أستمر في هذه العلاقة وأنت ترفض مواجهة مشكلتك."

ثم غادرت المكان وهي تبكي.

أما محمود فظل واقفًا ينظر إليها حتى اختفت من أمامه.

كان يعلم أنه خسر الإنسان الذي وقف بجانبه في أجمل سنوات حياته.

 

الوحدة أصبحت رفيقته

بعد وفاة والده وابتعاد سلمى وتراجع مستواه الدراسي بدأ محمود يشعر أنه فقد كل شيء.

لم يعد يخرج مع أصدقائه القدامى.

ولم يعد يزور المكتبة التي كان يقضي فيها معظم وقته.

حتى زملاؤه داخل الكلية أصبحوا يلاحظون أنه يجلس وحده في المقاعد الخلفية شارد الذهن لا يتحدث مع أحد.

وعندما يعود إلى المنزل كان يدخل غرفته ويغلق الباب لساعات طويلة.

كان ينظر إلى شهادات التفوق القديمة المعلقة على الجدار ويتذكر الأيام التي كان فيها مصدر فخر أسرته.

أما الآن فقد أصبح يعيش في عزلة كاملة.

لم يعد يشعر بطعم النجاح ولا بالسعادة ولا حتى بالأمل.

وأدرك متأخرًا أن المخدرات لم تسلبه صحته فقط بل سرقت منه والده وأبعدت عنه الفتاة التي أحبها وحولته من طالب يتطلع الجميع إلى مستقبله إلى شاب يعيش وحيدًا يطارده الندم في كل لحظة.

وفي تلك الليلة جلس محمود بمفرده يفكر في كل ما حدث.

كان يعلم أن الماضي لن يعود وأن ما فقده لا يمكن تعويضه بسهولة.

لكنه بدأ يدرك أيضًا أن الاستمرار في هذا الطريق لن يقوده إلا إلى خسائر أكبر وأن عليه في يوم من الأيام أن يواجه نفسه ويبحث عن بداية جديدة مهما كانت صعبة.

 

 

الدروس المستفادة من قصة محمود وسلمى

إذا كنت تقرأ هذه القصة اليوم فتذكر أن مستقبلك أغلى من أي تجربة مؤقتة وأن قرارًا واحدًا قد يحدد شكل حياتك لسنوات طويلة.

لا تسمح لأي شخص أن يقنعك بأن المخدرات وسيلة للهروب من الضغوط أو لتحقيق السعادة لأن السعادة الحقيقية تأتي من النجاح وتحقيق الأحلام وصحة الجسد وراحة الضمير.

وإذا وجدت صديقًا يسير في طريق الإدمان فلا تبتعد عنه بالسخرية أو الإهمال بل شجعه على طلب المساعدة من أسرته أو من الجهات المختصة فربما تكون سببًا في إنقاذ حياته.

 

احمِ نفسك، وكن سببًا في حماية غيرك، فالمستقبل يستحق أن نحافظ عليه.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Mohamed Mostafa تقييم 0 من 5.
المقالات

0

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-