لعنة دم الصعيد

لعنة دم الصعيد

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات

لعنة الثأر

image about لعنة دم الصعيد

الجزء الأول:

 عودة إلى الجحيم

كانت الشمس تميل إلى الغروب فوق جبال الصعيد، والهدوء يلف قرية "الهوارية"، لكن خلف ذلك الهدوء كانت نار قديمة لا تزال مشتعلة في القلوب.

منذ عشر سنوات، قُتل الحاج حسن الهواري في ظروف غامضة، واتهمت عائلة العزازية بالجريمة، لتبدأ سلسلة من الثأر أكلت الأخضر واليابس، وسقط خلالها رجال من العائلتين دون أن يعرف أحد الحقيقة الكاملة.

في تلك الأثناء، توقفت سيارة سوداء أمام بوابة قصر الهواري.

ترجل منها شاب طويل القامة، بملامح حادة ونظرات تخفي سنوات من الغربة والقهر.

كان سليم الهواري قد عاد إلى بلدته بعد غياب عشر سنوات، بعد أن أقسم ألا يعود إلا عندما يصبح قادرًا على استرداد حق والده.

استقبله رجال العائلة بالترحاب، بينما كان عمه راضي الهواري يراقبه بابتسامة باردة لا تخلو من الغموض.

قال راضي وهو يحتضنه:

“كبرت يا سليم... وبقيت راجل يشيل اسم الهواري.”

لكن سليم شعر بشيء غريب في نبرة صوته، وكأن خلف الكلمات سرًا لا يريد أحد أن يعرفه.

في الليلة نفسها، اجتمع كبار العائلة داخل المضيفة، وأعلن راضي أن موعد الثأر من العزازية قد اقترب، وأن سليم سيكون أول من يقود الرجال.

خرج سليم ليستنشق بعض الهواء، فسمع صوت فتاة تبكي بالقرب من الساقية.

اقترب بحذر، فوجد فتاة تحاول إسعاف طفل صغير أصيب في قدمه.

ساعدها دون أن يعرف هويتها، وعندما انتهى، رفعت رأسها ونظرت إليه بعينين امتلأتا بالامتنان.

قالت:

“شكرًا... لولاك كان الولد هيضيع.”

ابتسم سليم للمرة الأولى منذ سنوات، لكنه لم يعلم أن تلك الفتاة هي جنى العزازية... ابنة العائلة التي أقسم على الثأر منها.

وفي الوقت نفسه، كان رجل ملثم يراقبهما من بعيد.

أخرج هاتفه وأرسل رسالة قصيرة إلى شخص مجهول:

“سليم رجع... الخطة بدأت.”

بعد دقائق، دوّى صوت طلقة نارية داخل القصر.

ركض الجميع إلى الداخل، ليجدوا أحد رجال عائلة الهواري مقتولًا، وعلى الحائط كُتبت بدمه عبارة واحدة:

“الثأر الحقيقي لم يبدأ بعد.”

تجمّد الجميع في أماكنهم، بينما أدرك سليم أن عودته إلى الصعيد لم تكن بداية الانتقام فقط…

بل بداية كابوس لن ينجو منه أحد.

الجزء الثاني: 

أول خيانة

لم ينم أحد في قصر الهواري تلك الليلة.

وقف رجال العائلة حول جثة محمود الهواري، بينما كانت نظرات الغضب تتجه نحو عائلة العزازية، فالجميع أيقن أن الحرب قد بدأت من جديد.

لكن سليم لم يقتنع.

اقترب من الجثة ولاحظ شيئًا غريبًا؛ كان محمود يقبض بقوة على قطعة صغيرة من قماش أسود، وكأنه انتزعها من ملابس قاتله أثناء المقاومة.

أخفى سليم القطعة في جيبه دون أن يراه أحد.

في صباح اليوم التالي، أعلن عمه راضي أن العزاء سينتهي سريعًا، وأن رجال الهواري سيستعدون للرد على العزازية.

اعترض سليم قائلًا:

“مش كل طلقة معناها إن العزازية هما اللي ضربوا... لازم نعرف الحقيقة الأول.”

ساد الصمت.

نظر إليه رجال العائلة باستغراب، بينما اشتعل الغضب في عيني راضي، لكنه أخفاه بابتسامة مصطنعة.

قال بهدوء:

“واضح إن الغربة غيرتك يا سليم.”

في المساء، خرج سليم يتمشى على أطراف القرية، وهناك لمح الفتاة التي أنقذها بالأمس.

كانت جنى تجلس وحدها بجوار الترعة، تبدو شاردة.

اقترب منها، وقبل أن يتحدث، قالت بصوت خافت:

“لو عرفت أنا مين... هتكره حتى تبصلي.”

سألها باستغراب:

“وليه؟”

أجابت وهي تنظر بعيدًا:

“لأني من العزازية.”

ساد الصمت بينهما.

كان من المفترض أن يبتعد سليم، لكنه وجد نفسه عاجزًا عن الكره، فقد رأى في عينيها خوفًا لا يشبه خوف الأعداء.

وفي تلك اللحظة، كان شخص يلتقط لهما صورًا من خلف الأشجار.

أرسل الصور إلى رقم مجهول، فجاءه الرد سريعًا:

“سيبهم يقربوا من بعض... الحب هيكون أسرع طريق لتدمير سليم.”

في الليل، عاد سليم إلى غرفته، وأخرج قطعة القماش التي وجدها مع القتيل.

وقبل أن يضعها في الدرج، لاحظ عليها شعارًا مطرزًا بخيط ذهبي.

توقف قلبه للحظة…

فهذا الشعار لا يخص عائلة العزازية.

بل هو الشعار الخاص بعائلة الهواري نفسها.

تراجع إلى الخلف وهو يهمس:

“يبقى... القاتل من داخل العيلة.”

وقبل أن يستوعب الصدمة، انفتح باب غرفته ببطء…

ودخل شخص ملثم يحمل مسدسًا كاتمًا للصوت.

ارتفعت فوهة السلاح نحو رأس سليم مباشرة…

وقال الرجل بصوت بارد:

“سامحني... لكن الحقيقة لازم تموت معاك.”

يتبع…

الجزء الثالث:

 رصاصة في الظلام

ارتفع صوت طلقة مكتومة داخل غرفة سليم…

لكن الرصاصة لم تصبه.

في اللحظة الأخيرة، انطفأت الأنوار، فانحنى سليم غريزيًا، واخترقت الرصاصة المرآة خلفه، وتناثرت شظايا الزجاج في أنحاء الغرفة.

اندفع نحو الرجل الملثم، ودارت بينهما مواجهة عنيفة. حاول المهاجم الإفلات، لكن سليم أمسك بعباءته، فانقطع جزء منها بين يديه.

قفز الملثم من النافذة واختفى وسط أشجار النخيل، تاركًا خلفه خنجرًا فضيًا منقوشًا عليه حرف "ر".

وقف سليم يلهث وهو ينظر إلى الخنجر.

كان يعلم أن هذا الحرف يخص شخصًا واحدًا فقط…

راضي الهواري.

لكن هل يُعقل أن يكون عمه هو من حاول قتله؟

في الصباح، أخفى سليم الخنجر داخل ملابسه، وقرر ألا يخبر أحدًا بما حدث.

وفي أثناء تناول الإفطار، لاحظ أن راضي لا يحمل خنجره المعتاد في حزامه.

ابتسم راضي وهو ينظر إلى سليم وقال:

“مالك يا ولدي؟ شكلك ما نمتش.”

رد سليم وهو يراقب ملامحه:

“في ناس بتحاول تمنعني أعرف الحقيقة.”

تغير لون وجه راضي للحظة، لكنه تماسك سريعًا وقال:

“الحقيقة ساعات بتقتل صاحبها.”

خرج سليم من القصر وهو يفكر في كلماته.

وفي الطريق، التقى بجنى مرة أخرى.

كانت تحمل صندوقًا صغيرًا، وعندما رأته حاولت الابتعاد، لكنه أوقفها.

قال بهدوء:

“أنا مش جاي أحاسبك... أنا عايز أفهم.”

تنهدت جنى وقالت:

“إحنا كمان عندنا قتلى... وإحنا كمان اتربينا إن الهوارية هما اللي ظلمونا.”

نظر إليها في صدمة.

لأول مرة، أدرك أن الكراهية لم تكن من طرف واحد، وأن هناك من أشعل الحرب بين العائلتين ليستفيد منها.

وفي تلك اللحظة، سمعا صرخة قوية قادمة من وسط السوق.

ركض الناس نحو مصدر الصوت.

كان شاب من عائلة العزازية ملقى على الأرض غارقًا في دمائه.

وبجانبه ورقة مكتوب عليها:

“دي البداية... ولسه الدم هيغرق البلد.”

وقبل أن يقترب سليم، أمسك أحد رجال العزازية بتلابيبه وهو يصرخ:

“إنت اللي قتلته... رجوعك كان وش خراب علينا!”

وفي ثوانٍ، تحولت ساحة السوق إلى فوضى، وارتفعت البنادق في وجوه الجميع.

أما على سطح أحد المنازل، فكان رجل مجهول يراقب المشهد بابتسامة باردة، ثم قال لنفسه:

“بدأوا يقتلوا بعض... زي ما كنت مخطط.”

يتبع…

الجزء الرابع: 

السر المدفون

تحولت ساحة السوق إلى فوضى عارمة، وكاد إطلاق النار يبدأ بين العائلتين، لولا وصول كبير عائلة العزازية الشيخ عمران، الذي رفع يده صارخًا:

“اللي هيضرب طلقة النهارده... هيولع البلد كلها!”

ساد الصمت، لكن العيون كانت تمتلئ بالغضب والشك.

أمسك عمران بالشاب القتيل، ثم نظر إلى سليم وقال:

“لو إنت القاتل... هجيب حقه. ولو بريء... يبقى القاتل بيلعب بينا كلنا.”

عاد سليم إلى القصر وهو يفكر في كلمات الشيخ عمران. كان يشعر أن هناك شخصًا يدفع العائلتين إلى حرب لا نهاية لها.

في منتصف الليل، استيقظ على صوت طرقات خفيفة على نافذته.

فتحها بحذر، فوجد طفلًا صغيرًا يعطيه ظرفًا قديمًا ثم يهرب دون أن ينطق بكلمة.

فتح الظرف بسرعة…

فوجد خريطة قديمة تشير إلى مكان مهجور خلف الجبل، ومعها ورقة مكتوب عليها:

“لو عايز تعرف مين قتل أبوك... تعالى لوحدك.”

لم يخبر أحدًا، وخرج قبل الفجر متجهًا إلى المكان.

بعد ساعة من السير، وصل إلى منزل طيني متهدم، بدا وكأنه مهجور منذ سنوات.

دخل بحذر، فوجد صندوقًا خشبيًا مغطى بالغبار.

فتح الصندوق، فوجد دفترًا قديمًا، وعدة صور، ورسالة تحمل توقيع والده.

وقبل أن يبدأ في القراءة…

سمع صوت تصفيق بطيء يأتي من خلفه.

استدار بسرعة، فوجد رجلًا ملثمًا يقف في الظلام.

قال الرجل بصوت هادئ:

“كنت عارف إنك هتوصل للمكان ده.”

رفع سليم سلاحه في وجهه وقال:

“مين إنت؟”

ضحك الرجل وقال:

“أنا الشخص الوحيد اللي يعرف الحقيقة... لكن الحقيقة ليها تمن.”

وقبل أن يكمل حديثه، اخترقت رصاصة نافذة المنزل، واستقرت في صدر الرجل الملثم.

سقط على الأرض وهو ينزف.

ركض إليه سليم، وحاول أن يسأله عن اسم القاتل.

ابتسم الرجل بصعوبة، وهمس بكلمة واحدة فقط:

“الخاين... في بيتك.”

ثم لفظ أنفاسه الأخيرة.

وفي اللحظة نفسها، اشتعلت النيران في المنزل من كل جانب، وأصبح سليم محاصرًا بين النار والموت، بينما كانت الأوراق التي قد تكشف الحقيقة تحترق أمام عينيه.

يتبع…

الجزء الخامس: 

وجه الخائن

ارتفعت ألسنة اللهب بسرعة، وبدأ سقف المنزل الخشبي ينهار قطعةً تلو الأخرى.

حاول سليم إنقاذ الأوراق، لكن النار التهمت معظمها. وبينما كان الدخان يخنقه، لمح ورقة صغيرة لم تصل إليها النيران بعد.

أخذها وقفز من إحدى النوافذ قبل لحظات من انهيار المنزل بالكامل.

ظل ملقى على الأرض يلهث، ثم فتح الورقة بيدين مرتجفتين.

لم يكن مكتوبًا فيها سوى أسماء أربعة رجال:

- حسن الهواري.

- راضي الهواري.

- عمران العزازي.

- شخص رابع... شُطب اسمه بالحبر الأسود.

وقبل أن يستوعب ما رآه، سمع صوت حصان يقترب بسرعة.

كان فارسًا ملثمًا، ألقى نحوه كيسًا صغيرًا ثم اختفى بين الجبال.

فتح سليم الكيس…

فوجد خاتم والده.

الخاتم الذي دُفن معه يوم جنازته.

تجمد في مكانه وهو يهمس:

“إزاي... الخاتم خرج من القبر؟”

عاد إلى القصر، لكنه أخفى الخاتم عن الجميع.

وفي أثناء دخوله، لمح عمه راضي يتحدث سرًا مع رجل غريب. وما إن اقترب حتى أنهيا الحديث بسرعة، وغادر الرجل من الباب الخلفي.

بدأ الشك يكبر في قلب سليم.

في المساء، خرج للقاء جنى.

كانت تنتظره عند الساقية، لكنها لم تكن وحدها.

كان معها رجل عجوز، انحنى بصعوبة وقال:

“أنا كنت خادم عند أبوك... وشوفت اللي حصل ليلة مقتله.”

اتسعت عينا سليم.

اقترب منه وقال:

“قول... مين اللي قتله؟”

ارتجفت شفتا العجوز، وقبل أن ينطق…

انطلقت رصاصة من مكان مجهول.

استقرت في صدره، وسقط بين يدي سليم.

حاول أن يتكلم للمرة الأخيرة، وقال بصوت متقطع:

“اللي قتل أبوك... مش عمك...”

توقف لثوانٍ، ثم أكمل وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة:

“...أخوك.”

تراجع سليم خطوة إلى الخلف وكأن الأرض انهارت تحت قدميه.

أخوه يوسف؟

مستحيل…

يوسف كان في الثانية عشرة من عمره عندما قُتل والده!

فكيف يمكن لطفل أن يكون قاتلًا؟

وفي اللحظة نفسها، وصل يوسف إلى المكان وهو يلهث، ونظر إلى الجثة ثم إلى سليم وقال:

“أقسم بالله... أنا مظلوم.”

لكن خلف الأشجار، كان رجل مجهول يبتسم ابتسامة شيطانية وهو يقول:

“دلوقتي... الأخ هيشك في أخوه، والخطة ماشية زي ما رسمتها.”

يتبع…

الجزء السادس:

 الشاهد الذي عاد من الموت

وقف سليم ينظر إلى أخيه يوسف، وعيناه تمتلئان بالشك والغضب.

قال بصوت حاد:

“قول الحقيقة... إيه اللي تعرفه عن ليلة مقتل أبونا؟”

ارتبك يوسف، ثم رد وهو يحاول أن يتمالك نفسه:

“والله ما أعرف غير اللي كل الناس تعرفه... كنت طفل، ومشفتش حاجة.”

لكن سليم لم يقتنع.

وقبل أن يشتد النقاش بينهما، ظهرت جنى وهي تحمل الورقة التي سقطت من يد الرجل العجوز قبل موته.

أعطتها لسليم، وعندما فتحها وجد عبارة قصيرة:

“ابحث عن الشاهد... فهو لم يمت.”

توقف سليم عن الكلام.

فالجميع يعلم أن الشاهد الوحيد على مقتل والده قُتل منذ عشرين عامًا.

إذا كان حيًا... فمن الذي مات بدلًا منه؟

في تلك الليلة، تسلل سليم إلى غرفة والده القديمة داخل القصر.

وبينما كان يفتش في الخزانة، سمع صوتًا يأتي من خلف الجدار.

ضغط على إحدى الحجارة، فانفتح باب سري لم يكن يعرف أحد بوجوده.

نزل درجاتٍ حجرية تقوده إلى سرداب قديم تحت القصر.

كانت الجدران مغطاة بالغبار، وفي نهاية الممر وجد غرفة صغيرة.

داخل الغرفة جلس رجل مسن مكبل بالسلاسل، ولحيته البيضاء تكاد تغطي وجهه.

رفع الرجل رأسه ببطء، وما إن رأى سليم حتى اغرورقت عيناه بالدموع.

قال بصوت مبحوح:

“كبرت... بقيت شبه أبوك.”

اقترب سليم في ذهول وسأله:

“إنت مين؟”

أجاب الرجل:

“أنا سالم... الغفير اللي شاف قاتل أبوك بعينه.”

شعر سليم أن قلبه سيتوقف.

اقترب أكثر وهو يقول:

“مين؟... مين اللي قتله؟”

تنهد سالم، وقال:

“القاتل ما كانش واحد... كانوا اتنين.”

وفي اللحظة التي همَّ فيها بذكر الاسمين، دوّى انفجار هائل هز أركان السرداب.

انهار جزء من السقف، وامتلأ المكان بالدخان.

أمسك سليم بالرجل العجوز محاولًا إنقاذه، لكن صوتًا خرج من بين الدخان:

“سيبه يا سليم... الحقيقة لسه مش أوانها.”

ثم انطلقت عدة رصاصات، فأُصيب سالم في كتفه، بينما فرَّ المهاجم عبر نفق سري آخر.

وقبل أن يفقد سالم وعيه، أمسك بيد سليم بقوة، وهمس:

“إوعى تثق في... راضي... لأنه مش أكبر خائن في العيلة.”

اتسعت عينا سليم.

إذا لم يكن راضي هو الخائن الأكبر…

فمن يكون؟

يتبع…

الجزء السابع:

 الرسالة الأخيرة

بعد الانفجار، حمل سليم الرجل العجوز "سالم" إلى كوخ مهجور بعيدًا عن أعين الجميع، واستدعى طبيبًا عجوزًا اشتهر بحفظ الأسرار.

وبعد ساعات، فتح سالم عينيه بصعوبة.

اقترب منه سليم وقال:

“مين الاتنين اللي قتلوا أبويا؟”

أخرج سالم من جيبه مفتاحًا نحاسيًا صغيرًا، ووضعه في يد سليم وهو يهمس:

“المفتاح ده يفتح أوضة تحت المقبرة القديمة... هناك هتعرف كل حاجة.”

وقبل أن يكمل حديثه، توقف فجأة.

دخل الطبيب مسرعًا وقال:

“لازم يرتاح... أي كلمة زيادة ممكن تقتله.”

خرج سليم وهو يخفي المفتاح.

لكن خلف باب الكوخ، كان يوسف يستمع إلى كل شيء.

وفي الليل، توجه سليم إلى المقبرة القديمة وحده.

وجد بابًا حجريًا صدئًا، وعندما أدخل المفتاح، انفتح ببطء، كاشفًا عن غرفة مليئة بالصناديق.

فتح أول صندوق…

فوجد دفاتر قديمة وأوراق بيع لأراضٍ تحمل توقيع والده، لكن التوقيع بدا مزورًا.

أما الصندوق الثاني، فكان يحتوي على صور لاجتماعات سرية بين رجال من الهواري والعزازية.

وفي الصندوق الأخير…

وجد تسجيلًا صوتيًا قديمًا.

ضغط زر التشغيل، فانطلق صوت والده:

“لو سمعت الرسالة دي... يبقى أنا متأكد إنهم حاولوا يقتلوني. أوعى تصدق حد... حتى لو كان من دمي.”

وقبل أن ينتهي التسجيل، انقطع التيار.

ثم سمع سليم صوت شخص خلفه يقول:

“كان نفسي متوصلش للمكان ده.”

استدار بسرعة…

فوجد يوسف يقف وهو يصوب بندقيته نحوه.

الجزء الثامن: 

الحقيقة المزيفة

نظر سليم إلى أخيه في صدمة.

قال بغضب:

“إنت جاي تقتلني؟”

خفض يوسف السلاح وقال:

“لو كنت عايز أقتلك... كنت عملتها من زمان.”

ثم سلّمه ورقة مطوية.

فتحها سليم، فإذا بها رسالة كتبها والده قبل وفاته، يقول فيها:

“لو حصل لي حاجة، حافظ على أخوك... لأنه هيكون أول واحد يحاولوا يلبسوه التهمة.”

ساد الصمت.

بدأ سليم يشعر بالذنب لأنه شك في يوسف.

لكن يوسف قال بصوت منخفض:

“في حد بيلعب بينا من سنين... وعايزنا نقتل بعض.”

وفجأة، سمعا صرخة قادمة من خارج المقبرة.

خرجا مسرعين…

فوجدا سالم مقتولًا داخل الكوخ.

لكن هذه المرة، ترك القاتل رسالة مختلفة.

كانت مكتوبة بالدم على الحائط:

“الشاهد مات... لكن السر لسه مدفون تحت القصر.”

وفي أثناء انشغال الجميع بالجريمة، كان شخص مجهول يدخل قصر الهواري من الباب الخلفي.

اتجه مباشرة إلى غرفة راضي، ووضع أمامه ملفًا أسود.

فتح راضي الملف، فتغير لون وجهه.

كانت بداخله صورة قديمة، يظهر فيها حسن الهواري واقفًا بجوار طفل صغير.

وخلف الصورة عبارة قصيرة:

“ده ابنك الحقيقي... مش سليم.”

سقطت الصورة من يد راضي، وتمتم بصوت مرتجف:

“مستحيل... بعد كل السنين دي... الحقيقة رجعت.”

يتبع…

الجزء التاسع:

 الابن المجهول

لم يستطع راضي النوم طوال الليل. ظل ينظر إلى الصورة القديمة وكأنها شبح خرج من الماضي.

كان الطفل في الصورة يحمل علامة صغيرة على كتفه الأيسر... العلامة نفسها التي يعرفها راضي جيدًا.

همس لنفسه:

“لو الصورة دي حقيقية... يبقى كل اللي بنيناه هينهار.”

في صباح اليوم التالي، استدعى راضي رجلًا يُدعى صابر، وهو أكثر رجاله إخلاصًا.

قال له بصوت منخفض:

“هاتلي الملف اللي اتدفن من عشرين سنة... ولو حد عرف إنك بتدور عليه، اقتله.”

في المقابل، عاد سليم إلى القصر وهو يحمل مئات الأسئلة.

لاحظ أن جنى لم تعد ترد على رسائله، وأن هاتفها مغلق منذ الليلة الماضية.

ذهب إلى منزل العزازية، لكن والدها أخبره أنها اختفت قبل الفجر، ولم يرها أحد منذ ذلك الوقت.

شعر سليم أن الأمر ليس صدفة.

وبينما كان يغادر، اقترب منه طفل صغير، وأعطاه سوارًا فضيًا.

قال الطفل:

“الست دي ادتهولي وقالت أول ما تشوف سليم اديهوله.”

عرف سليم السوار فورًا…

كان السوار الذي أهداه لجنى يوم التقيا لأول مرة.

فتح قبضته، فوجد داخله ورقة صغيرة مكتوبًا عليها:

“ما تدورش عليا... أنا في المكان اللي بدأت فيه الحكاية.”

بدأ سليم يبحث في كل مكان، حتى تذكر المنزل القديم الذي قُتل فيه والده.

دخل المنزل المهجور بحذر.

كان كل شيء مغطى بالغبار... إلا كرسي واحد في منتصف الغرفة.

وعليه جلست جنى.

كانت مكبلة اليدين.

وقبل أن يركض إليها، خرج أربعة رجال ملثمون من الظلام وأحاطوا به.

ابتسم أحدهم وقال:

“استنيناك كتير يا سليم.”

رفع سليم سلاحه، لكن صوتًا مألوفًا أوقفه.

“ارمِ السلاح... لو عايزها تعيش.”

استدار سليم ببطء…

وتجمد في مكانه.

فالذي كان يحمل السلاح في وجه جنى…

لم يكن سوى راضي الهواري.

نظر إليه راضي بعينين باردتين وقال:

“من النهارده... اللعبة هتبدأ بجد.”

يتبع…

الجزء العاشر: 

اعتراف تحت تهديد السلاح

ثبت راضي فوهة مسدسه على رأس جنى، بينما أحاط الرجال الملثمون بسليم من كل جانب.

قال راضي ببرود:

“ارمِ سلاحك... وإلا أول رصاصة هتكون في رأسها.”

نظر سليم إلى جنى، ثم ألقى سلاحه على الأرض.

ابتسم راضي ابتسامة المنتصر، وأشار إلى رجاله بتقييد سليم.

قال سليم بغضب:

“ليه؟ ليه بتعمل كل ده؟”

اقترب راضي منه حتى أصبح وجهًا لوجه، وقال:

“لأنك قربت تعرف الحقيقة... وأنا مستحيل أسمح بده.”

وقبل أن يكمل، دوى صوت إطلاق نار من خارج المنزل.

تحطمت النوافذ، واندفع رجال مجهولون إلى الداخل.

تحول المكان إلى ساحة معركة، واستغل سليم الفوضى، فضرب أحد الرجال وانتزع سلاحه، ثم فك قيود جنى.

هرب الاثنان عبر باب خلفي يؤدي إلى ممر قديم أسفل المنزل.

كان الممر مظلمًا، لا يضيئه سوى ضوء مصباح صغير وجدته جنى على الأرض.

وأثناء سيرهما، اصطدمت قدم سليم بصندوق خشبي قديم.

فتح الصندوق، فوجد دفترًا جلديًا كُتب على غلافه:

“مذكرات حسن الهواري.”

تسارعت أنفاسه.

فتح الصفحة الأولى، وبدأ يقرأ:

«"إذا وصلت هذه المذكرات إلى ابني، فاعلم أن عدوي لم يكن من العزازية... بل من أقرب الناس إليّ."»

وقبل أن يقلب الصفحة التالية، سمعا خطوات تقترب من نهاية الممر.

أغلق سليم الدفتر بسرعة، وأطفأ المصباح.

مرت ثوانٍ ثقيلة…

ثم ظهر رجل يحمل فانوسًا قديمًا.

وعندما اقترب منهما، شهقت جنى في صدمة.

قالت بصوت مرتجف:

“مستحيل... إنت عايش؟!”

رفع الرجل الفانوس، وظهرت ملامحه بوضوح.

كان حسن الهواري…

والد سليم، الذي أعلن الجميع وفاته قبل عشرين عامًا.

ابتسم الرجل ابتسامة حزينة، وقال:

“سامحني يا ابني... كنت مضطر أختفي.”

تجمد سليم في مكانه، غير قادر على تصديق ما يراه.

لكن قبل أن ينطق بكلمة، دوى انفجار هائل عند مدخل النفق، وبدأت الصخور تتساقط، بينما قال حسن بصوت حازم:

“اسمعني كويس... الوقت اللي فاضل أقل من الحقيقة نفسها.”

يتبع…

الجزء الحادي عشر:

 الحقيقة التي غيّرت كل شيء

اهتز النفق بقوة، وبدأت الحجارة تتساقط من السقف.

أمسك حسن بذراع سليم وجنى، وقادهما إلى ممر ضيق ينتهي بباب حديدي قديم.

أغلق الباب خلفهم، ثم جلس على الأرض يلتقط أنفاسه.

ظل سليم ينظر إليه في ذهول، ثم قال بصوت مرتجف:

“إنت... أبويا؟”

ابتسم حسن ابتسامة حزينة، وأخرج من جيبه سلسلة فضية كان سليم قد أهداه إياها وهو طفل.

قال بهدوء:

“فاكر يوم عيد ميلادك السادس؟ قلتلي: متسبنيش يا أبويا... وأنا وعدتك.”

لم يتمالك سليم نفسه، وارتمى في حضن والده بعد عشرين عامًا من الفراق.

لكن لحظة اللقاء لم تدم طويلًا.

قال حسن بجدية:

“اسمعني... أنا ما متش. ليلة الحادثة، حاولوا يقتلوني، لكن واحد من رجالي أنقذني، واضطريت أختفي. لو كنت ظهرت وقتها، كانوا هيقتلوا أمك وإنت وأخوك.”

سأل سليم بسرعة:

“مين هما؟”

تنهد حسن وقال:

“فيه تنظيم سري جوه العيلتين... مش شخص واحد. ناس باعت ضميرها علشان السلطة والفلوس.”

وقبل أن يكمل، سمعوا صوت الباب الحديدي يُطرق بعنف.

قال حسن:

“لقونا!”

أخرج مسدسًا قديمًا وأعطاه لسليم.

“من النهارده... إنت اللي هتكمل الطريق.”

انفجر الباب، واقتحم خمسة رجال المكان.

بدأ إطلاق النار، وتحول الممر الضيق إلى ساحة معركة.

نجح سليم في إسقاط اثنين منهم، بينما كانت جنى تساعد والده على الهروب.

لكن فجأة…

خرج رجل ملثم من آخر الممر، وصوّب بندقيته نحو حسن.

صرخت جنى:

“خلي بالك!”

أطلق الرجل النار…

فسقط حسن على الأرض، والدماء تنساب من كتفه.

ركض سليم نحوه، لكنه فوجئ بالرجل الملثم ينزع قناعه بنفسه.

اتسعت عينا سليم.

كان الرجل هو…

يوسف.

وقف يوسف وهو يمسك السلاح، والدموع تملأ عينيه، وقال بصوت مكسور:

“سامحني يا أخويا... كانوا هيقتلوا أمي لو منفذتش أوامرهم.”

تجمد سليم بين صدمة الخيانة... وخوفه على أخيه.

وفي تلك اللحظة، جاء صوت مجهول من جهاز لاسلكي مع يوسف:

“خلص المهمة... واقتل حسن.”

يتبع…

الجزء الثاني عشر: 

بين الدم والوفاء

ظل يوسف ممسكًا بالسلاح، لكن يده كانت ترتجف بشدة.

جاءه الصوت مرة أخرى عبر جهاز اللاسلكي:

“نفّذ... وإلا أمك هتموت.”

نظر يوسف إلى حسن، ثم إلى سليم، وأغمض عينيه للحظة.

وفجأة…

وجّه السلاح نحو الرجلين الملثمين اللذين كانا يقفان خلف حسن، وأطلق النار عليهما.

سقطا أرضًا، بينما صاح يوسف:

“اجري يا سليم... بسرعة!”

اندهش سليم، لكنه لم يتردد. حمل والده المصاب على كتفه، وساعدته جنى حتى خرجوا من الممر السري قبل أن ينهار جزء منه.

في الخارج، كانت السماء تمطر بغزارة، والبرق يشق الظلام.

توقف حسن بصعوبة، وأخرج من جيبه مفتاحًا ذهبيًا صغيرًا.

قال لسليم:

“المفتاح ده يفتح خزنة في المصنع القديم... فيها الدليل اللي هيفضح كل الخونة.”

وقبل أن يكمل، دوى صوت محركات سيارات تقترب بسرعة.

ظهرت خمس سيارات سوداء تحيط بالمكان.

ترجل منها رجال مسلحون يرتدون ملابس سوداء، يتقدمهم رجل طويل أخفى وجهه بوشاح أسود.

قال بصوت هادئ لكنه مرعب:

“انتهت اللعبة يا حسن.”

رفع الرجل يده…

فأحاط المسلحون بسليم ووالده وجنى ويوسف من كل اتجاه.

ابتسم حسن رغم إصابته وقال:

“أخيرًا... ظهر كبيرهم.”

اقترب الرجل المجهول ببطء، ثم خلع الوشاح عن وجهه.

شهق سليم.

لم يكن الرجل راضي…

ولم يكن من عائلة العزازية.

بل كان اللواء فؤاد، الضابط الذي تولى التحقيق في مقتل حسن قبل عشرين عامًا، والذي أغلق القضية بنفسه بعدما أعلن أن القاتل مجهول.

ابتسم فؤاد وقال:

“أنا اللي كتبت نهاية القصة من أول يوم... وكلكم مجرد شخصيات فيها.”

تبادل سليم وحسن النظرات في صدمة.

لكن حسن ابتسم فجأة، وقال:

“وأنا كنت مستني اللحظة دي من عشرين سنة.”

ضغط حسن على زر صغير مخبأ في ساعته.

وفي ثوانٍ، أضاءت كشافات قوية المكان من كل الجهات، وخرج عشرات الرجال المسلحين من بين الأشجار.

لكنهم لم يكونوا تابعين لفؤاد…

ولا للهواري…

ولا للعزازية.

توقف الجميع في ذهول.

ثم خرج قائدهم من الظلام، وقال بصوت قوي:

“ارموا سلاحكم... اللعبة اتغيرت.”

ونظر مباشرة إلى سليم وأضاف:

“إحنا معاك... من يوم مقتل أبوك.”

يتبع…

الجزء الثالث عشر:

 الوجه الذي لم يتوقعه أحد

ساد الصمت للحظات، والجميع ينظر إلى الرجال الذين خرجوا من بين الأشجار.

تقدم قائدهم بخطوات ثابتة، وخلع العمامة التي كانت تخفي ملامحه.

شهق حسن، وقال بصوت مرتجف:

“معقول... مراد؟!”

كان مراد، الرجل الذي أعلن الجميع مقتله قبل ثمانية عشر عامًا، وأحد أقرب أصدقاء حسن.

ابتسم مراد وقال:

“أنا ما متش... زيك يا حسن. كنت مستخبي ومستني اليوم اللي تقع فيه الشبكة كلها.”

اشتعل الغضب في عيني اللواء فؤاد، وأمر رجاله بإطلاق النار.

اندلعت معركة عنيفة وسط الأمطار، وسقط عدد من رجال الطرفين، بينما تمكن سليم وجنى من الهرب مع حسن ومراد إلى المصنع القديم.

كان المصنع مهجورًا منذ سنوات، لكن مراد كان يعرف كل ممراته.

وقف أمام خزنة حديدية ضخمة، وقال لحسن:

“المفتاح.”

ناول حسن المفتاح الذهبي إلى سليم.

أدخله في القفل، ودارت الخزنة ببطء حتى فُتحت.

داخلها كانت ملفات، وأشرطة تسجيل، وصندوق خشبي صغير.

فتح سليم الصندوق…

فوجد عقد بيع لأراضي العائلة، ورسائل تثبت أن حرب الثأر كانت مدبرة منذ البداية للاستيلاء على ثروات العائلتين.

لكن أكثر ما صدمه كان صورة قديمة.

في الصورة ظهر والده حسن، وعمه راضي، واللواء فؤاد…

ومعهم رجل رابع، كان وجهه واضحًا هذه المرة.

تجمد حسن في مكانه، ثم همس:

“لا... مستحيل.”

سأل سليم بسرعة:

“مين ده؟”

أجاب حسن بصوت مكسور:

“ده... أخويا الكبير جابر الهواري.”

صمت الجميع.

فجابر كان قد مات قبل خمسة وعشرين عامًا في حادث سيارة، وكانت جنازته قد حضرها أهل القرية جميعًا.

لكن إذا كانت الصورة حديثة…

فهذا يعني أن جابر…

لم يمت أبدًا.

وفي اللحظة نفسها، انطفأت أنوار المصنع.

وانبعث صوت عبر مكبرات الصوت:

“أخيرًا وصلتوا للحقيقة... لكن الحقيقة دي هتكون آخر حاجة تعرفوها.”

ثم دوى انفجار ضخم عند البوابة الرئيسية، وبدأ رجال مسلحون يقتحمون المصنع من كل الاتجاهات.

وفي أعلى السلم الحديدي، ظهر رجل يرتدي جلبابًا أسود.

خلع غطاء رأسه ببطء…

وكان وجهه مطابقًا للصورة.

ابتسم وقال:

“وحشتوني... يا عيلتي.”

يتبع….. 

الجزء الرابع عشر:

 عودة الميت

ساد الصمت داخل المصنع، ولم يجرؤ أحد على الحركة.

كان الرجل الواقف أعلى السلم ينظر إليهم بثبات، بينما ارتسمت على وجهه ابتسامة باردة.

همس حسن وهو يكاد يفقد توازنه:

“جابر...”

ضحك الرجل بصوت منخفض وقال:

“بعد خمسة وعشرين سنة... أخيرًا نطقت اسمي يا أخويا.”

تقدم سليم خطوة للأمام، وهو يقبض على سلاحه بقوة.

قال بغضب:

“إنت السبب في كل اللي حصل؟”

نظر إليه جابر طويلًا، ثم قال:

“أنا السبب؟ لا يا سليم... أنا كنت أول ضحية.”

ساد الارتباك بين الجميع.

أخرج جابر ملفًا قديمًا وألقاه أمام حسن.

فتح حسن الملف، فتغير لون وجهه.

كان يحتوي على تقرير طبي، وصور، ومستندات تثبت أن جابر لم يمت في حادث السيارة، بل تعرض لمحاولة اغتيال، وأن من سلّمه للمهاجمين كان شخصًا من داخل العائلة.

قال جابر بصوت مليء بالقهر:

“صحيت بعد شهور في بلد تانية... فاقد الذاكرة. ولما افتكرت كل حاجة ورجعت، لقيتكم دفنتوني، ووزعتوا الميراث، وكل واحد خد نصيبه.”

صرخ حسن:

“أنا كنت فاكر إنك مت!”

رد جابر بعنف:

“وأنا كنت فاكر إنك خنتني.”

وقبل أن يرد حسن، دوّى صوت إطلاق نار.

سقط مراد على الأرض بعدما أصابت رصاصة كتفه.

التفت الجميع نحو مصدرها.

كان اللواء فؤاد قد وصل مع رجاله، وحاصر المصنع من جديد.

ابتسم فؤاد وقال:

“خلاص... بقى كل الخونة في مكان واحد.”

لكن جابر ضحك لأول مرة.

نظر إلى فؤاد وقال:

“إنت لسه فاكر إنك القائد؟”

رفع جابر يده، فانفتح باب حديدي خلفه.

خرج منه عشرات الرجال المدججين بالسلاح.

لكن المفاجأة لم تكن في عددهم…

بل في الشخص الذي كان يقودهم.

تجمد سليم عندما رآه.

كان…

راضي الهواري.

لكن هذه المرة، لم يكن يقف بجوار عائلته، بل بجوار جابر.

ابتسم راضي وقال:

“سامحوني... أنا كنت بخدمه من أول يوم.”

شعر حسن أن الأرض تميد تحت قدميه.

فقد تأكد الآن أن شقيقه لم يكن وحده، وأن أقرب الناس إليه كان جزءًا من المؤامرة منذ البداية.

أما سليم، فقد أدرك أن الحرب الحقيقية لم تبدأ بعد…

يتبع…

الجزء الخامس عشر:

 الخيانة الكبرى

ساد الوجوم أرجاء المصنع بعدما وقف راضي الهواري إلى جوار جابر.

لم يصدق حسن ما يراه.

قال بصوت مكسور:

“كل السنين دي... كنت معاه؟”

ابتسم راضي ابتسامة باردة، ثم قال:

“من أول يوم... كنت عارف إن جابر عايش. وأنا اللي ساعدته يختفي.”

شهق سليم، وشعر بأن كل ما كان يعتقده بدأ ينهار.

لكن جابر رفع يده وقال:

“اسكت يا راضي... قول الحقيقة كلها.”

تردد راضي للحظات، ثم قال:

“أنا خنت حسن... لكني ما قتلتوش.”

نظر الجميع إليه في ذهول.

أكمل بصوت مرتجف:

“اللي قتل أخوكم... شخص ما حدش فيكم يتخيل اسمه.”

وقبل أن ينطق بالاسم…

اخترقت رصاصة رأس راضي.

سقط أرضًا قبل أن يكمل كلمته الأخيرة.

ارتفعت صرخة حسن، بينما اندفع سليم نحو عمه، لكنه كان قد فارق الحياة.

التفت الجميع إلى مصدر الرصاصة.

كان القناص يقف فوق خزان المياه المقابل للمصنع.

لكن قبل أن يتمكن أحد من إصابته، اختفى في الظلام.

وجد سليم بجوار جثة راضي ورقة مطوية.

فتحها بسرعة.

كانت مكتوبة بخط اليد:

“الخائن مات... لكن القائد الحقيقي لم يظهر بعد.”

ساد الصمت.

وفي تلك اللحظة، رن هاتف جابر.

نظر إلى الشاشة، فتغيرت ملامحه لأول مرة.

رد بصوت منخفض:

“أيوه... يا باشا.”

ساد الصمت بين الجميع.

ثم أغلق الهاتف، ونظر إلى حسن وسليم وقال:

“كلنا كنا مجرد بيادق... حتى أنا.”

تجمد سليم.

إذا كان جابر نفسه ينفذ أوامر شخص آخر…

فمن يكون هذا الشخص؟

وقبل أن يسأل، انطفأت أنوار المصنع بالكامل.

ثم سُمِع صوت رجل مسن يتردد عبر مكبرات الصوت:

«"خمسة وعشرون سنة... وأنا بحرككم زي قطع الشطرنج."»

ثم ضحك ضحكة طويلة ومرعبة.

وتوقف الصوت فجأة…

لتظهر على أحد الجدران صورة قديمة بالأبيض والأسود.

كانت الصورة تضم حسن، وجابر، وراضي وهم أطفال…

وبينهم رجل مجهول يضع يده على أكتافهم.

همس حسن، وقد شحب وجهه:

“لا... مستحيل يكون رجع.”

نظر إليه سليم بقلق وسأل:

“مين الراجل ده؟”

أجاب حسن وهو يحدق في الصورة:

“ده... جدي.”

لكن الجد كان قد مات منذ ثلاثين عامًا…

أم أن الجميع كان يعيش كذبة أخرى؟

يتبع…

الجزء السادس عشر:

 قبر بلا جثة

وقف الجميع أمام الصورة القديمة، والصدمة ترتسم على وجوههم.

قال سليم وهو ينظر إلى والده:

“إنت قلت إن جدي مات من تلاتين سنة!”

أجاب حسن بصوت خافت:

“وده اللي شوفناه كلنا... دفناه بإيدينا.”

ابتسم جابر بسخرية وقال:

“دفنتوا تابوتًا... لكن محدش فتحه.”

ساد الصمت.

وفي تلك اللحظة، دخل مراد وهو يحمل ملفًا قديمًا عثر عليه داخل المصنع.

فتحه أمام الجميع، فوجدوا تقرير استخراج جثة الجد قبل ثلاثين عامًا.

لكن آخر سطر في التقرير كان صادمًا:

“التابوت كان خاليًا.”

تجمد الجميع.

إذًا... من الذي دُفن؟

وقبل أن يستوعبوا الصدمة، دوى انفجار هائل في ساحة المصنع، واشتعلت النيران في السيارات.

وسط الدخان، ظهر رجل عجوز يرتدي جلبابًا أبيض ويحمل عصًا منقوشة.

رفع رأسه، وقال بصوت هادئ:

“وحشتوني يا ولادي.”

شحب وجه حسن، وسقط على ركبتيه.

“جدي...!”

لكن العجوز ابتسم وقال:

“أنا مش جدك...”

ثم خلع لحيته البيضاء وشعره المستعار.

كان مجرد رجل يتنكر.

وقال ضاحكًا:

“واضح إنكم بتصدقوا أي حاجة.”

لكن قبل أن يتمكن أحد من الإمساك به، ابتلعته النيران واختفى.

وفي المكان الذي كان يقف فيه، وجد سليم قلادة قديمة تخص والدته.

الجزء السابع عشر: 

دموع الأم

عاد سليم إلى القصر، والقلادة في يده.

دخل غرفة والدته، ووضعها أمامها.

ما إن رأتها حتى انفجرت في البكاء.

قالت بصوت مرتجف:

“دي كانت معايا... ليلة اختفى أبوك.”

اقترب منها سليم وسأل:

“إزاي وصلت للمصنع؟”

أغلقت عينيها للحظات، ثم قالت:

“في حاجة مخبيّاها عنك من عشرين سنة.”

ساد الصمت.

أكملت وهي تبكي:

“أبوك ما خرجش لوحده ليلة الحادث... كان معاه طفل.”

اتسعت عينا سليم.

“طفل؟ مين؟”

قالت بصوت مكسور:

“أخوك.”

شهق سليم.

“يوسف؟”

هزت رأسها بالنفي.

ثم همست:

“لا... أخوك التاني.”

شعر سليم أن الأرض تميد تحت قدميه.

“أنا... عندي أخ؟”

قبل أن تجيب، انفتح باب الغرفة بعنف.

دخل يوسف وهو ينزف من كتفه، وقال وهو يلهث:

“اهربوا... جابر عرف مكانكم.”

وفي اللحظة نفسها، انقطع التيار الكهربائي في القصر.

ثم سُمعت خطوات عشرات الرجال في الخارج.

وبصوت مرتفع، صاح أحدهم:

“محدش يخرج... القصر اتحاصر.”

يتبع…

الجزء الثامن عشر: 

حصار القصر

غرق قصر الهواري في الظلام، ولم يعد يُسمع سوى صوت أنفاس الرجال وصليل الأسلحة.

وقف سليم أمام والدته ويوسف، وقال بحزم:

“محدش هيمس حد منكم طول ما أنا عايش.”

وفي الخارج، دوى صوت جابر:

“سليم... افتح الباب، وإلا القصر كله هيتحول لمقبرة.”

رد سليم من خلف الباب:

“لو راجل... ادخل.”

بدأ رجال جابر في اقتحام القصر، واندلعت معركة عنيفة في الممرات. وبينما كان سليم يقاتل، لاحظ أن جنى اختفت.

بحث عنها في كل مكان، حتى وجد رسالة على الأرض مكتوبًا فيها:

“لو عايز تشوفها حية... تعالى المقابر القديمة لوحدك.”

لم يخبر أحدًا، وغادر القصر سرًا.

وصل إلى المقابر قبل منتصف الليل، فوجد جنى مربوطة إلى عمود حجري.

ركض نحوها، لكنها صرخت:

“ارجع يا سليم... ده فخ!”

وقبل أن يتراجع، أُغلقت البوابة الحديدية خلفه.

خرج جابر من بين القبور، وقال:

“كل مرة بتهرب... لكن المرة دي النهاية قربت.”

ثم ألقى أمامه ظرفًا صغيرًا.

فتح سليم الظرف، فتغير لون وجهه.

كانت بداخله نتيجة تحليل DNA.

قرأ الاسم أكثر من مرة…

ثم همس:

“مستحيل...”

---

الجزء التاسع عشر: 

الحقيقة التي حطمت الجميع

ظل سليم ينظر إلى الورقة غير مصدّق.

كان التقرير يؤكد أن حسن الهواري…

ليس والده الحقيقي.

رفع رأسه نحو جابر وهو يصرخ:

“كذاب!”

ابتسم جابر وقال:

“اسأل أمك... هي الوحيدة اللي تعرف الحقيقة.”

وفي تلك اللحظة، وصلت والدة سليم مع حسن ويوسف بعد أن تتبعوا أثره.

ألقى سليم التقرير أمامها.

انهارت على الأرض وهي تبكي.

قالت بصوت مكسور:

“سامحني يا ابني... كنت عايزة أحميك.”

ساد صمت ثقيل.

ثم أكملت:

“حسن ربّاك وكبرك كابنه... لكنه ما كانش والدك البيولوجي.”

تراجع سليم خطوة إلى الخلف، وشعر أن الدنيا تدور به.

لكن حسن اقترب منه، ووضع يده على كتفه، وقال:

“الدم مش هو اللي بيعمل الأب... أنا اللي ربيتك، وهفضل أبوك مهما كانت الحقيقة.”

تأثر سليم بكلامه، لكن جابر انفجر ضاحكًا.

وقال:

“لسه الصدمة الكبيرة ما جاتش.”

أشار إلى أحد رجاله.

فأحضر شابًا مقيد اليدين، يشبه سليم بشكلٍ لافت.

ثم قال جابر:

“اتعرف... على أخوك الحقيقي.”

رفع الشاب رأسه ببطء، ونظر إلى سليم بعينين مليئتين بالغضب، وقال:

“أنا اسمي آدم... ومن النهارده، هبدأ آخد حقي.”

يتبع…

image about لعنة دم الصعيد

الجزء العشرون: 

الأخ الذي جاء للانتقام

ساد الصمت في المقبرة، ولم يصدق سليم ما يسمعه.

ظل ينظر إلى الشاب المقيد، ثم قال:

“إنت مين؟”

رفع الشاب رأسه بثبات وقال:

“أنا آدم... والسنين اللي ضاعت مني بسببكم مش هتتعوض.”

صرخت والدة سليم وهي تبكي:

“لا... متصدقوش جابر!”

لكن جابر ألقى ملفًا قديمًا أمام سليم.

فتح الملف، فوجد شهادة ميلاد قديمة، وصورًا لطفلين حديثي الولادة، ورسالة من طبيب القرية تؤكد أنه في ليلة الميلاد تم تبديل طفلين داخل المستشفى.

ارتجفت يد سليم.

هل عاش طوال عمره باسم ليس اسمه؟

اقترب حسن من آدم وقال بهدوء:

“حتى لو كنت ابني... اللي زرع الكراهية جواك هو جابر.”

نظر آدم إلى حسن بعينين مليئتين بالدموع، لكنه لم ينطق.

وفي تلك اللحظة، أخرج جابر مسدسًا ووضعه في يد آدم.

وقال بصوت بارد:

“قدامك فرصة واحدة... اقتل حسن، وخد حق أبوك.”

ساد الصمت.

رفع آدم المسدس ببطء.

كانت فوهته تتجه نحو حسن.

أغمضت والدة سليم عينيها، بينما وقف سليم أمام حسن ليحميه.

صرخ:

“لو هتضرب... اضربني أنا.”

ارتجفت يد آدم.

وبينما كان الجميع ينتظر الرصاصة…

استدار فجأة، وأطلق النار على أحد رجال جابر الذي كان يختبئ خلف حسن.

سقط الرجل قتيلًا.

قال آدم بغضب:

“أنا مش قاتل... واللي سرق حياتي هو جابر.”

اشتعلت المعركة من جديد.

استغل جابر الفوضى، وهرب عبر نفق سري أسفل المقبرة.

ركض سليم وآدم خلفه، لكنهما وصلا إلى نهاية النفق ليجداه فارغًا.

لم يكن هناك سوى ساعة جيب قديمة ورسالة.

فتح سليم الرسالة، فقرأ بصوت مرتجف:

«"لو وصلتوا لحد هنا... يبقى أنتم لسه ما عرفتوش مين الرأس الحقيقي. جابر مجرد منفذ... أما صاحب الأمر، فهو الشخص اللي وثقتوا فيه أكتر من أي حد."»

نظر سليم إلى حسن... ثم إلى مراد... ثم إلى يوسف…

ولأول مرة…

بدأ يشك في الجميع.

يتبع…

الجزء الحادي والعشرون: 

سقوط الأقنعة

عاد الجميع إلى قصر الهواري، لكن الشك أصبح يملأ القلوب.

لم يعد أحد ينام، ولم يعد أحد يترك سلاحه.

وفي منتصف الليل، استيقظ سليم على صوت فتح باب غرفته.

أمسك بمسدسه بسرعة، لكنه فوجئ بيوسف يدخل وهو يهمس:

“تعالى معايا... اكتشفت حاجة خطيرة.”

خرجا معًا إلى المخزن القديم خلف القصر.

أزاح يوسف مجموعة من الألواح الخشبية، فكشف عن باب حديدي صدئ.

فتحاه بصعوبة.

في الداخل، كانت غرفة سرية مليئة بالملفات، وصور لكل أفراد العائلتين، وخريطة كبيرة للقرية.

لكن أكثر ما صدم سليم…

كانت صورة حديثة التقطت له قبل أيام، وهو يتحدث مع جنى.

أسفل الصورة كُتب:

“تحت المراقبة.”

وقبل أن يستوعب ما يرى، سمعا تصفيقًا يأتي من خلفهما.

استدارا بسرعة.

وقف رجل يرتدي السواد بالكامل، وقال بابتسامة ساخرة:

“أخيرًا وصلتوا للمكان اللي كنت مستنيكم فيه.”

ثم خلع قناعه…

فتجمد سليم.

لم يكن الرجل جابر…

ولا اللواء فؤاد…

بل شخصًا يعرفه منذ طفولته، وكان الجميع يظنه أوفى رجال العائلة.

وقال وهو يبتسم:

“الحكاية الحقيقية... لسه ما بدأتش.”

يتبع... 

الجزء الثاني والعشرون: 

سقوط الوفي

وقف سليم في مكانه وقد شلت الصدمة حركته.

كان الرجل الذي خلع القناع هو العم عارف... كبير خدم قصر الهواري، والرجل الذي ربّى سليم منذ طفولته بعد اختفاء حسن.

قال سليم وهو يكاد لا يصدق:

“إنت؟! مستحيل... إنت كنت أقرب واحد لينا.”

ابتسم عارف ابتسامة باردة وقال:

“وده كان سر نجاحي... محدش بيشك في الشخص اللي بيحبه.”

أخرج ملفًا قديمًا ووضعه أمام سليم.

قال:

“كل خطوة كنت بتعملها... أنا كنت عارفها قبل ما تحصل.”

بدأ سليم يقلب الأوراق، فوجد تقارير عن تحركاته، وصورًا لجنى، وحسن، ويوسف، وآدم، وحتى جابر.

همس:

“إنت كنت بتراقبنا كلنا؟”

رد عارف بثقة:

“أنا اللي كنت بحرككم.”

وفي اللحظة نفسها، دوى صوت رصاصة.

اخترقت كتف عارف.

التفت الجميع نحو مصدرها.

كان حسن يقف عند باب الغرفة وهو يحمل بندقية قديمة.

قال بغضب:

“خلص زمن الكذب.”

لكن عارف ضحك رغم إصابته، وقال:

“لسه فاكر إن أنا الرأس الكبيرة؟”

ثم ضغط زرًا صغيرًا كان في خاتمه.

فانفجرت خزائن الملفات، واحترقت معظم الأدلة خلال ثوانٍ.

قبل أن يهرب، صاح في وجه سليم:

“لو عايز تعرف الحقيقة... روح للجبل الأسود قبل شروق الشمس.”

ثم اختفى داخل نفق سري.

---

الجزء الثالث والعشرون:

 الجبل الأسود

قبل شروق الشمس، صعد سليم وحسن ويوسف وآدم إلى الجبل الأسود.

كان المكان مهجورًا، لا يسمع فيه سوى صوت الرياح.

وفي القمة وجدوا بيتًا حجريًا قديمًا.

دخلوا بحذر…

فوجدوا جابر مقيدًا إلى كرسي، وآثار التعذيب واضحة على جسده.

رفع جابر رأسه بصعوبة وقال:

“اتأخرتوا...”

شهق سليم.

“مين عمل فيك كده؟”

ابتسم جابر بمرارة، ثم قال:

“الراجل اللي كنتوا فاكرين إنه ميت... رجع.”

وفجأة…

انفتح الباب ببطء.

دخل رجل مسن يرتدي جلبابًا أسود، تتبعه مجموعة من المسلحين.

خلع الرجل عمامته، ونظر إلى حسن.

قال بهدوء:

“وحشتني يا ابني.”

شحب وجه حسن، وسقط سلاحه من يده.

همس بصوت مرتجف:

“أبويا...”

رفع الرجل رأسه وقال:

“المرة دي... مش هتكون فيه رحمة.”

وفي تلك اللحظة، وجه أحد المسلحين سلاحه نحو سليم، وانطلقت رصاصة دوّت في أرجاء الجبل.

لكن…

لم يُعرف من الذي أصابته الرصاصة.

يتبع…

الجزء الرابع والعشرون: 

آخر الأسرار

دوّى صوت الرصاصة في أرجاء الجبل، ثم عمّ الصمت.

نظر سليم حوله في ذعر، قبل أن يرى حسن يسقط على ركبتيه، والدماء تنزف من كتفه.

صرخ سليم:

“أبويا!”

لكن حسن صاح وهو يتألم:

“سيبني... امسكه قبل ما يهرب!”

اندفع سليم نحو الرجل العجوز، إلا أن المسلحين اعترضوا طريقه، واندلعت معركة عنيفة داخل المنزل الحجري.

استغل يوسف الفوضى وفك قيود جابر.

نظر جابر إلى يوسف في دهشة وقال:

“بعد كل اللي حصل... لسه بتنقذني؟”

رد يوسف:

“اللي هيحاسبك هو القانون... مش أنا.”

وفي أثناء الاشتباك، سقطت عصا الرجل العجوز على الأرض، وانكسر طرفها.

خرجت منها وحدة تخزين إلكترونية صغيرة.

التقطها آدم بسرعة ووضعها في جيبه.

بعد دقائق، تمكن سليم من الإمساك بالرجل العجوز.

خلع عنه العمامة والعباءة…

لكن الجميع صُدم.

لم يكن جده.

ولم يكن زعيم العصابة.

بل كان ممثلًا استأجره عارف ليقنع الجميع أن الجد عاد للحياة، وليبقى العقل المدبر الحقيقي مختفيًا في الظل.

في تلك اللحظة، فتح آدم وحدة التخزين على حاسوب صغير كان يحمله مراد.

ظهر مقطع فيديو قديم.

ظهر فيه عارف وهو يتحدث مع اللواء فؤاد وجابر.

لكن بعد ثوانٍ، دخل شخص رابع إلى الغرفة.

كان وجهه واضحًا هذه المرة.

تجمد حسن، وقال بصوت يكاد لا يُسمع:

“لا... مستحيل.”

سأل سليم:

“مين ده؟”

رد حسن والدموع في عينيه:

“ده... أخويا التوأم كمال الهواري.”

ساد الصمت.

لم يكن أحد يعلم أن حسن كان له شقيق توأم.

وكان الجميع يعتقد أن كمال مات رضيعًا.

لكن الحقيقة كانت مختلفة.

ابتسم جابر بمرارة وقال:

“كمال هو اللي خطط لكل حاجة... استخدمنا كلنا علشان يوصل للثروة والسلطة.”

وفي تلك اللحظة، دوّى صوت تصفيق من خارج المنزل.

دخل رجل أنيق يرتدي بدلة سوداء، تحيط به مجموعة من الحراس.

ابتسم وقال:

“واضح إنكم أخيرًا عرفتوا اسمي...”

ثم نظر مباشرة إلى حسن وأضاف:

“اتأخرت أوي يا أخويا.”

كان…

كمال الهواري.

ابتسم وهو يرفع مسدسه، وقال:

“دلوقتي... هتبدأ النهاية.”

نهاية الجزء الرابع والعشرين... ويتبع في الجزء الخامس والعشرين (النهاية).

الجزء الخامس والعشرون: 

نهاية لعنة الثأر

وقف كمال الهواري في منتصف المنزل الحجري، يحيط به رجاله من كل جانب، بينما كانت فوهة مسدسه مصوبة نحو حسن.

ابتسم كمال وقال:

“خمسة وعشرون سنة... وأنا بخطط للحظة دي. خليت الأخ يشك في أخوه، والعيلتين يقتلوا بعض، وكل واحد فيكم كان بينفذ خطتي وهو فاكر نفسه بطل.”

ساد الصمت.

نظر سليم إلى كمال وقال بغضب:

“ليه؟ كل الدم ده علشان فلوس؟”

ضحك كمال بصوت مرتفع.

“مش الفلوس... السلطة. كنت عارف إن اللي يسيطر على العيلتين هيبقى سيد الصعيد كله.”

ثم أخرج ملفًا قديمًا وألقاه أمام حسن.

كان يحتوي على كل جرائمه منذ البداية: تزوير العقود، إشعال الثأر، رشوة اللواء فؤاد، وتصفية كل شاهد اقترب من الحقيقة.

قال حسن بحزن:

“كنت أخويا... ليه عملت فينا كده؟”

اقترب كمال منه وقال:

“لأنك كنت دايمًا المفضل... وأنا كنت مجرد الظل.”

وفجأة، رفع كمال مسدسه ليطلق النار على حسن.

لكن سليم اندفع أمام والده.

انطلقت الرصاصة…

واستقرت في كتف سليم.

صرخت جنى، وركضت نحوه.

في تلك اللحظة، استغل يوسف وآدم انشغال رجال كمال، وانقضا عليهم. اندلعت معركة أخيرة داخل المنزل، بينما تمكن مراد من الاتصال بقوات الأمن التي كانت تراقب تحركات العصابة منذ أيام.

حاول كمال الهرب عبر النفق السري، لكن سليم، رغم إصابته، لحق به.

وصل الاثنان إلى حافة الجبل.

قال كمال وهو يلهث:

“لو وقعت... الحقيقة هتموت معايا.”

أخرج سليم وحدة التخزين التي أخذها آدم من العصا المكسورة وقال:

“الحقيقة بقت معايا... وكل جرائمك متسجلة.”

أدرك كمال أن نهايته اقتربت.

حاول إطلاق رصاصة أخيرة، لكن حسن وصل في اللحظة المناسبة وأبعد السلاح عن يد أخيه.

وخلال الاشتباك، فقد كمال توازنه، وسقط من حافة الجبل إلى الوادي السحيق.

ساد الصمت.

وبعد دقائق، وصلت قوات الأمن وألقت القبض على بقية أفراد العصابة، كما قُبض على اللواء فؤاد وكل من شاركه في المؤامرة.

وبعد أشهر…

انتهت سنوات الثأر رسميًا بين عائلتي الهواري والعزازية، بعدما ظهرت الحقيقة كاملة أمام الجميع.

قرر حسن أن يترك منصب كبير العائلة، وسلم المسؤولية إلى سليم، لكنه أوصاه قائلًا:

«"الكبير الحقيقي مش اللي يخوف الناس... الكبير هو اللي يحميهم."»

بعد عام، تزوج سليم من جنى في حفل جمع العائلتين لأول مرة دون سلاح أو دماء.

وأمام الجميع، كُسر آخر بندق قديم كان يُستخدم في الثأر، وأُلقي في النار، إعلانًا لانتهاء زمن الانتقام.

وقف سليم ينظر إلى أهل القرية وقال:

“الدم عمره ما بنى بيت... لكن العدل هو اللي بيبني الأوطان.”

ومع غروب الشمس، أُغلقت آخر صفحة من لعنة الثأر، لتنتهي حكاية بدأت بالخيانة، وانتهت بانتصار الحقيقة على الكذب، والعدل على الانتقام.

image about لعنة دم الصعيد

تمت…. 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
رواية وحكاية تقييم 5 من 5.
المقالات

4

متابعهم

2

متابعهم

3

مقالات مشابة
-