تمثال الحرية.. القصة الكاملة وراء أشهر رمز للحرية في العالم

تمثال الحرية.. أكثر من مجرد تمثال
عندما تشاهد صور نيويورك، غالبًا ما يظهر أمامك تمثال ضخم لامرأة تحمل شعلة في يدها، وكأنه يرحب بكل من يصل إلى المدينة. هذا هو تمثال الحرية، واسمه الرسمي بالفرنسية هو Liberty Enlightening the World، أي «الحرية تنير العالم». ويقع التمثال حاليًا على جزيرة الحرية في ميناء نيويورك، وأصبح مع مرور الوقت واحدًا من أشهر الرموز العالمية للحرية والديمقراطية.
المصدر: nps.gov
كيف بدأت فكرة تمثال الحرية؟
تعود بداية القصة إلى ستينيات القرن التاسع عشر، عندما طرح المفكر الفرنسي إدوار دو لابولاي فكرة إنشاء تمثال يمثل الحرية ويُهدى إلى الولايات المتحدة. وكان يرى أن هذا المشروع يمكن أن يعبر عن الصداقة بين فرنسا والولايات المتحدة وعن أهمية مبادئ الحرية والديمقراطية.
بعد ذلك تحمس النحات الفرنسي فريدريك أوغست بارتولدي للفكرة، وبدأ العمل على تصميم تمثال ضخم يجسد مفهوم الحرية.
المصدر: nps.gov
لماذا اختيرت نيويورك؟
خلال زيارة بارتولدي للولايات المتحدة، بحث عن مكان مناسب للتمثال. وعندما وصل إلى ميناء نيويورك، لفت انتباهه موقع جزيرة بيدلو، التي أصبحت تُعرف لاحقًا باسم جزيرة الحرية.
كان الموقع مميزًا لأنه يقع عند مدخل الميناء، وبالتالي يستطيع القادمون إلى نيويورك رؤيته من مسافة بعيدة، وهو ما جعله مكانًا مناسبًا لرمز يُفترض أن يستقبل القادمين إلى البلاد.
المصدر: nps.gov
فرنسا تصنع التمثال.. وأمريكا تبني القاعدة
كان المشروع تعاونًا بين البلدين. تولت فرنسا تصميم وصناعة التمثال، بينما كان على الأمريكيين توفير القاعدة التي سيقف عليها.
بدأت أعمال بناء التمثال في فرنسا، واستمرت لسنوات، حتى اكتمل وتجميعه هناك عام 1884. وفي الوقت نفسه كان العمل يجري في الولايات المتحدة لبناء القاعدة الضخمة التي سيستقر فوقها التمثال.
المصدر: nps.gov
ما علاقة غوستاف إيفل بتمثال الحرية؟
من المعلومات المدهشة أن اسم غوستاف إيفل، صاحب برج إيفل الشهير، يرتبط أيضًا بتمثال الحرية.
لم يكن إيفل هو النحات الذي صنع الشكل الخارجي للتمثال، وإنما ساهم في تصميم الهيكل الداخلي المعدني الذي يدعم الغلاف النحاسي للتمثال. وكان هذا الهيكل الهندسي ضروريًا للحفاظ على استقرار التمثال الضخم والتعامل مع الرياح والعوامل المختلفة.
المصدر: whc.unesco.org
كيف وصل التمثال إلى أمريكا؟
بعد اكتماله في فرنسا، لم يكن من الممكن نقل التمثال كاملًا بسبب حجمه الهائل، ولذلك تم تفكيكه إلى مئات القطع ووضعه في صناديق.
وفي عام 1885، أبحرت أجزاء التمثال إلى الولايات المتحدة على متن السفينة الفرنسية Isère. ووصلت إلى ميناء نيويورك في 17 يونيو 1885، وسط احتفال كبير.
المصدر: nps.gov
إعادة تركيب التمثال في نيويورك
بعد وصول القطع إلى الولايات المتحدة، كان لا يزال العمل مستمرًا في القاعدة. وبعد اكتمالها، بدأ العمال في إعادة تركيب التمثال فوقها.
كان العمل الهندسي تحديًا كبيرًا، خاصة بسبب الحجم الهائل للتمثال وطريقة تثبيت أجزائه. وفي النهاية اكتملت عملية التجميع، وأصبح التمثال جاهزًا للافتتاح الرسمي.
المصدر: home.nps.gov
28 أكتوبر 1886.. يوم افتتاح تمثال الحرية
في 28 أكتوبر 1886، أقيم الاحتفال الرسمي بافتتاح تمثال الحرية في نيويورك، وقبلت الولايات المتحدة التمثال باعتباره هدية صداقة من فرنسا.
وشهدت المناسبة احتفالات ضخمة، بما في ذلك موكب بحري، وحضر الآلاف مراسم الافتتاح، ليبدأ التمثال فصلًا جديدًا في تاريخ نيويورك والولايات المتحدة.
المصدر: home.nps.gov
ماذا تحمل السيدة في يديها؟
من أكثر التفاصيل شهرة في التمثال الشعلة الموجودة في يدها اليمنى، والتي ترتبط بفكرة إضاءة الطريق والحرية.
أما في يدها اليسرى فتحمل لوحة منقوشًا عليها التاريخ الروماني IV JULY MDCCLXXVI، وهو تاريخ 4 يوليو 1776، المرتبط بإعلان استقلال الولايات المتحدة.
المصدر: whc.unesco.org
وماذا عن السلاسل الموجودة عند قدميها؟
عند النظر إلى الجزء السفلي من التمثال، يمكن رؤية قيود وسلاسل مكسورة عند قدميه. وترتبط هذه العناصر بفكرة التحرر من القيد، وقد حمل التمثال منذ بداياته معاني مرتبطة بالحرية والعدالة والتحرر.
وتوضح هيئة المتنزهات الوطنية أن التمثال كان مرتبطًا أيضًا بأفكار إلغاء العبودية والانتصار الذي حققه الاتحاد الأمريكي في الحرب الأهلية.
المصدر: nps.gov
كم يبلغ ارتفاع تمثال الحرية؟
قد يبدو التمثال ضخمًا في الصور، لكن أبعاده الحقيقية أكثر إثارة. يبلغ ارتفاع التمثال نفسه حوالي 46 مترًا، بينما يصل الارتفاع الإجمالي من الأرض إلى أعلى الشعلة إلى نحو 93 مترًا عند احتساب القاعدة.
وهذا الارتفاع ساعد في جعله معلمًا بارزًا يمكن رؤيته بوضوح من مناطق مختلفة حول ميناء نيويورك.
المصدر: nps.gov
لماذا تغير لون التمثال من البني إلى الأخضر؟
عندما صُنع التمثال كان مغطى بألواح من النحاس، لكن اللون الذي نعرفه اليوم لم يكن هو لونه الأصلي.
مع مرور الزمن تعرض النحاس للأكسدة والعوامل الجوية، فتكوّنت عليه طبقة طبيعية تُعرف باسم البَتِينَة، وهي التي أعطت التمثال لونه الأخضر المميز.
المصدر: nps.gov
تمثال الحرية والهجرة إلى أمريكا
مع مرور السنوات أصبح التمثال مرتبطًا بقوة بقصة المهاجرين الذين وصلوا إلى الولايات المتحدة، خصوصًا في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
وبسبب موقعه عند مدخل ميناء نيويورك، أصبح بالنسبة إلى كثير من القادمين بحرًا واحدًا من أول المشاهد التي يرونها عند اقترابهم من الولايات المتحدة، ولذلك ترسخ ارتباطه في الثقافة الأمريكية بفكرة الوصول إلى بلد جديد وبداية حياة مختلفة.
المصدر: nps.gov
من تمثال ضخم إلى رمز عالمي
لم يتوقف تأثير تمثال الحرية عند الولايات المتحدة وفرنسا فقط. فقد أصبح مع مرور الوقت رمزًا عالميًا للحرية، واعتبرته اليونسكو من المعالم ذات القيمة العالمية الاستثنائية، مشيرة إلى أهميته الفنية والهندسية والتاريخية.
وفي عام 1984 أُدرج تمثال الحرية ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو.
المصدر: whc.unesco.org
أكثر من 100 عام.. والتمثال ما زال واقفًا
منذ افتتاحه عام 1886، مر تمثال الحرية بأكثر من قرن من التغيرات، وشهد تطور مدينة نيويورك من حوله، وأصبح جزءًا أساسيًا من صورتها أمام العالم.
وفي عام 1924 تم إعلان التمثال نصبًا وطنيًا في الولايات المتحدة، بينما تتولى هيئة المتنزهات الوطنية الأمريكية رعايته منذ عام 1933.
المصدر: nps.gov
الخاتمة.. لماذا لا يزال تمثال الحرية مهمًا؟
قصة تمثال الحرية ليست مجرد قصة تمثال انتقل من فرنسا إلى أمريكا، بل هي قصة تعاون بين دولتين، ومشروع هندسي ضخم، ورمز تغيّر معناه وتطور عبر الأجيال.
بدأت الفكرة كهدية تعبّر عن الصداقة والحرية، ثم أصبح التمثال مع مرور الوقت واحدًا من أشهر رموز نيويورك والولايات المتحدة والعالم. ولهذا، عندما ننظر إلى الشعلة التي ترتفع فوق ميناء نيويورك، فنحن لا نشاهد مجرد عمل فني ضخم، بل نشاهد جزءًا من تاريخ امتد لأكثر من 140 عامًا.
المصدر: nps.gov whc.unesco.org
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق