الجزء الأول: حُطام الأوهام: (الخيوط الميتة)

الجزء الأول: حُطام الأوهام: (الخيوط الميتة)

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

   قــصة : حُطـــــام الأوهـــام

image about الجزء الأول: حُطام الأوهام: (الخيوط الميتة)
 

 

     الجزء الأول : الخيوط الميتة


                                       المشهد الأول : ليلة الرماد والصندوق

جلس "يحيى" على مقعد المكتب الخشبي القديم في بيت العائلة الصامت. الساعة تجاوزت الثالثة بعد منتصف الليل، والمنزل الذي كان يضج يوماً بصوت سعال أبيه، صار الآن بارداً كالمقابر. فرك عينيه المتعبتين من البكاء؛ كل شيء هنا يوحي بالبساطة والفقر، رجل عجوز مات دون أن يترك خلفه سوى معاش ضئيل وبضع لوحات يكسوها الغبار.

تنفس بصعوبة، وقرر البدء في جمع أغراض أبيه الراحل. عندما أزاح برواز الصورة العائلية الوحيدة المعلقة وراء المكتب، سقط شيء معدني صغير على الأرض محدثاً رنيناً حاداً.

انحنى يحيى والتقطه. كان مفتاحاً نحاسياً قديماً ذو نقوش غريبة. وبدافع الفضول، بدأ يفتش خلف المكتب حتى تعثرت يده ببروز خشبي في الأسفل. ضغط عليه، فاستجاب الخشب العتيق بصوت صرير، لينفتح درج سري لم يره طوال حياته. داخل التجويف، كان يقبع صندوق حديدي أسود، ثقيل الوزن ومقيد بقفل مكسور بالفعل، كأن أحداً فتحه على عجلة قبل رحيله.

فتح يحيى الصندوق، لتتسع عيناه بذهول امتزج بالقشعريرة.

الصندوق لم يكن يحتوي على وصية أو أوراق ملكية، بل كان مكدساً بـ عشرات الجوابات المكتوبة بخط يد أبيه، مغلفة بأظرف صفراء باهتة ومؤرخة على مدار سنوات طويلة. وفوق الجوابات، كانت هناك حزمة من الصور الفوتوغرافية لأشخاص مختلفة؛ وجوه جامدة لم يرها يحيى في حياته قط. والأكثر غرابة، أنه وجد في قاع الصندوق مفتاحاً ثانياً صغيراً وفضياً، حُفر عليه رمز غريب (أفعى تلتف حول سيف).

التقط يحيى الظرف الأول برعشة سرت في أطرافه، وسحب الورقة من داخله ليقرأ:

"إلى من يعثر على هذا بعد غيابي..كل ما أخبرتك به كان كذبة. اسمي، وتاريخي، والفقر الذي عشنا فيه.. كل شيء كان قناعاً لحمايتك. الأشخاص الذين في الصور يظنون أنني مت منذ زمن، والسراب الذي عشت فيه هو حقيقتهم الوحيدة. إذا كنت تقرأ هذا الآن، فاعلم أن اللعبة قد بدأت، وأن موتي لم يكن قضاءً وقَدراً.. بل كان المخرج الوحيد."

سقطت الورقة من يد يحيى. تطلع إلى المفتاحين في يده، ثم إلى صور الغرباء. شعر بأن الرجل الطيب البسيط الذي بكاه صباحاً.. ما هو إلا وهم كبير 


                           المشهد الثاني : الخيط الأول والطريق الخطأ

مرت ثلاثة أيام ويحيى حبيس غرفته، غارقاً في شلل فكري وتساؤلات لا تنتهي. قرر أخيراً استخدام حسه التحليلي كمراجع حسابات؛ بدأ بفرز الصور واحدة تلو الأخرى، حتى استوقفته صورة لرجل ببدلة أنيقة، كُتب خلفها بخط أبيه الحاد: "سليمان الألفي – وسط البلد 1996".

أجرى يحيى بحثاً موسعاً في الأرشيف الرقمي للصحف القديمة، ليصعقه الخبر: سليمان الألفي كان رجل أعمال بارزاً، واختفى في ظروف غامضة عام 1996 ولم يُعثر له على أثر!

توجه يحيى إلى العنوان المكتوب خلف الصورة في حي وسط البلد العتيق. صعد درجات سلم متهالك حتى وصل إلى شقة تفوح منها رائحة الرطوبة والإهمال. طرق الباب بقلب يرتجف، ليفتح له رجل طاعن في السن، تتآكل ملامحه التجاعيد، يدعى "عم متولي".


                             المشهد الثالث : الطُّعم والمتاهة الملعونة

ما إن وقعت عينا العجوز متولي على يحيى، وتأمل ملامحه الشبيهة بأبيه، حتى تراجع للوراء بشهقة رعب مستنكراً: "أنت.. أنت ابن شاكر؟!".

دلف يحيى إلى الشقة متلهفاً للإجابات، لكنه لم يكن يعلم أنه يخطو داخل شباك عنكبوتية نسجها أبوه الراحل بدقة لتهيئة هذا المسار المضلل. جلس العجوز وقال بنبرة متهدجة بافاً أوراق الخداع: "والدك يا بني لم يكن مجرد موظف.. لقد كان عميلاً سرياً يعمل لصالح جهة أمنية لحماية الآثار من عصابة تهريب دولية. وسليمان الألفي الذي في الصورة هو من غدر بوالدك زماناً، واضطر أبوك لتزييف فقره بل وتزييف موته الآن ليحميك من انتقامهم الشرس!".

انطلت الحيلة على يحيى تماماً. تحول الحزن في أعماقه إلى فخر مسموم، وظن أن أباه بطل ضحى بحياته لأجله. سأل بلهفة: "وكيف آخذ حقه؟".
أشار له العجوز متولي إلى طريق الهلاك قائلاً: "إن كنت شجاعاً كأبيك، فاذهب إلى المخزن المهجور عند ملاحات الإسكندرية.. هناك ستجد وثائق تدين المحرك الرئيسي للعصابة".


                                           المشهد الرابع : فخ الملاحات

في ليلة شاتية عاصفة، كان المطر يجلد جدران الإسكندرية بقسوة. تسلل يحيى برعب وبراءة إلى داخل المخزن المهجور وسط الملاحات، ممسكاً بمصباح يدوي صغير، وظن أنه على وشك إنهاء الكابوس.

تنقل بالمصباح بين الصناديق الخشبية، حتى تعثرت قدمه بلزوجة غريبة على الأرض. وجه الضوء لأسفل، لتجف الدماء في عروقه.. كان بساطاً من الدماء القانية يطوق جثة هامدة. انحنى يحيى برعب ليتفحص الوجه.. لقد كانت جثة العجوز "عم متولي" نفسه! الرجل الذي كان يحدثه قبل يومين في القاهرة، يرقد الآن هنا مذبوحاً من الوريد إلى الوريد.

قبل أن يستوعب الصدمة، تحطم سكون المكان؛ أضواء كاشفة مبهرة ومسلطة من كل اتجاه اخترقت عينيه، وصرخات حادة لرجال مسلحين بملابس سوداء هجموا عليه كالكواسر، وطرحوه أرضاً وجهه في الطين والدماء.

صرخ يحيى بهستيرية وهو يشعر بالقيود الحديدية تقيد معصميه: "أنا لم أقتله! أنا أبحث عن حقيقة أبي!".
تقدم منه محقق ذو ملامح باردة كالملح، ونظر إليه بازدراء قائلاً: "أبوك؟ شاكر الميت؟ يبدو أنك كنت مغفلاً كبيراً يا يحيى.. خذوه إلى السيارة!".


                     المشهد الخامس : خلف القضبان (نهاية الجزء الأول)

يسدل الستار على الجزء الأول ويحيى مقيد بالسلاسل داخل زنزانة انفرادية ضيقة تحت الأرض. غارق في ظلام دامس وعاجز تماماً عن الفهم؛ هل قبضت عليه الشرطة أم اختطفته العصابة؟ ولماذا قُتل متولي؟

بينما كان يبكي قهراً وقلة حيلة، تذكر أنه نجح في إخفاء المفتاحين (النحاسي والفضي) داخل بطانة حذائه السفلية ولم يعثر عليهما أحد. رنت في أذنيه كلمة المحقق القاسية: "كنت مغفلاً كبيراً"، لتشرق في عقله الحقيقة المُرّة.. كل خطوة خطاها، وكل خيط مسكه، لم يكن دليلاً للنجاة.. بل كان فخاً مرسوماً بعناية فائقة ليلبس جريمة لا ناقة له فيها ولا جمل.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
قــــصــة تقييم 4.96 من 5.
المقالات

4

متابعهم

19

متابعهم

28

مقالات مشابة
-