قصة الخديو عباس حلمي الثاني

قصة الخديو عباس حلمي الثاني

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

قصة الخديو عباس حلمي الثاني

1.ميلاد عباس حلمي الثاني وبداية طريقه إلى الحكم

 وُلد الخديو عباس حلمي الثاني في الإسكندرية يوم 14 يوليو عام 1874، وكان الابن الأكبر للخديو توفيق، الذي حكم مصر في فترة شديدة الاضطراب. نشأ عباس في قصر الحكم وسط أجواء سياسية معقدة، وكانت مصر في ذلك الوقت تعيش تحت نفوذ أوروبي متزايد، بينما كانت الدولة العثمانية لا تزال صاحبة السيادة الاسمية عليها. تلقى عباس تعليمه في مصر ثم أُرسل إلى أوروبا لاستكمال دراسته، وهناك تعرّف إلى الحياة السياسية والفكرية الأوروبية. وعندما توفي والده الخديو توفيق في يناير عام 1892، كان عباس لا يزال شابًا في السابعة عشرة من عمره تقريبًا، ومع ذلك أصبح فجأة صاحب أعلى منصب وراثي في مصر، فتولى الحكم باسم عباس حلمي الثاني.

2.شاب يحلم باستقلال مصر

بدأ عباس حكمه وهو يحمل طموحًا كبيرًا في أن تكون له شخصية سياسية مستقلة، وأن يستعيد لمصر قدرًا أكبر من استقلالها عن النفوذ البريطاني. فقد كانت بريطانيا قد احتلت مصر عام 1882، وأصبح نفوذها قويًا للغاية في الإدارة والجيش والاقتصاد. لم يكن عباس راضيًا عن سيطرة البريطانيين على شؤون البلاد، ولذلك حاول منذ السنوات الأولى لحكمه الاعتماد على شخصيات مصرية تستطيع مساعدته في مواجهة النفوذ الأجنبي. وكان من أبرز من تعاون معهم مصطفى كامل، الذي أصبح فيما بعد أحد أشهر زعماء الحركة الوطنية المصرية. وقد وجد عباس في الحركة الوطنية وسيلة للضغط على بريطانيا، بينما رأى الوطنيون فيه حاكمًا يمكن أن يدعم مطالبهم بزيادة استقلال مصر.

3.الصراع مع النفوذ البريطاني

لم تكن علاقة عباس بالسلطات البريطانية سهلة، وكان اللورد كرومر، المعتمد البريطاني في مصر، من أقوى الشخصيات السياسية في البلاد آنذاك. حاول كرومر أن يفرض رؤيته على إدارة الدولة، بينما كان عباس يسعى إلى تأكيد سلطته. وحدثت بين الطرفين خلافات عديدة، خصوصًا بشأن الجيش والسياسة الداخلية. ومع مرور الوقت أصبح واضحًا أن الخديو يريد أن يظهر باعتباره حاكمًا له قراره الخاص، وليس مجرد حاكم يعمل تحت توجيهات البريطانيين. ولذلك ازداد تقارب عباس مع الوطنيين، وبدأت الصحف المؤيدة له تنتقد النفوذ البريطاني. لكن هذه السياسة كانت تحمل مخاطر كبيرة؛ لأن بريطانيا كانت تملك قوة عسكرية وسياسية واقتصادية تجعل من الصعب على الخديو تحديها بصورة مباشرة.

4..مشروعات التطوير والنهضة في عهده

 كان عباس حلمي الثاني يهتم أيضًا بتطوير مصر ومظاهر الحياة الحديثة فيها. شهد عهده استمرار مشروعات الري والزراعة، وتوسيع شبكات المواصلات والسكك الحديدية، وتحسين بعض الخدمات والمؤسسات التعليمية والإدارية. وكانت الزراعة، وخاصة زراعة القطن، تمثل عنصرًا أساسيًا في الاقتصاد المصري. وفي عهده استمرت مصر في بناء المنشآت الحديثة وربط المدن والقرى بشبكات النقل والاتصالات. كما اهتم الخديو بالمؤسسات الثقافية والدينية، وحرص على الظهور في المناسبات العامة وزيارة عدد من المدن والقرى. ومع ذلك، لم تكن مصر في عهده دولة مستقلة استقلالًا كاملًا، فقد ظل الاحتلال البريطاني حاضرًا بقوة، وكانت القرارات الكبرى تتأثر بالمصالح البريطانية.

5..أحداث سياسية تشعل الحركة الوطنية

من الأحداث التي أثرت في علاقة عباس بالبريطانيين حادثة الحدود السودانية عام 1894، عندما وقع خلاف يتعلق بالقوات المصرية والبريطانية في السودان. أدى الموقف إلى ضغط بريطاني شديد على الخديو، وأدرك عباس أن مواجهة بريطانيا بشكل مباشر قد تكون صعبة للغاية. كما أن حادثة دنشواي عام 1906، التي انتهت بإعدام عدد من المصريين بعد حادثة بين الأهالي والجنود البريطانيين، أثارت غضبًا واسعًا في مصر. أصبحت الحادثة رمزًا للمعاناة التي شعر بها المصريون في ظل الاحتلال، وزادت من قوة الحركة الوطنية. وفي تلك السنوات ازدادت شعبية مصطفى كامل، الذي طالب بإنهاء الاحتلال ودافع عن فكرة استقلال مصر. وكان عباس قريبًا من التيار الوطني، وإن كانت علاقته به تتغير أحيانًا وفقًا للظروف السياسية.

6..شخصية الخديو عباس حلمي الثاني

لم يكن عباس حلمي الثاني حاكمًا مثاليًا بلا أخطاء، فقد كانت شخصيته تجمع بين الطموح السياسي والاهتمام بمظاهر الحكم والحياة الأوروبية. كما دخل في خلافات متعددة مع شخصيات سياسية بريطانية ومصرية، وكان أسلوبه في إدارة الحكم يتغير من وقت إلى آخر. ومع ذلك، فإن صورته في الذاكرة المصرية ارتبطت بدرجة كبيرة بمحاولة مقاومة النفوذ البريطاني. كان يريد أن يحافظ على مكانته باعتباره خديو مصر، وأن يؤكد أن الأسرة الحاكمة لا تزال صاحبة سلطة حقيقية. وفي الوقت نفسه، كانت الحركة الوطنية المصرية تنمو بسرعة، وأصبح المصريون أكثر وعيًا بمفهوم الاستقلال والحقوق السياسية. وهكذا وجد عباس نفسه في وسط صراع بين سلطة الاحتلال، والأسرة الحاكمة، والحركة الوطنية، والمصالح الدولية التي كانت تحيط بمصر.

7..الحرب العالمية الأولى ونهاية حكمه

جاءت الحرب العالمية الأولى عام 1914 لتغير مستقبل عباس ومصر بصورة حاسمة. كان عباس في ذلك الوقت خارج مصر، وعندما اندلعت الحرب كانت الدولة العثمانية قد دخلت الحرب إلى جانب دول المركز ضد بريطانيا وحلفائها. وبسبب ارتباط مصر اسميًا بالدولة العثمانية، رأت بريطانيا أن الوقت قد حان لإنهاء الوضع القديم. أعلنت بريطانيا الحماية على مصر في ديسمبر 1914، وأعلنت عزل عباس حلمي الثاني عن منصب الخديو. وبذلك انتهى حكمه الفعلي لمصر، رغم أنه لم يتخلَّ عن مطالبته بالعرش. وعين البريطانيون عمه حسين كامل سلطانًا على مصر، ثم خلفه السلطان فؤاد، الذي أصبح لاحقًا ملك مصر. وهكذا انتقلت مصر إلى مرحلة سياسية جديدة أكثر وضوحًا في علاقتها ببريطانيا.

8..سنوات المنفى والابتعاد عن مصر

. عاش عباس حلمي الثاني بعد عزله سنوات طويلة بعيدًا عن مصر، متنقلًا بين عدد من الدول الأوروبية. وعلى الرغم من فقدانه الحكم، ظل يعتبر نفسه الخديو الشرعي لمصر، ولم يتوقف تمامًا عن الاهتمام بالشأن المصري. وبعد إعلان الحماية البريطانية وإلغاء السيادة العثمانية على مصر، أصبحت القضية المصرية أكثر ارتباطًا بالحركة الوطنية التي تطورت لاحقًا إلى ثورة 1919 بقيادة سعد زغلول. لم يعد عباس هو الشخصية الرئيسية في الحركة السياسية المصرية، لكن فترة حكمه بقيت جزءًا مهمًا من مرحلة الانتقال بين الحكم الخديوي القديم والنضال الوطني الحديث. كما أن تجربته أظهرت مدى صعوبة أن يحاول حاكم مصري في تلك الفترة ممارسة سياسة مستقلة في ظل وجود قوة استعمارية كبرى تسيطر على البلاد.

9..السنوات الأخيرة ووفاته

في السنوات الأخيرة من حياته، استمر عباس حلمي الثاني في متابعة أخبار مصر، لكنه لم يعد قادرًا على العودة إلى الحكم. وبعد الحرب العالمية الأولى تغيرت الخريطة السياسية المصرية، وأصبحت المطالبة بالاستقلال أكثر قوة، وانتهى الأمر بإعلان استقلال مصر بصورة منقوصة عام 1922، ثم إعلان قيام المملكة المصرية وتنصيب فؤاد الأول ملكًا. أما عباس فقد عاش بعيدًا عن وطنه حتى وفاته في جنيف بسويسرا يوم 19 ديسمبر 1944. ودُفن في إسطنبول، وبوفاته انتهت حياة أحد آخر حكام مصر الذين حملوا لقب الخديو. وقد ترك وراءه سيرة سياسية مثيرة للجدل؛ فهناك من يراه حاكمًا حاول مقاومة البريطانيين، وهناك من يرى أن سياساته كانت متناقضة ولم تحقق هدف الاستقلال.

10..إرث عباس حلمي الثاني في تاريخ مصر

 وتبقى قصة عباس حلمي الثاني جزءًا مهمًا من تاريخ مصر الحديث؛ لأنها تعكس مرحلة كانت البلاد فيها تقف بين عالمين: نظام الحكم الخديوي القديم، وصعود الحركة الوطنية التي طالبت بالاستقلال. تولى عباس الحكم شابًا، فوجد نفسه أمام قوة بريطانية تملك نفوذًا واسعًا، وأمام شعب بدأ يطالب بمزيد من الحرية والاستقلال. حاول أن يستخدم علاقاته بالوطنيين لمواجهة الاحتلال، لكنه لم يستطع تغيير ميزان القوى، وانتهى حكمه بالإبعاد عندما أعلنت بريطانيا الحماية على مصر عام 1914. ومع ذلك، لم تختفِ فكرة الاستقلال التي ارتبطت بعهده، بل استمرت بعده بقوة أكبر حتى ثورة 1919 وما تلاها من تطورات. ولهذا فإن عباس حلمي الثاني لا يُذكر فقط باعتباره آخر خديوٍ حكم مصر فعليًا، بل باعتباره شخصية عاشت واحدة من أكثر المراحل اضطرابًا وتحولًا في تاريخ مصر الحديث.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
شهاب ابو بكر تقييم 5 من 5.
المقالات

18

متابعهم

3

متابعهم

2

مقالات مشابة
-