قصه شجرة التفاح البخيلة
قصه شجرة التفاح البخيلة

كان يا ما كان، في قديم الزمان، في وادٍ خضراء تحيط به الجبال العالية من كل جانب، كانت توجد قرية صغيرة وهادئة تُدعى "قرية الورد". في أعلى تلة تطل على القرية بأكملها، كانت تقف شجرة تفاح ضخمة وجميلة تُدعى "توتة".
كانت "توتة" شجرة مميزة للغاية؛ جذعها قويٌّ وثابت، وأغصانها ممتدة كأنها أذرع مفتوحة للسماء، وأوراقها الخضراء تتلألأ تحت أشعة الشمس. أما تفاحها، فكان أحمر بلمعة ساحرة، وذو رائحة زكية تفوح لتملأ الوادي كله. ولكن رغم كل هذا الجمال، كانت "توتة" تحمل قلباً متكبراً وبخيلاً! كانت تعتقد أنها أفضل شجرة في العالم، وأن تفاحها وثمارها وأوراقها أشياء أغلى من أن يتذوقها أو يستمتع بها أي مخلوق.
الفصل الأول: الأبواب المغلقة
في صباح أحد أيام الصيف القاطرة، كانت الشمس تشع بحرارة شديدة. طار العصفور الصغير "زقزوق" لفرسخ طويل بحثاً عن قطرة ماء أو نزهة خفيفة. تعب زقزوق كثيراً وأصبحت أجنحته ثقيلة، فرأى ظِلا كثيفاً تحت الشجرة "توتة".
حطّ زقزوق على طرف أحد الأغصان السفلية وهو يلهث وقال بصوت ضعيف:
— “صباح الخير يا شجرتي الجميلة! هل تسمحين لي بالاستراحة قليلاً تحت ظلك الظليل؟ لقد أرهقني الحر وطرتُ مسافة طويلة جداً.”
اهتزت الشجرة بغضب شديد، ونفضت أغصانها بقوة حتى كاد زقزوق يسقط! صرخت فيه بنبرة حادة:
— “ابتعد عني أيها العصفور الصغير! هذه الأوراق الخضراء ملكي وحدي، ولا أريد أن تتسخ أغصاني بريشك أو تحط عليها طيور لا أعرفها. اذهب وابحث لك عن شجرة أخرى!”
حزن العصفور زقزوق وخفض رأسه، ثم طار بصعوبة وهو يفتش عن ظل آخر.
لم تكد تمر ساعة حتى أقبل الأرنب الصغير "سمسم"، يركض على التلة وهو يفتش في كل مكان. كانت أم سمسم مريضة في جحرها، وطلب طبيب الغابة منها أن تأكل شيئاً طازجاً ومغذياً لتعود إليها صحتها. عندما وصل سمسم تحت الشجرة توتة، رأى تفاحة حمراء ناضجة وساقطة للتو على العشب.
ابتسم سمسم بفرح وقال:
— “يا للروعة! تفاحة واحدة فقط من تفاحكِ الشهي يا شجرة التفاح ستكون علاجاً رائعاً لأمي المريضة. هل أستطيع أخذ هذه التفاحة الساقطة؟”
لكن الشجرة البخيلة لم ترضَ بذلك! تحركت بسرعة بجذورها الممتدة تحت الأرض، ودحرجت التفاحة بعيداً عن متناول الأرنب حتى سقطت في المنحدر، وقالت بغرور:
— “إياك أن تمس تفاحي! كل تفاحة تسقط أو تبقى على الأغصان هي زينتي الخاصة، ولن أسمح لأحد بأن يأخذها أو يأكلها!”
انهمرت الدموع من عيني سمسم الصغير، وعاد إلى أمه مكسور الخاطر دون علاج.
الفصل الثاني: العزلة والصمت
مرت الأيام والأسابيع، وبدأت حيوانات الغابة وطيورها تتداول الأخبار عما تفعله الشجرة "توتة".
قال العصفور زقزوق للطيور: "لا تطيروا فوق تلك التلة، فشجرتها طاردة وقاسية".
وقال الأرنب سمسم للحيوانات: "لا تقتربوا من تفاحها، فهي لا تعرف الرحمة".
وبالفعل، بدأ الجميع يتجنب التلة بالكامل. لم يعد هناك بلبل يغني ألحاناً عذبة على أغصانها صباحاً، ولا فراشات تتراقص حول أزهارها، ولا أطفال ينطلقون من القرية ليلعبوا في ظلها ويتضاحكون. ساد هدوء موحش وطويل حول الشجرة توتة.
في البداية، فرحت الشجرة وقالت لنفسها بكل كبرياء:
— “ممتاز! أخيراً أصبحت التلة لي وحدي، لن يزعجني أحد، ولن يأخذ أحد من تفاحي شيئاً!”
ولكن مع مرور الوقت، بدأ الصمت يصير ثقيلاً ومخيفاً. أصبحت الأيام متشابهة ومللة، ولم تجد الشجرة أحداً تحدثه أو تنظر إليه.
الفصل الثالث: الربيع الذي نسى التلة
انقضى الخريف وجاء الشتاء ببرده وقرّته، فنامت أسراب الطيور ودخلت الحيوانات بيوتها. وعندما أقبل فصل الربيع المبهج، أشرقت الشمس وذاب الثلج، واكتست جميع أشجار القرية والغابة باللون الأخضر الزاهي وتفتحت الأزهار الملونة.
ركض الأطفال في الحقول، وغنت الطيور على الأشجار المجاورة... إلا التلة العالية!
بقيت الشجرة "توتة" كما هي:
أغصانها جافة وعارية كأنها خشب يابس.
لم تخرج منها ورقة خضراء واحدة ولا زهرة صغيرة.
توقف تفاحها عن النمو، وأصبح جذعها متشقاقاً وشاحباً.
نظرت الشجرة حولها فرأت شجرة المشمش وشجرة التوت المجاورتين تزهران وتكتسيان بالجمال والطيور تلعب عليهما، بينما هي تبدو كأنها شجرة ميتة.
بكت الشجرة توتة بمرارة، وسالت قطرات من الصمغ الجاف على جذعها وقالت:
— “ما الذي يحدث لي؟ لماذا زار الربيع كل أشجار العالم ونسيني أنا فقط؟ أين ذهبت أوراقي الخضراء وحمرتي الزاهية؟ هل أصبحت عجوزاً وقبيحة؟”
في تلك اللحظة، حطّت على أعلى غصن عارٍ بومة حكيمة تُدعى "ميمي"، كانت معروفة بحكمتها وهدوئها. نظرت البومة إلى الشجرة بعينين واسعتين وقالت بصوت دافئ ورزين:
— “إن الربيع لا ينسى أحداً يا توتة... لكنه لا يزور القلوب الميتة!”
تعجبَت الشجرة وسألتها:
— “ماذا تقصدين يا ميمي؟ كيف يكون قلبي ميتاً وأنا حيّة؟”
أجابتها البومة الحكيمة:
— “الحياة ليست مجرد أن تنبتي أوراقاً وتأخذي من الأرض ماءً وشللاً. الحياة هي أن تُعطي! البخل والجشع جففا دماء الحياة في عروقكِ. عندما طردتِ العصفور المتعب، وحرمتِ الأرنب الصغير من مساعدة أمه، أغلقتِ قلبكِ. الخضرة والجمال يتغذيان على الحب والمشاركة، وعندما منعتِ خيركِ عن العالم، حرمتِ نفسكِ من البركة والفرح.”
الفصل الرابع: عودة الحياة والدرس الخالد
سقطت كلمات البومة الحكيمة على قلب الشجرة كالصاعقة. تذكرت كل موقف قست فيه على مخلوق ضعيف: تذكرت زقزوق وهو يلهث من الحر، وتذكرت سمسم وهو يبكي من أجل أمه. شعرت بندم شديد يعصر أجزاءها، وعرفت لأول مرة أن جمالها لم يكن له أي معنى طالما كانت تعيش لوحدها وبخيلة.
رفعت الشجرة أغصانها اليابسة نحو السماء وقالت بصوت مكسور:
— “أنا أسفة... أسفة جداً يا إلهي، ويا أصدقائي الصغار. أقسم أنني إذا حصلت على فرصة واحدة أخرى، سأكون أكرم شجرة في هذه الغابة ولن أرد أحداً يقصدني أبداً!”
في تلك اللحظة بالذات، جمعت السماء سحبها وهطلت قطرات مطر دافئة ولطيفة. لم تحاول الشجرة حماية نفسها أو الانكماش، بل فتحت كل أغصانها الشاسعة للمطر والريح، ونادت بأعلى صوتها، صوتٍ تردد صداه في كل الوادي:
— “يا طيور الغابة! يا حيوانات القرية! يا أطفال الوادي! تعالوا جميعاً... تعالوا واستظلوا بظلي، وابنوا عشوشكم فوق أغصاني، والتفاح كله لكم!”
سمعت الحيوانات والطيور النداء الدافيء. نظرت إلى بعضها باستغراب، ثم بدأت تتقدم نحو التلة بحذر.
كان أول من وصل هو العصفور زقزوق، حطّ على غصنها وقال: “هل تتكلمين بجدية يا توتة؟”
ردت الشجرة وهي تبتسم: "نعم يا زقزوق، تعال واجلس حيث تشاء!".
ثم جاء الأرنب سمسم، أهدته الشجرة أكبر تفاحة ناضجة قائلة: "خذ هذه لأمك، وأتمنى لها الشفاء العاجل!".
وما إن لمست أقدام الطيور أغصان الشجرة، وابتسم الأطفال تحت جذعها، حتى حدثت معجزة سحرية:
جرت الدماء الخضراء في جذع الشجرة المتشقق فجأة.
نبتت آلاف الأوراق الخضراء الكثيفة في ثوانٍ معدودة لتظلل التلة بأكملها.
تفتحت زهور بيضاء ووردية ذات رائحة زكية، ثم تحولت فوراً إلى ألذ وأضخم تفاح أحمر شهدته القرية قط!
امتزجت زقزقة العصافير بضحكات الأطفال وصوت حركة الأوراق مع الهواء، وتحولت التلة الباردة إلى أجمل وأدفأ مكان في الوادي كله.
منذ ذلك اليوم، لم تُعد الشجرة "توتة" تُسمى بالشجرة البخيلة، بل أطلق عليها الجميع "شجرة المحبة والعطاء". وتعلمت "توتة" وجميع أطفال القرية درساً لا يُنسى: أن أجمل ما في الخير هو أن نشاركه مع الآخرين، وأن يد العطاء لا تفلس أبداً، بل تزداد حسناً وبركة.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق