أحببتُ… وغدًا ولكن...

أحببتُ… وغدًا ولكن...

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات

 

                                                                                                 

 

 

 

image about  أحببتُ… وغدًا ولكن...

 

 

 

 

 

 

 

                                                                                                              أحببتُ… وغدًا

لم أكن أؤمن أن بعض الأشخاص يدخلون حياتنا صدفة، ثم يصبحون كل شيء.

كنت أظن أن الحب كلمة جميلة تُقال في الأفلام، وأن القلوب لا تتغير من نظرة، ولا يمكن لإنسان أن يصبح جزءًا من يومك دون أن تشعر.

حتى رأيتها…

كان ذلك في مساء شتوي هادئ، حين كانت السماء تمطر بغزارة، والناس يركضون بحثًا عن مكان يحميهم من المطر.

كنت أقف أمام مقهى صغير أراقب الشارع، عندما ظهرت هي.

كانت تحمل مظلة سوداء، وفي يدها كتاب قديم، لكنها كانت مرتبكة؛ فقد هبت رياح قوية قلبت المظلة رأسًا على عقب.

ضحكت دون أن أشعر.

نظرت إليّ وقالت:

— «مضحك، أليس كذلك؟»

قلت مبتسمًا:

— «قليلًا… لكنك تحتاجين إلى مظلة أقوى.»

نظرت إلى المظلة ثم إليّ وقالت:

— «وأنت تحتاج إلى شجاعة أكثر.»

لم أفهم ماذا تقصد.

دخلت المقهى، وجلست بالقرب من النافذة.

ومنذ تلك اللحظة، بدأت الحكاية.


كانت تأتي إلى المكان نفسه كل مساء تقريبًا.

تجلس في الزاوية القريبة من النافذة، تفتح كتابها، وتطلب كوبًا من القهوة.

وأنا؟

كنت أذهب إلى المقهى من أجلها.

لكنني كنت أتظاهر بأن الأمر مجرد صدفة.

مرت الأيام، ثم الأسابيع.

بدأنا نتحدث.

عن الكتب.

عن الأحلام.

عن الخوف.

عن الأشياء التي نتمنى حدوثها ولا نخبر بها أحدًا.

وعرفت أن اسمها «ليان».

وعرفت أيضًا أنها كانت تخاف من التعلق.

قالت لي ذات مساء:

— «أحيانًا نلتقي بالشخص المناسب في الوقت الخطأ.»

سألتها:

— «وماذا لو كان الوقت هو المشكلة؟»

ابتسمت وقالت:

— «ننتظر.»

لم أعرف لماذا شعرت بالخوف عندما قالتها.


كنت أحبها.

نعم، أحببتها.

لكنني لم أقل شيئًا.

كنت أؤجل الاعتراف دائمًا.

غدًا سأخبرها.

غدًا سأقول لها إن وجودها أصبح جزءًا من حياتي.

غدًا سأعترف بأنني صرت أحفظ تفاصيلها الصغيرة؛ طريقة ضحكتها، نظرتها عندما تفكر، وحتى الطريقة التي تمسك بها فنجان القهوة.

لكن الغد كان يأتي…

وأصمت.

حتى جاء يوم اختفت فيه.

لم تأتِ إلى المقهى.

انتظرتها يومًا.

ثم يومين.

ثم أسبوعًا كاملًا.

سألت عنها، لكن أحدًا لم يعرف شيئًا.

حتى وجدت كتابها القديم على الطاولة التي كانت تجلس إليها.

فتحته بيدين مرتجفتين.

كانت هناك ورقة صغيرة بين الصفحات.

كتبت عليها:

«إلى الشخص الذي كنت أتمنى أن يقول شيئًا…
ربما تأخرنا كثيرًا.»

تجمدت في مكاني.

في أسفل الورقة كان هناك عنوان.

عنوان مكان لم أعرفه.


ذهبت إليه في اليوم التالي.

كان منزلًا قديمًا على أطراف المدينة.

طرقت الباب.

فتح رجل مسن.

سألته عن ليان.

نظر إليّ طويلًا ثم قال:

— «أنت آدم؟»

شعرت بالدهشة.

— «نعم… كيف عرفت؟»

أجاب:

— «لأنها تحدثت عنك كثيرًا.»

ثم أعطاني رسالة.

وقال:

— «تركتها لك قبل أن تسافر.»

فتحت الرسالة.

وكان أول سطر فيها:

«كنت أنتظر منك كلمة واحدة… أحبك.»

توقفت أنفاسي.

تابعت القراءة.

كانت ليان ستغادر المدينة إلى الأبد بسبب ظروف عائلتها، وكانت تنتظر مني أن أطلب منها البقاء.

لكنني تأخرت.

كالعادة.


ركضت إلى محطة القطار.

كان القطار يستعد للمغادرة.

بحثت بين الوجوه.

ثم رأيتها.

كانت تقف خلف نافذة العربة، والدموع في عينيها.

صرخت:

— «ليان!»

نظرت إليّ.

وضعت يدها على النافذة.

ركضت بجانب القطار للحظات، ثم توقف جسدي عن مجاراة القطار.

لكنني لم أتوقف عن الصراخ:

— «أحبك!»

كانت المسافة تكبر.

والقطار يبتعد.

لكنها ابتسمت.

ووضعت يدها على قلبها.


مر عام كامل.

عام لم أعرف فيه شيئًا عنها.

عدت إلى المقهى.

جلست في مكانها.

طلبت كوبين من القهوة.

ووضعت الكتاب القديم أمامي.

ثم سمعت صوتًا خلفي:

— «ما زلت تطلب كوبين؟»

توقفت.

لم أجرؤ على الالتفات.

خشيت أن تكون ذاكرتي تخدعني.

ثم جاء صوتها:

— «أم أنك ما زلت تنتظر الغد؟»

التفت.

كانت ليان.

واقفة أمامي.

ابتسامتها كما هي.

وعيناها تحملان كل ما لم نستطع قوله طوال عام.

وقفت.

قلت:

— «هل عدتِ؟»

قالت:

— «هذه المرة… لن أرحل.»

اقتربت منها وقلت:

— «وأنا هذه المرة لن أؤجل شيئًا.»

سألتني:

— «ماذا؟»

ابتسمت وقلت:

— «أحبك.»

ضحكت وهي تبكي.

ثم قالت:

— «كنت أعرف.»

سألتها:

— «كيف؟»

قالت:

— «لأنك كنت تقولها كل يوم… لكنك كنت تخاف أن تنطق بها.»

جلست بجانبي.

وضعت الكتاب على الطاولة.

وفي الصفحة الأخيرة كتبت:

«بعض قصص الحب لا تنتهي لأن أصحابها افترقوا…
بل تبدأ من جديد عندما يدركون أن الغد ليس مضمونًا.»

نظرت إليها وقلت:

— «إذن ماذا سنفعل غدًا؟»

أمسكت يدي وقالت:

— «لا شيء.»

ضحكت:

— «كيف لا نفعل شيئًا؟»

قالت:

— «سنعيش اليوم… لأنني تعبت من انتظار الغد.»

ومنذ ذلك اليوم…

لم نعد نقول:

«أحببتُ… وغدًا.»

بل أصبحنا نقول:

«أحبك… اليوم، وكل يوم.»

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
mohamed kano تقييم 5 من 5.
المقالات

10

متابعهم

5

متابعهم

5

مقالات مشابة
-