ما بين الغرق والنجاة | عندما يصبح الصمت بداية للحياة

ما بين الغرق والنجاة | عندما يصبح الصمت بداية للحياة

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات
image about ما بين الغرق والنجاة | عندما يصبح الصمت بداية للحياة

 

                                                                                                   بين الغرق والنجاة

                                                             قصة فيلم قصير عن الماضي الذي يسكننا واللحظة التي نتعلم فيها أن نتركه

كانت الساعة تقترب من الغروب عندما وصلت ليان إلى المسبح القديم الذي اعتادت الذهاب إليه في طفولتها.

لم يكن المكان قد تغير كثيرًا؛ الأشجار نفسها، المقاعد الخشبية نفسها، وحتى ذلك المسبح الذي ظل يحتفظ في ذاكرتها بآلاف التفاصيل.

وقفت أمام الماء للحظات طويلة.

كانت تحدق في سطحه الساكن، وكأنها تنتظر منه إجابة عن سؤال عجزت عن طرحه على أي شخص.

منذ وفاة والدها، لم تعد ليان كما كانت.

مرت سنوات، لكنها ظلت تعيش في اليوم نفسه.

كلما حاولت أن تبدأ حياة جديدة، عاد الماضي ليشدها إلى الخلف. كانت تحمل داخلها شعورًا دائمًا بالذنب، لأنها لم تكن موجودة بجوار والدها في اللحظات الأخيرة.

كانت تقول لنفسها دائمًا:

"لو كنت بجانبه… ربما كان كل شيء سيتغير."

لكنها لم تكن تعرف أن بعض الأسئلة لا تملك إجابات.

وضعت هاتفها على المقعد، ثم اقتربت من حافة المسبح.

أغمضت عينيها.

وبدون تردد، قفزت.

اندفع جسدها إلى الماء، ثم بدأ يهبط ببطء.

اختفت أصوات العالم.

لم تعد تسمع شيئًا سوى دقات قلبها.

كان الماء هادئًا، والضوء القادم من سطحه يرسم انعكاسات ذهبية متحركة على وجهها.

فتحت عينيها.

وفي تلك اللحظة، شعرت بشيء غريب.

لم تكن خائفة.

لأول مرة منذ سنوات، لم تكن تفكر في الماضي ولا المستقبل.

كانت فقط… موجودة.

تذكرت طفولتها.

تذكرت والدها وهو يقف بجوار المسبح ويحاول تعليمها السباحة.

كانت يومها تخاف من الماء بشدة، وكلما ابتعدت قدماها عن الأرض بدأت بالصراخ.

ضحك والدها وقال لها:

"ليان، الماء ليس عدوك… لا تجعلي خوفك يقنعك بأنك تغرقين."

توقفت الذكرى للحظة.

ثم عادت بقوة.

رأت نفسها طفلة وهي تضحك.

رأت والدها يبتسم.

ثم تغير المشهد.

المستشفى.

الممر الطويل.

الباب المغلق.

واللحظة التي عرفت فيها أن والدها رحل إلى الأبد.

شعرت ليان بأن صدرها يضيق.

بدأت الدموع تنزل من عينيها، لكنها لم تعد تعرف إن كانت دموعًا أم مجرد قطرات ماء.

تذكرت كل السنوات التي عاقبت فيها نفسها.

كل المناسبات التي رفضت فيها الفرح.

كل مرة شعرت فيها بالسعادة ثم تراجعت لأنها اعتقدت أن السعادة نوع من الخيانة لمن فقدتهم.

لكنها فجأة سمعت صوته في ذاكرتها:

"إذا جاء يوم وشعرتِ أنك لا تستطيعين الاستمرار… تذكري أنني لم أكن أريدك أن تعيشي حزينة من أجلي."

تحركت ليان قليلًا.

بدأت تنظر إلى الضوء فوقها.

كان سطح الماء قريبًا.

لكنها لم تصعد فورًا.

بقيت للحظة أخرى، وكأنها تودع نسخة قديمة من نفسها.

ثم دفعت جسدها إلى الأعلى.

اقترب الضوء.

اقترب الهواء.

ثم خرجت من الماء.

شهقت نفسًا عميقًا.

جلست على حافة المسبح وهي تلتقط أنفاسها.

كان شعرها مبللًا، ووجهها يحمل آثار الدموع، لكنها للمرة الأولى منذ سنوات كانت تبتسم.

أمسكت هاتفها.

فتحت رسالة قديمة من والدها كانت قد احتفظت بها دون أن تجرؤ على قراءتها.

كانت الرسالة قصيرة.

لكن كلماتها كانت أثقل من كل السنوات التي عاشتها.

"ابنتي… لا أريد منك أن تتذكري غيابي، بل أن تتذكري كل اللحظات التي عشناها معًا. لا تجعلي حزنك عليّ يصبح سجنًا لك. عيشي… اضحكي… وحاولي أن تكوني سعيدة."

أغلقت ليان الهاتف.

نظرت إلى المسبح.

كانت الشمس تنعكس على سطح الماء، تمامًا كما كانت تفعل في طفولتها.

لكن هذه المرة لم ترَ في الماء خوفًا.

رأت بداية جديدة.

وقفت، أخذت حقيبتها، ثم مشت مبتعدة.

بعد خطوات قليلة توقفت.

التفتت إلى المسبح وقالت بصوت هادئ:

"كنت أظن أنني أخاف من الغرق… لكنني اكتشفت أنني كنت أخاف من الحياة."

ابتسمت، ثم تابعت طريقها.

تبتعد الكاميرا ببطء، ويظهر المسبح كاملًا تحت ضوء الغروب.

يهدأ المشهد تدريجيًا.

ثم تظهر عبارة على الشاشة:

"أحيانًا لا تكون النجاة في الهروب من الماضي… بل في أن تتعلم كيف تعيش رغم وجوده."

النهاية.

 

 

 

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
mohamed kano تقييم 5 من 5.
المقالات

12

متابعهم

8

متابعهم

9

مقالات مشابة
-