المخطوطة الأخيرة: سر مكتبة الأفق


كانت أمطار الخريف تهطل بنعومة على نوافذ البيت القديم، ورائحة القهوة بالسكر الخفيف تملأ المكان. جلس يونس عند الطاولة الخشبية الصغيرة، يتأمل الخريطة المفرودة أمامه؛ لم تكن خريطة لبلاد بعيدة، بل لمدينته الساحلية التي غادرها منذ سبع سنوات ولم يجرؤ على العودة إليها إلا في هذه الليلة الداكنة.

في أطراف الخريطة، ظهرت علامة صغيرة باللون الأزرق تشير إلى "مكتبة الأفق"، ذلك المكان الذي اعتاد أن يقضي فيه أماسيه رفقة "إلياس"، الصديق القديم الذي وعده يومًا بفتح صندوق أسرار العائلة إذا ما اكتملت المجموعة الكاملة للمخطوطات الخمس.

رنّ هاتف يونس فجأة ليقطع صمت الغرفة، وكان المتصل رقماً مجهولاً. حين أجاب، جاءه صوت دافئ لكنه يحمل نبرة تعب واضح:

— “يونس... المخطوطة الخامسة ظهرت اليوم في مزاد قديم، وإذا لم نصل إليها قبل الغروب، فستضيع للأبد ويضيع معها سر والدك.”

أغلق يونس الهاتف وعيناه معلقتان بالسراب، نظر إلى قطه الأبلق الذي كان يتابعه بفضول من فوق الأريكة، ثم ارتدي معطفه الثقيل وخرج إلى الشارع المبتل، يبدأ رحلته النصف المنسية بين أزقة المدينة القديمة، بحثاً عن خيطٍ يصل الماضي بالحاضر.

رحلة في أزقة المزاد الغامض

وصل يونس إلى المزاد الواقع في البدروم السفلي لشارع الميناء المهجور. كانت الرائحة مزيجاً رطباً من الغبار والورق القديم، والوجوه الملتفة حول منصة العرض غريبة وتوحي بالريبة والحذر. في منتصف القاعة، تحت ضوء خافت يتذبذب، كانت المخطوطة الخامسة معروضة ومغلفة بجلد بني معتق يحمل رموزاً غامضة.

تتبع يونس مصدر الصوت الذي تحدث معه، ليلتقي بعيني إلياس الشاحبتين في زاوية القاعة المظلمة. أشار له إلياس بالاقتراب دون أن ينبس ببضعة كلمات، متكئاً على عصا خشبية لم تكن معه قبل سبع سنوات.

 

— "لماذا اليوم يا إلياس؟ ولماذا هذه المخطوطة تحديداً؟" همس يونس وهو يتلفت حوله.

رد إلياس بنبرة خافضة ومضطربة: “لأنها لا تحتوي على مجرد تاريخ يا يونس... إنها تضم الرسالة الأخيرة التي تركها والدك قبل اختفائه الفجائي، وتحتوي أيضاً على الرقم السري للصندوق القديم الموجود تحت أرضية مكتبة الأفق.”

قبل أن يستوعب يونس الموقف، ارتفعت الأصوات في المزاد، وبدأ التنافس الشرس على المخطوطة بين رجل غريب يرتدي معطفاً أسود داكناً وإلياس الذي كان يدفع كل ما يملك للحصول عليها. وفي اللحظة التي أُعلنت فيها بيع المخطوطة لصالح إلياس، أُطفئت الأضواء فجأة، وسادت القاعة حالة عارمة من الفوضى والصراخ.

المهرب الأخير نحو الحقيقة

سُحب يونس من ذراعه بقوة في الظلام الدامس، وسمع صوت إلياس يهمس في أذنه بإصرار: “اركد نحو الباب الخلفي! المخطوطة معك الآن، لا تتوقف حتى تصل إلى المكتبة وتفتح الصندوق!”

ركض يونس عبر الأزقة الضيقة والأمطار تتساقط على وجهه، وكانت خطاه تتسارع مع كل ضربة قلب. كان يحمل المخطوطة بين يديه وكأنها حياته بأكملها، متجهاً نحو "مكتبة الأفق" حيث تنتظره الإجابات التي يبحث عنها منذ سبع سنوات طويلة.

عندما وصل إلى باب المكتبة الخشبي الثقيل، أدخل المفتاح في القفل يدور بصعوبة. كان ينظر خلفه باستمرار خوفاً من أن يكون الرجل ذو المعطف الأسود يتبعه. دخل وشغل مصباحه الصغير ليضيء الرفوف المغبرة، ثم اتجه مباشرة نحو المنطقة السرية تحت الأرضية الخشبية.

فتح يونس الصندوق باستخدام الشيفرة الموجودة في المخطوطة، ليتفاجأ بوجود دفتر مذكرات قديم لوالده وصورة تجمع والد إلياس بوالده. اكتشف حينها أن اختفاء والده لم يكن هروباً، بل كان حماية لهذه المخطوطات من السقوط في أيدي من يسعون لتدمير تاريخ المدينة. جلس يونس على الأرض يقرأ السطور الأولى بروح ملؤها الطمأنينة أخيراً.image about المخطوطة الاخيرة: سر مكتبة الافق