اختفت مستعمرة كاملة دون أن تترك وراءها جثة واحدة… ماذا حدث في رونوك؟
في الثامن عشر من أغسطس عام 1590، عاد جون وايت إلى جزيرة رونوك.
كان قد غادرها قبل نحو ثلاثة أعوام، بعدما ترك خلفه ابنته إليانور، وحفيدته الصغيرة فيرجينيا دير، وأكثر من مئة مستوطن كانوا يحاولون تأسيس حياة جديدة في عالم لم يعرفوه جيدًا.
كان من المفترض أن تكون عودته سريعة.
لكن ثلاث سنوات مرّت قبل أن تطأ قدماه الجزيرة من جديد.
وحين وصل أخيرًا، لم يجد أحدًا.
لا أصواتًا.
لا مستوطنين.
ولا حتى مشهدًا واضحًا يخبره بما حدث.
كانت المستعمرة مهجورة، ولم يجد وايت علامات واضحة على معركة أو رحيل مذعور.
ثم وجد شيئًا واحدًا فقط.
CROATOAN
ومنذ تلك اللحظة، بدأت واحدة من أشهر الحكايات الغامضة في التاريخ.
أين ذهب أهل رونوك؟
البداية لم تكن لغزًا
قبل أن تصبح رونوك قصة اختفاء، كانت محاولة إنجليزية لتأسيس مستعمرة في العالم الجديد.
وفي عام 1587، قاد جون وايت رحلة جديدة إلى المنطقة، وكان معه 117 رجلًا وامرأة وطفلًا. وكان الهدف الأصلي أن تنتقل المجموعة إلى منطقة خليج تشيسابيك، لكن الظروف أجبرتهم على البقاء في جزيرة رونوك وإعادة استخدام المباني الموجودة هناك من المحاولات السابقة.
لم تكن البداية سهلة.
كانت العلاقات مع بعض جماعات السكان الأصليين متوترة، والغذاء لم يكن مضمونًا، وكانت المستعمرة تواجه ظروفًا قاسية في بيئة لم يعتد عليها المستوطنون.
وفي وسط ذلك كله، وُلدت فيرجينيا دير، حفيدة جون وايت، لتصبح أول طفل لأبوين إنجليزيين يُولد في المستعمرات الإنجليزية في العالم الجديد.
لكن ولادة الطفل لم تكن كافية لتغيير واقع المستعمرة.
كان عليهم الحصول على المؤن والمساعدة.
الرجل الذي ترك عائلته خلفه
اتفق المستوطنون على أن يعود جون وايت إلى إنجلترا لجلب الإمدادات والمساعدة.
لم يكن القرار سهلًا عليه.
فقد كانت ابنته وحفيدته جزءًا من المجموعة التي سيتركها خلفه، وكان يفترض أن يعود بعد فترة قصيرة.
لكن البحر لم يكن الشيء الوحيد الذي وقف في طريقه.
عندما عاد إلى إنجلترا، كانت البلاد تدخل مرحلة شديدة التوتر مع إسبانيا، وأصبحت السفن الإنجليزية مطلوبة للدفاع عن البلاد، ثم جاءت ظروف أخرى أخرت رحلة العودة.
وهكذا مر عام، ثم عام آخر.
بينما كانت رونوك تنتظر.
ثلاث سنوات من الصمت
لم يتمكن وايت من العودة إلى رونوك إلا عام 1590.
وفي الثامن عشر من أغسطس، نزل إلى الجزيرة.
كان ذلك اليوم يحمل مفارقة مؤلمة؛ فهو عيد الميلاد الثالث لحفيدته فيرجينيا دير.
لكن بدلًا من أن يجد عائلته، وجد المكان خاليًا.
لم يكن هناك أحد.
ولم يجد رجاله آثارًا واضحة تدل على معركة كبيرة أو مذبحة.
ثم ظهرت العلامة الأكثر شهرة في القصة.
CRO محفورة على شجرة، وCROATOAN محفورة في مكان آخر من المستعمرة.
ماذا تعني كلمة CROATOAN؟
هنا تصبح القصة أكثر تعقيدًا.
كان اسم Croatoan يشير إلى شعب ومكان في المنطقة التي ترتبط اليوم بجزيرة هاتراس.
وكان جون وايت يعرف هذا الاسم جيدًا.
بل إنه كان قد اتفق مع المستوطنين قبل رحيله على ترك علامة تشير إلى المكان الذي ذهبوا إليه إذا اضطروا إلى مغادرة رونوك.
لذلك، عندما رأى وايت كلمة CROATOAN، لم يعتبرها مجرد نقش عشوائي.
اعتقد أنها رسالة.
رسالة قصيرة جدًا، لكنها تحمل معنى واضحًا بالنسبة له:
لقد غادرنا رونوك.
ومن هنا ظهرت واحدة من أشهر النظريات حول مصير المستعمرة.
هل انتقلوا إلى كرواتوان؟
يرى بعض الباحثين أن جزءًا من المستوطنين، أو حتى معظمهم، ربما غادر رونوك واتجه جنوبًا نحو منطقة كرواتوان.
وهذه الفكرة ليست مبنية على الكلمة المحفورة فقط.
فقد ظهرت أدلة أثرية في مناطق مرتبطة بالفرضية، وأبقت هذه النظرية حاضرة في الأبحاث التاريخية.
لكن المشكلة أن الأدلة الموجودة لا تكفي لإغلاق القضية.
لم يُكتشف موقع يمكن ربطه بشكل قاطع بالمستعمرة المفقودة.
ولم تُكتشف بقايا بشرية أو وثيقة حاسمة تخبرنا بما حدث للمستوطنين.
وبالتالي بقيت الفكرة احتمالًا قويًا ضمن عدة احتمالات، لا حقيقة نهائية.
لماذا لم يعرف جون وايت الحقيقة؟
المفارقة أن وايت كان قريبًا جدًا من امتلاك الإجابة.
بعد أن رأى النقش، أراد التوجه إلى كرواتوان للبحث عن المستوطنين.
كان يبدو أن اللغز أعطاه أخيرًا خيطًا واضحًا.
لكن الظروف الجوية حالت دون ذلك.
ضربت عاصفة المنطقة، واضطرت السفينة إلى الابتعاد، وانتهت محاولة البحث قبل أن يتمكن وايت من الوصول إلى المكان الذي اعتقد أن المستوطنين اتجهوا إليه.
عاد إلى إنجلترا.
ولم يعرف جون وايت قط ماذا حدث لابنته أو حفيدته أو بقية المستوطنين.
ربما لم يختفوا في ليلة واحدة
أكثر ما يثير الخيال في قصة رونوك هو فكرة الاختفاء المفاجئ.
مجموعة كبيرة من الناس تختفي.
مكان فارغ.
ولا جثث.
وكلمة واحدة على الخشب.
لكن التاريخ لا يجبرنا بالضرورة على تصور المشهد بهذه الطريقة.
من الممكن أن يكون المستوطنون قد غادروا رونوك على مراحل.
من الممكن أنهم انقسموا إلى مجموعات.
ومن الممكن أن يكون بعضهم قد اندمج لاحقًا في مجتمعات السكان الأصليين.
ومن الممكن أيضًا أن تكون مجموعة منهم قد ماتت بسبب الظروف القاسية أو المرض أو الصراع، بينما واصل آخرون طريقهم إلى أماكن أخرى.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية:
كل هذه الاحتمالات تبدو ممكنة، لكن لا يوجد دليل حاسم يثبت أحدها وحده.
أدلة ظهرت بعد قرون
على مدار عقود طويلة، حاول الباحثون العثور على دليل يحسم مصير المستعمرة.
ظهرت اكتشافات أثرية مختلفة، بعضها ارتبط بمنطقة هاتراس، وبعضها بمناطق أخرى يُحتمل أن يكون المستوطنون قد وصلوا إليها.
لكن كل اكتشاف تقريبًا فتح بابًا جديدًا للنقاش بدل أن يغلق الباب القديم.
فالأثر الذي يبدو في البداية حاسمًا قد تكون له تفسيرات أخرى.
والقطعة التي تبدو مرتبطة برونوك قد تكون وصلت إلى المنطقة عبر التجارة أو التبادل.
ولهذا ما زالت الجهات التاريخية تعرض عدة نظريات بدل تقديم إجابة نهائية.
أغرب شيء في قصة رونوك
ربما ليس الغريب أنهم اختفوا.
الغريب أنهم عرفوا أن أحدًا سيأتي للبحث عنهم.
ولهذا تركوا علامة.
لم يكتبوا رسالة طويلة.
لم يسجلوا ما حدث.
لم يخبرونا بعدد الأشخاص الذين غادروا أو الاتجاه الذي سلكوه.
تركوا كلمة واحدة فقط.
CROATOAN
وكأنهم كانوا متأكدين أن جون وايت سيفهمها.
وكان سيفهمها بالفعل.
لكنه لم يستطع الوصول إليهم.
بعد أكثر من أربعة قرون
مر أكثر من أربعمئة عام منذ عاد جون وايت إلى رونوك ووجد المكان خاليًا.
وخلال هذه القرون، تحولت القصة إلى واحدة من أشهر ألغاز التاريخ، وظهرت حولها روايات ونظريات كثيرة؛ بعضها يستند إلى أدلة حقيقية، وبعضها تجاوز الأدلة إلى الخيال.
لكن عندما نعود إلى ما نعرفه فعلًا، تبقى الصورة أبسط وأكثر غموضًا في الوقت نفسه:
كان هناك أكثر من مئة مستوطن.
غادر جون وايت لإحضار المساعدة.
تأخر في العودة لسنوات.
وعندما عاد، وجد المستعمرة مهجورة.
ولم يجد دليلًا حاسمًا يخبره أين ذهب أهلها.
وجد فقط كلمة واحدة.
CROATOAN
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت تلك الكلمة أكبر من مجرد اسم.
أصبحت بابًا لم يُغلق.
فحتى الآن، لا نملك إجابة نهائية نستطيع أن نضع بعدها نقطة في نهاية قصة رونوك.
وربما لهذا السبب ظلت الحكاية حية كل هذه القرون.
لأن الموت، مهما كان قاسيًا، يترك نهاية.
أما أهل رونوك...
فقد تركوا وراءهم غيابًا.
والغياب هو الشيء الوحيد الذي لا يخبرك أبدًا بما حدث.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق