في هذا المقال
كان مازن يعمل حتى وقت متأخر، ولذلك اضطر إلى السفر بالقطار الأخير المتجه إلى مدينته.
وصل إلى المحطة قبل منتصف الليل بدقائق.
كانت المحطة شبه فارغة، ولا يوجد سوى عدد قليل من المسافرين.
نظر مازن إلى لوحة المواعيد.
القطار رقم 117 — المغادرة 12:10.
وصل القطار في الموعد.
كان قديمًا بشكل غريب، ونوافذه مظلمة، رغم أن بعض العربات كانت مضاءة من الداخل.
دخل مازن إحدى العربات واختار مقعدًا بجوار النافذة.
كان هناك رجل مسن يجلس أمامه.
نظر إليه الرجل وقال:
"أول مرة تركب القطار ده؟"
أجاب مازن:
"أيوه."
صمت الرجل قليلًا ثم قال:
"لما نوصل محطة رقم سبعة، متبصش من الشباك."
ضحك مازن.
"ليه؟"
لكن الرجل لم يرد.
تحرك القطار.
مرت عشر دقائق.
ثم نصف ساعة.
كان مازن يتابع الطريق من النافذة.
الغريب أن القطار كان يسير في منطقة مظلمة تمامًا، دون أي منازل أو طرق أو أضواء.
بعد حوالي ساعة، بدأ يشعر بالنعاس.
ثم سمع صوتًا عبر مكبر الصوت:
"المحطة القادمة… رقم واحد."
توقف القطار.
فتح الأبواب.
لكن لم ينزل أحد.
ولا صعد أحد.
بعد دقائق تحرك القطار.
ثم جاء الإعلان:
"المحطة القادمة… رقم اثنين."
تكرر الأمر.
محطة ثلاثة.
أربعة.
خمسة.
ستة.
وفي كل محطة كان القطار يتوقف دون أن يظهر أي شخص.
بدأ مازن يشعر بالقلق.
نظر إلى الرجل المسن.
كان الرجل نائمًا.
وصل القطار إلى المحطة السابعة.
بدأت الأضواء داخل العربة في الوميض.
ثم انطفأت.
تذكر ما قاله الرجل.
"متبصش من الشباك."
لكن الفضول غلبه.
نظر.
لم يرَ محطة.
لم يرَ رصيفًا.
كان القطار واقفًا وسط غابة سوداء.
لكن بين الأشجار كان هناك عشرات الأشخاص.
كلهم واقفون في صف واحد.
وكلهم ينظرون إلى القطار.
تراجع مازن عن النافذة.
عندما أضاءت الأنوار، كان الرجل المسن مستيقظًا.
قال:
"قلت لك متبصش."
سأل مازن:
"إحنا فين؟"
قال الرجل:
"مش مهم."
"دي مش محطة."
قال الرجل:
"عشان كده اسمها المحطة السابعة."
فجأة سمع مازن صوتًا من خلفه.
"حد عايز ينزل؟"
استدار.
كان عامل القطار يقف في الممر.
لكن وجهه كان شاحبًا جدًا.
قال:
"المحطة دي لازم حد ينزل فيها."
نظر الركاب إلى بعضهم.
لم يتحرك أحد.
ابتسم العامل.
ثم قال:
"مش مشكلة."
وأغلق الباب.
تحرك القطار.
بعد دقائق لاحظ مازن أن أحد المقاعد أصبح فارغًا.
كان يجلس عليه شاب قبل قليل.
سأل الرجل المسن:
"فين الراجل اللي كان هنا؟"
قال:
"نزل."
"إمتى؟"
"في المحطة السابعة."
تذكر مازن أنه لم يرَ أحدًا ينزل.
قال:
"بس أنا ما شفتوش."
رد الرجل:
"عشان كنت باصص في الناحية الغلط."
مرت ساعة أخرى.
أصبح عدد الركاب أقل.
كلما وصل القطار إلى محطة، اختفى شخص.
وفي النهاية لم يتبقَ سوى مازن والرجل المسن.
ثم ظهر عامل القطار مرة أخرى.
قال:
"محطة النهاية."
سأل مازن:
"وصلنا؟"
ابتسم العامل.
"لسه."
ثم أشار إلى باب في نهاية العربة.
"لازم تعدي للعربة الأخيرة."
قال الرجل المسن بسرعة:
"ما تروحش هناك."
نظر العامل إليه.
اختفت ابتسامته.
"هو لازم يروح."
ثم فتح باب العربة.
كان خلفه ممر مظلم.
لم يكن مازن يريد التحرك.
لكن القطار بدأ يهتز بعنف.
ثم انطفأت الأنوار.
سمع صوتًا يأتي من العربة الأخيرة:
"مازن."
تجمد.
الصوت كان صوت والدته.
والدته التي كانت تنتظره في المنزل.
قال الصوت:
"تعالى يا ابني."
نهض مازن.
أمسك الرجل المسن بذراعه.
"ده مش صوت أمك."
لكن الصوت عاد:
"مازن… أنا مستنياك."
بدأ مازن يبكي.
قال:
"إزاي يعرفوا اسمي؟"
قال الرجل:
"القطار بيعرف كل حاجة عن الركاب."
فجأة انفتح باب العربة الأخيرة.
ظهر ضوء أصفر ضعيف.
وفي الداخل كانت هناك مقاعد كثيرة.
لكن كل المقاعد كانت ممتلئة.
بأشخاص صامتين.
نظر مازن إليهم.
كان بينهم جميع الركاب الذين اختفوا.
لكنهم كانوا جالسين بلا حركة.
ثم رفعوا رؤوسهم في نفس اللحظة.
نظروا إليه.
قالوا بصوت واحد:
"أخيرًا وصلت."
ركض مازن نحو باب الخروج.
لكن القطار لم يعد يتحرك.
فتح الباب.
وجد نفسه أمام محطة مهجورة.
على اللافتة كتب:
"المحطة الأخيرة."
نزل.
التفت إلى القطار.
كان الرجل المسن يقف عند النافذة.
رفع يده وقال:
"لو لقيت طريق العودة… متاخدش نفس القطار."
تحرك القطار ببطء.
اختفى داخل الضباب.
وقف مازن وحده.
بحث عن أي طريق للخروج.
بعد دقائق رأى محطة صغيرة.
دخلها.
وجد موظفًا يجلس خلف مكتب.
قال مازن:
"ممكن أعرف إحنا فين؟"
نظر الموظف إليه.
ثم نظر إلى ملابسه.
قال:
"إنت جيت منين؟"
"من القطار 117."
تغير وجه الموظف.
"قطار 117؟"
"أيوه."
سأله الموظف:
"إنت ركبت إمتى؟"
أخرج مازن هاتفه.
كان الوقت 12:17.
قال:
"منذ حوالي ساعتين."
أخرج الموظف سجلًا قديمًا.
قلب عدة صفحات.
ثم قال:
"قطار 117 اتلغى من عشرين سنة."
شعر مازن بأن الأرض تتحرك تحته.
قال:
"مستحيل."
أخرج الموظف صورة قديمة.
كانت صورة للقطار.
قال:
"آخر رحلة للقطار ده كانت من عشرين سنة."
ثم أشار إلى الأشخاص الموجودين في الصورة.
كان بينهم الرجل المسن.
وكان هناك عامل القطار.
وكان هناك أيضًا…
مازن.
تراجع مازن.
"ده أنا."
نظر الموظف إلى الصورة.
ثم قال:
"الصورة دي اتاخدت قبل ما القطار يختفي."
خرج مازن من المحطة وهو لا يعرف ماذا يفعل.
وصل إلى طريق رئيسي.
وجد سيارة أجرة.
أوقفها.
ركب.
قال للسائق اسم مدينته.
نظر السائق إليه من المرآة.
ثم قال:
"إنت نازل منين؟"
قال مازن:
"من محطة القطار."
تغير وجه السائق.
"أي محطة؟"
أجابه.
صمت السائق.
ثم قال:
"مفيش محطة هناك."
نظر مازن من النافذة.
في الأفق كان القطار يسير وحده فوق السكة.
ثم بدأ يختفي داخل الضباب.
وفي اللحظة الأخيرة، رأى الرجل المسن خلف النافذة.
كان يبتسم.
رفع يده.
وأشار إلى مازن.
ثم قال شيئًا لم يسمعه.
لكن عندما وصل مازن إلى منزله، وجد ورقة تحت باب شقته.
فتحها.
كانت تذكرة قطار.
القطار رقم 117.
موعد الرحلة:
الليلة القادمة — 12:10.
وفي أسفل التذكرة جملة واحدة:
"المرة القادمة… مش هتنزل."


النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق