في هذا المقال
النداهة... الصوت الذي يأتي من الترعه
لم يكن أهل القرية يتحدثون عن النداهة كثيرًا أمام الأطفال، ليس لأنهم لا يؤمنون بوجودها، بل لأنهم كانوا يخافون حتى من مجرد ذكر اسمها بعد غروب الشمس كانت القرية صغيرة، تحيط بها الأراضي الزراعية من كل جانب، وفي آخرها ترعة قديمة تمر بجوار مجموعة من الأشجار الكثيفة. لم يكن أحد يقترب من ذلك المكان ليلًا، حتى الرجال الذين اعتادوا العمل في الحقول كانوا يحرصون على العودة إلى منازلهم قبل حلول الظلام.
وكانت هناك قاعدة واحدة يعرفها الجميع:
إذا سمعت صوتًا يناديك من ناحية الترعة... لا ترد.
الليلة الأولى
كان "سليم" شابًا في الثانية والعشرين من عمره، يعمل مع والده في الأرض. لم يكن يؤمن بالخرافات، وكان دائمًا يسخر من حديث كبار السن عن النداهة.
في إحدى الليالي، تأخر سليم في الحقل بسبب عطل في ماكينة الري. انتهى من عمله بعد منتصف الليل، وبدأ طريقه إلى البيت.
كان الطريق هادئًا بشكل مخيف.
لا أصوات سيارات، ولا نباح كلاب، حتى أصوات الحشرات التي اعتاد سماعها اختفت فجأة.
وعندما اقترب من الترعة، سمع صوتًا ناعمًا يأتي من بعيد:
"سليــــم..."
توقف في مكانه.
نظر حوله، فلم يرَ أحدًا.
ظن أن أحد أصدقائه يمزح معه، فأكمل السير.
ثم جاء الصوت مرة أخرى، هذه المرة أقرب:
"يا سليم..."
شعر بقشعريرة تسري في جسده.
كان الصوت يشبه صوت أمه تمامًا.
استدار ناحية الترعة، فرأى من بعيد هيئة امرأة تقف بين الأشجار. كانت ترتدي ثوبًا أبيض طويلًا، وشعرها أسود يغطي جزءًا كبيرًا من وجهها.
صرخت:
"تعالى يا سليم."
تجمد في مكانه.
تذكر فجأة كلام والده القديم:
"لو سمعت النداهة بتناديك، مهما كان الصوت اللي بتسمعه... ما تردش."
خفض سليم رأسه وبدأ يمشي بسرعة دون أن ينظر خلفه.
لكن الصوت لم يتوقف.
"سليم..."
"استنى..."
"أنا أمك."
بدأ قلبه يخفق بعنف.
كانت والدته في المنزل، على بعد عدة كيلومترات من المكان.
إذن... من كانت تناديه؟
الاختفاء
وصل سليم إلى البيت قبل الفجر بقليل، ولم يخبر أحدًا بما حدث.
وفي الصباح، عندما رأى والدته، ظل ينظر إليها بصمت.
سألته:
"مالك يا ابني؟"
لم يجب.
وفي نفس اليوم، ذهب إلى الحقل مرة أخرى مع والده، وحكى له كل شيء.
تغير وجه والده فورًا.
قال له:
"إنت رديت عليها؟"
هز سليم رأسه بالنفي.
تنفس والده براحة، ثم قال:
"كويس... لأن اللي بيرد عليها مرة، بتفضل تناديه لحد ما يروح لها."
ضحك سليم بتوتر، لكنه لاحظ شيئًا غريبًا.
والده لم يكن يمزح.
في تلك الليلة، أغلق سليم نافذة غرفته جيدًا ونام.
وقبل منتصف الليل بقليل، استيقظ على صوت طرق خفيف على النافذة.
تك... تك... تك.
فتح عينيه.
سكت الطرق.
ثم سمع صوتًا هامسًا من الخارج:
"سليم..."
جلس على السرير دون أن يتحرك.
عاد الصوت:
"أنا عارفة إنك سامعني."
اقترب الصوت من النافذة.
"افتح."
لم يتحرك.
وفجأة بدأ الزجاج يهتز بقوة.
تك... تك... تك...
ثم سمع صوت أمه من الخارج:
"سليم، افتح يا ابني."
اقترب من النافذة دون وعي، ومد يده نحو الستارة.
وقبل أن يفتحها، سمع صوت أمه الحقيقي من الغرفة المجاورة:
"سليم؟ إنت صاحي؟"
تراجع بسرعة.
إذا كانت أمه داخل البيت...
فمن التي تقف خلف النافذة؟
الحقيقة
في الصباح، وجد أهل القرية آثار أقدام حول المنزل.
لكنها لم تكن آثار أقدام إنسان.
كانت الأقدام تبدأ عند النافذة، ثم تمتد لمسافة طويلة باتجاه الترعة.
بعدها بأيام، تغير سليم تمامًا.
لم يعد يخرج ليلًا، ولم يعد يقترب من الترعة.
لكن في إحدى الليالي، استيقظ والده على صوت ابنه وهو يتحدث في نومه.
كان سليم يردد:
"أنا جاي..."
اقترب والده منه وأيقظه.
فتح سليم عينيه، ونظر إليه بخوف.
قال والده:
"كنت بتكلم مين؟"
ظل سليم صامتًا لعدة ثوانٍ، ثم قال:
"هي كانت هنا."
"مين؟"
أشار سليم ناحية الباب.
"الست اللي عند الترعة."
نظر الأب إلى الباب.
كان مغلقًا.
لكن أسفله كانت هناك قطرات مياه صغيرة، تمتد من الخارج إلى داخل الغرفة.
وفي الصباح، اختفى سليم.
لم يجدوا أي أثر له داخل القرية.
بحثوا عنه في الحقول، وعلى الطريق، وفي البيوت المهجورة.
حتى وصلوا إلى الترعة.
هناك وجدوا حذاءه ملقى على الحافة.
وبجواره آثار أقدام مبللة تمتد داخل المياه.
لكن الغريب...
أن آثار الأقدام كانت تأتي من داخل الترعة إلى الأرض، وليس العكس.
بعد سنوات
مرت سنوات طويلة، وترك والد سليم القرية.
لكن كبار السن ظلوا يحذرون الأطفال من الاقتراب من الترعة بعد غروب الشمس.
وكان هناك شيء واحد تغير.
في الماضي، كانت النداهة تنادي بأسماء أهل القرية.
أما الآن، فقد أصبحت تنادي بأسماء الأطفال.
وفي إحدى الليالي، كان أحد الرجال عائدًا إلى منزله، فسمع صوتًا من ناحية الترعة:
"يا عم..."
توقف.
ثم جاء الصوت مرة أخرى:
"يا عم... ممكن تساعدني؟"
رفع الرجل رأسه.
رأى فتاة صغيرة تقف بجوار الماء.
قال لها:
"إنتِ بتعملي إيه هنا لوحدك؟"
ابتسمت الفتاة.
ثم رفعت رأسها ببطء.
كان وجهها شاحبًا بشكل غير طبيعي.
وقالت:
"أنا مش لوحدي."
نظر الرجل خلفها.
لم يجد أحدًا.
وعندما عاد بنظره إليها...
لم تكن هناك فتاة.
فقط سمع صوتًا يأتي من داخل الترعة:
"سليم قال لي إنك هتعدي من هنا النهارده..."
ومنذ ذلك اليوم، لم يقترب أحد من الترعة بعد منتصف الليل.
لكن أهل القرية يقولون إنك إذا مررت بجوارها في ليلة هادئة، وأصغيت جيدًا...
قد تسمع صوتًا يناديك باسمك.
والأغرب من ذلك كله...
أن الصوت سيكون بصوت شخص تعرفه جيدًا.
شخص تعرف أنه ليس موجودًا هناك.
ولهذا، إذا سمعت يومًا صوتًا يناديك من مكان مظلم...
لا ترد.
فربما لم يكن أحد يناديك أصلًا...
ربما كانت النداهة تتأكد فقط أنك سمعتها.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق