أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
الروايات

طبيب على دراجة

في أزقة إحدى الأحياء الشعبية، حيث تعزف شوارع القاهرة لحن السعي والشقاء، كان "يوسف" يُسابق الزمن كل يوم على دراجته النارية الصغيرة. شابٌ في الثانية والعشرين من عمره، بملامح حفر فيها الإجهاد نبل الغاية، وعينين تلمعان بأملٍ لا ينطفئ.

طبيب على دراجة
image about طبيب على دراجة

بين كتاب الفسيولوجيا وخوذة القيادة: حكاية النهار والليل

​في أزقة إحدى الأحياء الشعبية، حيث تعزف شوارع القاهرة لحن السعي والشقاء، كان "يوسف" يُسابق الزمن كل يوم على دراجته النارية الصغيرة. شابٌ في الثانية والعشرين من عمره، بملامح حفر فيها الإجهاد نبل الغاية، وعينين تلمعان بأملٍ لا ينطفئ.

​كان يوسف يحمل في طيات يومه حيتين متناقضتين؛ الأولى في أروقة كلية الطب، يرتدي بالطه الأبيض ويستمع لشرح الأطباء عن الدورة الدموية وأمراض الأعصاب، والثانية في شوارع المدينة، يرتدي سترة شركاء التوصيل (الدليفري)، ويحمل حقيبة الطعام الثقيلة على ظهره.

​أمانة في العنق: أمّ أضناها المرض وأختٌ ينتظرها الأمل

​لم تكن القصة مجرد طموح شخصي؛ بل كانت معركة بقاء. فمنذ وفاة والده، أصبحت العائلة أمانة في عنقه: أمٌّ تعبت سنوات العمر جسدها وأضناها المرض، وأختٌ صغرى "نور" في الرابعة عشرة من عمرها، ولدت بشلل أطفال أعدم قدرتها على الحركة، لكنه لم يمنعها من الابتسام كلما عادت خطوات يوسف إلى المنزل.

​جدول الصمود: سعيٌ دؤوب من أروقة الكلية إلى أزقة المدينة

​كان جدول يوسف صارمًا كالساعة؛ يستيقظ في الخامسة صباحًا ليعيد مراجعة دروس الطب المؤجلة، ثم ينطلق إلى الجامعة حتى الظهيرة. وما إن تنتهي المحاضرات، حتى يستبدل كتاب الفسيولوجيا بخوذة القيادة، ليبدأ وردية الشقاء من الثالثة عصرًا حتى منتصف الليل.

​"يا بني، ارحم جسدك قليلاً"، كانت أمه تقولها بدموع كلما رأته يأكل لقيمات سريعة قبل أن يهرع إلى دراجته.

​كان يبتسم، ويقبل يدها قائلاً: "يا أمي، تعبك وتعب نور هو العلاج الوحيد الذي لم أدرسه في الكلية بعد.. رزقنا على الله، وقريبًا سأكون الطبيب الذي يعالج الناس ويوفر لنور أفضل علاج طبيعي في العالم."

​حادث في ليلة شتاء: عندما تحوّلت المحنة إلى بداية الفرج

​في إحدى ليالي الشتاء الشديدة، كانت الأمطار تهطل بغزارة، والبرد ينخر العظام. تلقت الشركة طلب توصيل في حظر جوي تقريبًا، وكان الأجر أضعاف المعتاد بسبب الظروف. رغم إرهاقه الشديد، وافق يوسف؛ فهو يحتاج هذا المبلغ لشراء دواء أمه الشهري ومستلزمات نور.

​انطلق بالدراجة، وكانت الرياح تدفعه يمينًا ويسارًا. وفي منتصف الطريق، انزلقت دراجته بسبب المياه، وسقط أرضًا. أُصيبت يده بجروح، وتمزقت حقيبة الطعام. بدلاً من أن يبكي على جراحه، جلس يوسف على الرصيف ينظر إلى الشارع الخالي ويحسب خسارة الطلب.

​لقاء المصادفة: يدُ العون التي انفتحت لطالب العلم المجتهد

​في تلك اللحظة، توقفت سيارة فاخرة، ونزل منها رجل مسن رأى المشهد. اقترب من يوسف ليساعده على النهوض، فلاحظ أن سترة الدليفري سقطت جزئيًا لِتظهر تحتها المذكرات الطبية المقواة في حقيبته.

​سأله الرجل بدهشة: "أنت تدرس الطب وتعمل في هذا الجو؟"

​رد يوسف وهو يلملم شتات أموره كبرياءً: "الحمد لله يا أفندم.. الطب حلمي، وهذا العمل هو حبل النجاة لأمي وأختي المريضة."

​تأثر الرجل شديدًا، فاتضح أنه أحد أكبر أطباء الجراحة في المستشفى الاستثماري القريب. لم يكتفِ الطبيب بإعطاء يوسف أجر الطلب والتكفل بدواؤه، بل طلب منه رقم هاتفه، ووعده بأن يقف بجانبه.

​لحظة التتويج: شهادة الطب تحت أقدام الأم وفي أحضان الأخت

​لم تكن تلك الليلة نهاية السعي، بل بداية الفرج. بعد سنوات من السهر، ومواصلة الليل بالنهار بين المحاضرات وطلبات التوصيل، جاء اليوم الموعود.

​في قاعة التخرج الكبرى، وقف يوسف برداء التخرج الأسود، وتاجه الذهبي. وحين نُودي على اسم كأحد الأوائل، لم ينظر إلى المنصة، بل نظر إلى الصف الأول في القاعة؛ حيث كانت أمه تجلس على كرسي متحرك، وإلى جوارها "نور" تتألق بابتسامة هي الأجمل في الكون.

​صعد يوسف إلى المنصة، وأخذ الميكروفون بدموع لم يستطع حبسها، وقال: "هذه الشهادة ليست لي.. هذه الشهادة لظهرِ أمي الذي انحنى لنقف، ولابتسامة أختي التي كانت وقودي في كل ليلة شتاء باردة وقفت فيها على الدراجة لأوفر ثمن الدواء."

​نزل يوسف من المنصة، وجثا على ركبتيه أمام أمه وأخته، وضع شهادة الطب في أحضان أمه، وربط وشاح التخرج على كاهل نور، وسط عاصفة من تصفيق الحضور الذين بكوا إجلالاً لقصة كفاح لم تزدها الأيام إلا بريقًا.

تابع جديد مصطفى ابراهيم

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق