في هذا المقال
لم أتوقع أن يكون هو قدرى
---
*عنوان المقال: لم أكن أبحث عنه، لكن قلبي وجده*
كنت أظن أن الحب يأتي مثلما نراه في الأفلام، بضجة وموسيقى وصخب، لكنه جاءني بهدوء شديد، جاءني في صورة شخص لم أكن أتوقع أن أحبه يوما.
أنا سارة، فتاة في الثامنة والعشرين، أعمل في مكتبة صغيرة في وسط البلد. أحب رائحة الكتب القديمة أكثر من أي شيء، وأقضي يومي بين الرفوف أرتب الروايات وأساعد الزبائن. حياتي كانت هادئة جدا، روتينية، حتى جاء ذلك اليوم.
دخل المكتبة شاب طويل يرتدي نظارة ويبدو عليه التعب. كان يبحث عن كتاب قديم جدا عن تاريخ الأندلس. بحثت معه كثيرا حتى وجدناه في آخر رف فوق.
قال لي وهو يبتسم لأول مرة: "بقالي شهرين بلف عليه، انتي أنقذتيني"
ضحكت وقلت له: "المكتبة دي بتحب اللي يصبر عليها"
من ذلك اليوم، أصبح يأتي كل يوم ثلاثاء. ليس ليشتري كتبا دائما، أحيانا يجلس في الركن يقرأ، وأحيانا يسألني عن رأيي في كتاب. عرفت أن اسمه يوسف، مهندس، ويحب القراءة التاريخية جدا.
لم أكن أفكر فيه بطريقة مختلفة، كان مجرد زبون لطيف. حتى لاحظت أنني أصبحت أنتظر يوم الثلاثاء بفارغ الصبر، وأهتم بلبسي أكثر في ذلك اليوم، وأضع الكتاب الذي يحبه قريبا مني.
في أحد أيام الثلاثاء، لم يأت. انتظرت حتى الساعة السابعة موعد إغلاق المكتبة، لكنه لم يظهر. شعرت بضيق غريب، كأن شيئا ناقصا.
تكرر غيابه أسبوعا آخر. بدأت أقلق، هل حدث له شيء؟ هل سافر؟ لم يكن لدي رقمه حتى.
في الأسبوع الثالث، كنت أرتب الكتب وفجأة سمعت صوته من ورائي: "لسه كتاب الأندلس موجود؟"
التفت بسرعة، كان هو، لكنه يبدو أنحف ومرهقا.
قلت له بلهفة لم أستطع إخفاءها: "كنت فين؟ قلقت عليك"
ابتسم بتعب وقال: "والدتي كانت مريضة جدا، كنت معاها في المستشفى في أسوان، لسه راجع امبارح. أول مكان جيت عليه هو هنا"
في تلك اللحظة، لم أعد أستطيع أن أكذب على نفسي. أنا أحبه. أحب هدوءه، احترامه، حبه لوالدته، وحبه للكتب.
مرت الشهور، وأصبح يوسف لا يأتي يوم الثلاثاء فقط، بل كل يوم تقريبا. كنا نتحدث لساعات بعد إغلاق المكتبة عن أحلامنا. هو يحلم أن يكتب كتابا تاريخيا، وأنا أحلم أن أمتلك مكتبتي الخاصة.
في يوم، جاء ومعه وردة حمراء واحدة وكتاب صغير.
قال لي وهو مرتبك: "أنا مش بعرف أقول كلام حلو زي الروايات اللي عندك، بس أنا من أول يوم دخلت هنا وانا حاسس اني لقيت مكاني. انتي مش بس بتحبي الكتب، انتي بتخلي أي مكان تدخليه دافي. ممكن تديني فرصة أكون جزء من حياتك؟"
لم أبك في حياتي من الفرحة مثلما بكيت في ذلك اليوم.
اليوم، بعد عامين، نحن متزوجان. المكتبة الصغيرة أصبحت مكتبتنا معا، كتبنا على واجهتها "مكتبة يوسف وسارة"، وكتابه الأول عن الأندلس أصبح على الرف الأول، وأول إهداء فيه كان لي.
تعلمت أن الحب الحقيقي لا يأتي صاخبا، يأتي هادئا مثل دخول زبون يبحث عن كتاب، ثم يقرر أن يبقى عمرا كاملا.
*النهاية*
---
تابع جديد Hassan krim
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق