في هذا المقال
اظرف نور الثلاثة
*دفتر نور*
نور عندها 32 سنة، من أسوان، مطلقة ومعاها بنت صغيرة اسمها أمولة. بعد الطلاق، الناس كلها كانت تقول لها ارجعي لزوجك من أجل المصاريف، لكنها كانت ترد بجملة واحدة: الفلوس تتعوض لكن الكرامة لا تتعوض. كانت تعمل محامية من المنزل، تكتب العقود والمذكرات القانونية على هاتفها القديم. دخلها كان متقطعاً، يوم يأتيها خمسمائة جنيه ويوم لا يأتيها شيء. وكل نهاية شهر كانت تدخل في نفس الدوامة، لا تعرف أين ذهب راتبها وكيف تبخر بهذه السرعة.
في يوم من الأيام مرضت أمولة وارتفعت حرارتها فجأة. أخذتها نور مسرعة إلى الطبيب، فطلب منها تحاليل عاجلة بأربعمائة جنيه. فتحت نور محفظتها فلم تجد سوى تسعين جنيهاً فقط. عادت إلى المنزل وهي تبكي، ليس من قلة المال، بل من إحساس العجز أمام ابنتها الوحيدة. في تلك الليلة لم تنم. أحضرت كشكولاً قديماً من دولابها وكتبت عليه بقلم أحمر كبير كلمة واحدة: أموالي.
قسمت الصفحة إلى قسمين، في اليمين كتبت كلمة دخل وفي اليسار كتبت كلمة خرج. وقررت أن تسجل كل جنيه يدخل أو يخرج مهما كان صغيراً. في أول أسبوع اكتشفت الصدمة. مائتان وثمانون جنيهاً ضاعت في شحن رصيد وكروت فكة وركوب توك توك لمسافات قصيرة يمكن المشي فيها. كانت هذه هي المرة الأولى التي ترى فيها أموالها أمام عينيها بوضوح.
في الأسبوع الثاني بدأت تتحدى نفسها. بدل التوك توك أصبحت تمشي، وبدل كارت الفكة أصبحت تشحن باقة شهرية أوفر، وبدل شراء الطعام الجاهز أصبحت تطبخ في المنزل. كانت تكتب كل توفير في الدفتر وتشعر بانتصار صغير مع كل جنيه توفره.
في نهاية الشهر الأول فتحت الدفتر وحسبت، فوجدت أنها وفرت تسعمائة جنيه كاملة. وضعتها في ظرف ورقي وكتبت عليه بخط جميل: أمان أمولة. شعرت لأول مرة أن لها سيطرة على حياتها.
في الشهر الثاني طورت الفكرة. صنعت لنفسها ثلاثة أظرف. ظرف للإيجار وظرف لأمولة وظرف ثالث للطوارئ. وأصبحت كلما يأتيها أي مبلغ تقسمه فوراً على الأظرف الثلاثة. وحولت دفترها الورقي إلى تطبيق بسيط على هاتفها سمته أموالي، وجعلته يذكرها كل يوم الساعة التاسعة مساءً بسؤال واحد: كتبتي مصروفك اليوم؟
بعد ستة أشهر حدثت المعجزة الصغيرة. احتاجت أمولة لحضانة جديدة بمبلغ ألفي جنيه. دخلت نور ودفعت المبلغ كاش من ظرف أمولة. نفس الطبيب الذي لم تستطع دفع ثمن التحاليل عنده قبل شهور، نظر لها باحترام وقال لها ما شاء الله يبدو أنك وجدت عملاً كبيراً. ابتسمت وقالت له لا، أنا فقط توقفت عن قول إن فلوسي تطير، وبدأت أعرف هي تطير إلى أين.
اليوم نور ليست غنية بالمعنى المادي، لكنها غنية بالكرامة والمعرفة. لم تعد تخاف من نهاية الشهر، بل أصبحت تنتظره لتفتح دفترها وترى كم تقدمت. وهي الآن تقول لكل سيدة تقابلها في أسوان، إذا كان زوجك هو مصدر أمانك فليكن تطبيق أموالي هو مصدر كرامتك، ومن تملك كرامتها تستطيع أن تشتري أمانها بيدها.
_خلصت قصة النهاردة
تابع جديد Hassan krim
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق