في هذا المقال

مكتبة الإسكندرية القديمة: كيف احترق عقل العالم . بعد خطوات من المكان الذي تعيش فيه الآن في شمال مصر، قامت ذات يوم مؤسسة لم يكن لها مثيل في تاريخ البشرية. لم تكن مجرد مكتبة، بل كانت أول محاولة حقيقية لتجميع كل معرفة الأرض في مبنى واحد. في زمن كانت فيه الكتب تكتب يدويا على برديات هشة وتنقل على ظهور السفن لشهور، قرر ملوك الإسكندرية أن يجعلوا مدينتهم عقل العالم.
النشأة والحلم البطلمي
بدأ كل شيء بعد وفاة الإسكندر الأكبر عام 323 قبل الميلاد. استولى أحد قادته، بطليموس الأول، على مصر وأسس مدينة الإسكندرية لتكون عاصمة للعلم لا للحكم فقط. بمساعدة الفيلسوف ديمتريوس الفاليروني، وضع خطة جريئة، جمع كل الكتب.
أصدر البطالمة قانونا غريبا وصارما، كل سفينة ترسو في ميناء الإسكندرية يتم تفتيشها، وإن وجد فيها كتب تصادر فورا، يتم نسخها، تعطى النسخة لصاحبها ويحتفظ بالأصل في المكتبة. دفعوا مبالغ ضخمة لشراء مكتبات كاملة من أثينا ورودس. يقال إن عدد اللفائف وصل إلى 700 ألف لفافة، كل لفافة تعادل كتابا متوسط الحجم اليوم. كانت المباني نفسها جزءا من مجمع أكبر اسمه الموسيون، أي بيت إلهات الفنون، وكان يضم حدائق نباتية ومرصدا فلكيا وحديقة حيوان ومختبرات تشريح.
نظام عبقري لجمع وتنظيم المعرفة
لم يكن التخزين عشوائيا. ابتكر أمين المكتبة الثاني، كاليماخوس القوريني، أول فهرس منظم في التاريخ أسماه بيناكس، أي الجداول. كان فهرسا في 120 مجلدا يصنف المؤلفين حسب المجالات، شعر ملحمي، تراجيديا، فلسفة، طب، رياضيات، ويذكر نبذة عن كل مؤلف. هذا النظام هو الجد الأكبر لفهرسة المكتبات الحديثة. كان هناك جيش من النساخين والمترجمين يعملون ليلا ونهارا. أشهر إنجازاتهم ترجمة التوراة من العبرية إلى اليونانية، المعروفة بالترجمة السبعينية، قام بها اثنان وسبعون حاخاما في عزلة تامة.
العصر الذهبي، عقول غيرت العالم
جذبت المكتبة أعظم العقول. في قاعاتها، قام إقليدس بتأليف كتابه العناصر الذي ظل يدرس في المدارس لأكثر من ألفي عام. وفيها قاس إراتوستينس محيط الأرض بدقة مذهلة، استخدم ظل عصا في الإسكندرية وأخرى في أسوان وحسب المحيط بخطأ لا يتجاوز 1 بالمئة. هيروفيلوس وإيراسيستراتوس قاما بأول تشريح علمي لجسم الإنسان وفصلا بين الشرايين والأوردة. أرخميدس درس هناك وتعلم مبادئ الروافع والطفو. كان العلماء يتقاضون رواتب من الدولة ويأكلون معا ويناقشون أفكارهم بحرية كاملة، أشبه بجامعة بحثية حديثة بتمويل ملكي مفتوح.
السقوط البطيء، ليس حريقا واحدا
الأسطورة الشعبية تقول إن المكتبة احترقت مرة واحدة وانتهت. الحقيقة أكثر مأساوية وتعقيدا. الدمار كان تدريجيا عبر أربعة قرون. المرحلة الأولى كانت عام 48 قبل الميلاد عندما أشعل يوليوس قيصر النار في سفن البطالمة في الميناء فانتقلت النيران إلى مخازن قريبة يعتقد أنها كانت تحتوي على 40 ألف لفافة.
الضربة الثانية جاءت عام 273 ميلادية عندما قام الإمبراطور أوريليان بقمع ثورة في الإسكندرية ودمر حي البروخيون الذي كانت تقع فيه المكتبة الرئيسية.
الضربة الثالثة كانت دينية، عام 391 ميلادية أصدر الإمبراطور ثيودوسيوس مرسوما بإغلاق المعابد الوثنية، فدمر البطريرك ثيوفيلوس معبد السرابيوم الذي كان يضم المكتبة الابنة وفيه حوالي 40 ألف لفافة أخرى.
النهاية الرمزية كانت مقتل الفيلسوفة هيباتيا عام 415 ميلادية على يد غوغاء متطرفين، كانت آخر كبيرة علماء الموسيون، وموتها أعلن نهاية عصر العقل الحر في المدينة. لم يبق حجر على حجر من المبنى الأصلي.
الإرث الذي لم يمت
رغم اختفاء المبنى، نجت الأفكار. نسخ كثيرة من كتب المكتبة كانت قد انتقلت إلى روما وبغداد والقسطنطينية. بيت الحكمة في بغداد في العصر العباسي كان يقلد نموذج الإسكندرية حرفيا، مترجمون ورواتب ثابتة ومشروع لجمع معرفة العالم. كثير من العلوم اليونانية وصلتنا عبر الترجمات العربية التي حفظت ما ضاع أصله اليوناني.
في عام 2002، افتتحت مكتبة الإسكندرية الجديدة على بعد 200 متر من موقع القديمة، بتصميم عبقري يشبه قرص شمس يطل على المتوسط، وتضم اليوم أكثر من 8 ملايين كتاب ومتاحف وأرشيف للإنترنت. رسالتها هي نفس رسالة القديمة، أن تكون نافذة العالم على مصر ونافذة مصر على العالم. قصة المكتبة تعلمنا درسا واضحا، المباني تحترق والمدن تسقط لكن فكرة جمع المعرفة وحمايتها فكرة عنيدة تعود للحياة كل مرة بشكل أقوى.
تابع جديد عبدالرحمن
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق