في هذا المقال
لما سنة 2000 كانت بالنسبة لهم مستقبلًا خياليًا
تخيل معايا إنك صحيت الصبح...
بس مش في 2026.
صحيت في يوم عادي جدًا من أيام التمانينات.
فتحت عينك، وبصيت جنبك... مفيش موبايل على الترابيزة، مفيش إشعارات، مفيش حد باعتلك رسالة، ومفيش شاشة بتنور في وشك أول ما تصحى.
قمت من السرير وفتحت الشباك.
سمعت صوت العربيات في الشارع، صوت واحد بينادي على بضاعته، أطفال بيلعبوا، وراديو قديم شغال في بيت الجيران.
دخلت الصالة، لقيت أبوك قاعد قدام التلفزيون.
تلفزيون تقيل وضخم، بشاشة صغيرة مقارنة بالشاشات اللي إحنا متعودين عليها دلوقتي.
سألته:
"فيه إيه النهارده؟"
قالك:
"استنى لما البرنامج يبدأ."
وبس.
مفيش نت تدور عليه.
مفيش يوتيوب.
مفيش "شوف الحلقة في أي وقت".
لو البرنامج فاتك...
خلاص، فاتك.
ولو عايز تكلم صاحبك، مش هتفتح واتساب وتكتبله "إنت فين؟"
لا.
هتروح للتليفون الأرضي، ترفع السماعة، وتطلب الرقم، وتستنى يرد.
ولو صاحبك مش موجود؟
يبقى تستنى.
الحياة وقتها كانت ماشية بشكل مختلف تمامًا.
بس الغريب إن الناس اللي كانوا عايشين في الزمن ده، كانوا شايفين نفسهم عادي جدًا.
بالنسبة لهم، دي كانت الحياة الطبيعية.
أما الحاجة اللي كانت مش طبيعية...
فكانت سنة 2000.
آه، سنة 2000 نفسها!
إحنا دلوقتي لما نقول "سنة 2000" بنحس إنها حاجة قديمة.
لكن تخيل واحد عايش سنة 1985 مثلًا.
بالنسبة له، سنة 2000 لسه قدامها 15 سنة!
يعني زي ما إحنا ممكن نتخيل دلوقتي شكل العالم سنة 2040 أو 2050.
وكانت سنة 2000 بالنسبة لهم شكلها مرعب ومثير في نفس الوقت.
كانوا بيتخيلوا إن العالم هيبقى مختلف تمامًا.
مدن ضخمة مليانة أضواء.
روبوتات بتشتغل مكان البشر.
بيوت ذكية.
كمبيوترات بتتحكم في كل حاجة.
عربيات متطورة جدًا...
وبعض الناس كانوا بيتخيلوا إن العربيات نفسها ممكن تطير!
وكان فيه حاجة أغرب من كده.
الناس كانت بتسأل:
"طيب وإحنا هنفضل نحط بنزين في العربيات لحد إمتى؟"
لأن وقتها، زي دلوقتي، كان فيه خوف من إن البترول في يوم من الأيام يقل أو يبقى غالي جدًا.
فبدأ الخيال يشتغل.
طيب لو البنزين خلص؟
هنحط إيه في العربيات؟
وهنا ظهرت أفكار تبدو لنا النهارده مضحكة جدًا...
لكن وقتها كانت منطقية بشكل ما.
القصب!
أيوه...
القصب.
كان فيه تصور إن النباتات والمحاصيل ممكن تتحول لمصدر للوقود، وإن قصب السكر ممكن يستخدم لإنتاج الإيثانول، وبالتالي ممكن العربيات في المستقبل تعتمد على وقود جاي من الزراعة بدل البنزين التقليدي.
تخيل المنظر.
سنة 2000.
واحد راكب عربيته القديمة، داخل محطة الوقود.
العامل يقرب منه ويقول:
"تفول يا أستاذ؟"
يرد عليه:
"أيوه، بس خلي بالك... فولها قصب."
العامل يفتح الخزان ويحط الوقود، والراجل يدفع ويمشي.
طبعًا الصورة دي شكلها دلوقتي كأنها مشهد من فيلم كوميدي.
لكن المضحك إن الفكرة الأساسية ما كانتش خيالًا كاملًا.
فعلًا، الإيثانول ممكن يُنتج من قصب السكر، والبرازيل مثلًا أصبحت من أكبر الدول اللي بتستخدم إيثانول قصب السكر كوقود.
يعني الناس ما عرفوش المستقبل بالضبط...
لكنهم لمسوا جزء منه.
وده أصلًا اللي بيخلي الخيال العلمي القديم ممتع جدًا.
لأنه مش مجرد أفلام عن روبوتات وعربيات طايرة.
الخيال العلمي بيكشفلك حاجة أهم:
الناس زمان كانوا بيتخيلوا المستقبل بناءً على الحاجات اللي يعرفوها.
يعني إيه؟
يعني الراجل في التمانينات كان عنده تلفزيون.
فكان بيتخيل تلفزيون المستقبل أكبر وأذكى.
كان عنده كمبيوتر.
فكان بيتخيل كمبيوتر المستقبل أقوى.
كان عنده عربية.
فكان بيتخيل عربية المستقبل أسرع وأغرب.
لكن الحاجة اللي ما كانتش موجودة أصلًا...
كان صعب جدًا يتخيلها.
مين كان ممكن يتخيل إن جهاز صغير جدًا في جيبك هيجمع:
تليفون...
كاميرا...
خريطة...
مكتبة...
تلفزيون...
ألعاب...
موسيقى...
إنترنت...
وملايين البشر في مكان واحد؟
مين كان يتخيل إن طفل قاعد في أوضته يقدر يتفرج على درس لمدرس موجود في بلد تانية؟
أو يتكلم مع شخص على الناحية التانية من العالم؟
أو يصور فيديو وينشره في نفس اللحظة لملايين الناس؟
لو كنت رجعت بالزمن لواحد من التمانينات، وحطيت موبايل حديث قدامه...
ممكن جدًا يفتكرك ساحر.
ولو قلتله:
"الجهاز ده فيه كل كتب العالم تقريبًا."
هيستغرب.
"وبيصور فيديو؟"
أيوه.
"وبيتكلم مع ناس في أي بلد؟"
أيوه.
"وبيجيبلك مكان أي شارع؟"
أيوه.
"وبيشغل أفلام وأغاني وألعاب؟"
أيوه.
"وإنت شايله في جيبك؟"
أيوه.
هنا غالبًا هيبصلك شوية...
وبعدين يقولك:
"إنت جاي من سنة كام؟"
لكن المفاجأة إن حتى الناس دي، رغم إن توقعاتهم كانت غريبة، ما كانتش غلط في كل حاجة.
هم كانوا عارفين إن الكمبيوتر هيغير العالم.
وعارفين إن التكنولوجيا هتدخل كل تفاصيل الحياة.
وعارفين إن الطاقة هتتغير.
وعارفين إن وسائل الاتصال هتتطور.
بسهم ما كانوش عارفين إزاي كل ده هيحصل.
وده شيء طبيعي.
لأن المستقبل عمره ما بييجي بالشكل اللي إحنا متخيلينه.
إحنا دلوقتي بنرسم صور لسنة 2050.
نتخيل روبوتات في كل بيت.
عربيات بتطير.
مدن فوق السحاب.
ذكاء اصطناعي في كل مكان.
ويمكن بعد كام عشر سنة، حد هيبص على توقعاتنا ويضحك.
هيقول:
"هما كانوا فاكرين إن المستقبل هيبقى كده؟"
زي ما إحنا دلوقتي بنبص على صور من التمانينات ونضحك على بعض توقعاتهم.
لكن وسط كل ده، فيه حاجة جميلة جدًا.
لما تشوف صورة قديمة من التمانينات، متبصش بس للعربية القديمة أو التلفزيون الكبير أو اللبس.
بص للناس نفسهم.
للطفل اللي واقف في الشارع.
للأب اللي ماسك الجورنال.
للأم اللي بتتكلم في التليفون الأرضي.
للشخص اللي واقف قدام محل وبيبص على الساعة.
واسأل نفسك:
هو كان بيتخيلنا إزاي؟
يمكن كان فاكر إننا هنعيش في مدن طايرة.
يمكن كان فاكر إن كل واحد فينا عنده روبوت.
يمكن كان فاكر إن العربيات هتمشي بالقصب.
لكن غالبًا ما كانش يتخيل إن أكبر تغيير هيحصل في حاجة بسيطة جدًا:
إن العالم كله هيدخل في جهاز صغير قد كف الإيد.
والأغرب من كده...
إن إحنا دلوقتي بقينا مكانهم.
إحنا اللي بنبص لقدام.
إحنا اللي بنقول:
"يا ترى العالم هيبقى عامل إزاي بعد 20 سنة؟"
وبنرسم في دماغنا شكل المستقبل.
وممكن جدًا نكون غلطانين.
وممكن نكون صح في حاجات.
وممكن فكرة بنضحك عليها النهارده تبقى هي أهم اختراع بعد سنين.
وده يمكن أجمل جزء في الحكاية كلها.
إن المستقبل مش كتاب مفتوح نقدر نقرأه.
المستقبل مجرد مساحة فاضية...
وخيال الإنسان هو أول حاجة بتحاول تملأها.
وعشان كده، لما تلاقي فيلم خيال علمي قديم بيتكلم عن سنة 2000، متضحكش بس على العربيات اللي ما طارتش والروبوتات اللي ما ظهرتش بالشكل اللي كانوا متوقعينه.
قف لحظة...
وفكر.
الناس دي كانت واقفة في الماضي، وبتحاول تتخيل حياتنا.
وإحنا واقفين في الحاضر، وبنحاول نتخيل حياة ناس لسه ما جاش وقتهم.
وفي الحالتين...
الإنسان بيعمل نفس الحاجة.
بيبص للمجهول...
ويحاول يتخيله.
يمكن عشان كده، المستقبل الحقيقي دايمًا أغرب من الخيال.
لأن الخيال مهما كان واسع...
لسه عنده حدود.
أما المستقبل؟
فمالوش حدود.
تابع جديد أبوبكر شاهين
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ


النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق