صرخة الوادي الأسود

صرخة الوادي الأسود
كان فيه قرية صغيرة في آخر الريف، بعيدة عن أي مدينة، لدرجة إن لو وقفت بالليل تبص حواليك، مش هتشوف غير زرع، وترع، وضباب، وصوت صراصير... وساعات صوت حاجة ماشية وسط الغيط، من غير ما تعرف إيه هي.
في آخر القرية كان فيه بيت قديم، عايش فيه عيلة كبيرة: الأب عم رمضان، والأم أم محمد، والابن الكبير كريم، والابن الصغير يوسف، والعم سيد، والجد، والجدة.
الناس كلها كانت بتحذر أي حد جديد من مكان معين ورا البيت... غيط مهجور فيه شجرة سدر ضخمة وبير قديم. محدش كان بيقرب منه بعد المغرب.
ولما حد يسأل ليه...
كانوا يردوا بجملة واحدة:
"متسألش... علشان اللي عرف، مختفاش غير اسمه."
في أسبوع واحد... اختفى سبع أطفال.
اللي رجع منهم اتنين بس.
رجعوا أحياء... لكن ولا واحد فيهم نطق كلمة مفهومة.
كانوا قاعدين يبصوا في الأرض بالساعات... ولما حد يقرب منهم كانوا يصرخوا ويقولوا:
"هي جاية... هي شايفانا..."
الدكاترة قالوا إنهم في حالة صدمة.
لكن الجدة كانت كل ما تسمع الكلام ده، تسكت... وتبص ناحية الشباك.
وفي ليلة، الساعة كانت داخلة على 12 إلا ربع.
النور قطع.
وده كان شيء عادي.
لكن اللي مكانش عادي...
إن خبطات خفيفة بدأت تيجي على شباك أوضة يوسف.
تك...
تك...
تك...
يوسف افتكر إنها قطة.
فتح الستارة سنة صغيرة...
ومكانش فيه حد.
رجع نام.
بعد دقيقة...
تك...
تك...
تك...
المرة دي بص بسرعة...
وشاف بنت واقفة بعيد وسط الضباب.
لابسة أبيض.
وشعرها مغطي وشها كله.
كانت واقفة من غير ما تتحرك.
قفل الستارة بسرعة وهو بيقول لنفسه إنه بيتخيل.
لكن وهو راجع السرير...
سمع الخبط جاي من الشباك التاني.
لف ناحية الشباك...
ولقى البنت بقت واقفة قدامه مباشرة.
من غير ما يكون شافها وهي بتمشي.
فضل واقف مكانه.
هي ماعملتش أي حاجة.
بس رفعت إيدها... وأشارت ناحية باب البيت.
وفي نفس اللحظة...
سمع صوت الباب الرئيسي بيتفتح لوحده.
الأب قام مفزوع.
جرى يقفل الباب.
مفيش حد.
لكن الطين اللي قدام البيت كان كله آثار رجلين...
رايحة لجوه...
ومفيش أي أثر خارج.
كأن حد دخل...
ومخرجش.
تاني يوم الصبح...
اكتشفوا إن جدتهم اختفت.
دوروا عليها في كل مكان.
لحد ما لقوا عصاها جنب البير القديم.
بس هي...
ملقوهاش.
الجد وقتها قال بصوت مبحوح:
"أنا كنت فاكرها خلاص نسيت الطريق."
كلهم بصوا له.
قال:
"من خمسين سنة...
كان فيه بنت صغيرة تايهة في الضباب.
كل اللي كان يشوفها ويمشي وراها...
كان يختفي."
العم سيد ضحك وقال إن دي خرافات.
وقرر يروح البير بنفسه.
الساعة كانت واحدة بعد نص الليل.
الأب حاول يمنعه.
لكنه خرج.
فضلوا مستنيين.
مرة...
اتنين...
تلاتة...
وفجأة...
سمعوا صوته بيصرخ من بعيد.
جروا ناحية الصوت.
ملقوش حد.
غير الكشاف بتاعه واقع على الأرض.
وشغال.
والنور بتاعه كان متوجه ناحية الشجرة.
هناك...
كان مكتوب على التراب بإيد كأنها صغيرة:
"لسه واحد."
من الليلة دي...
بدأوا يسمعوا خطوات فوق سطح البيت كل يوم.
مع إن محدش كان بيطلع.
وكانوا كل ليلة يلاقوا التراب متبعتر قدام باب أوضة يوسف.
وفي مرة...
كريم صحى على صوت حد بينادي اسمه.
الصوت كان شبه صوت أمه.
خرج.
الأم كانت نايمة.
لكن الصوت لسه بينادي...
جاي من ناحية البير.
فضل ماشي وراه.
لحد ما وصل.
وكان الضباب تقيل جدًا.
وبين الضباب...
شاف البنت.
واقفة.
ساكتة.
وفجأة...
رفعت شعرها بإيدها...
لكن قبل ما يشوف وشها...
سمع صوت الجد بيصرخ باسمه من بعيد.
لف ثانية واحدة.
ولما رجع يبص...
البنت اختفت.
بعدها بأيام، بدأ الضباب يختفي، والقرية رجعت هادية، لكن محدش بقى يخرج بعد المغرب. وكل طفل في القرية كبر وهو حافظ التحذير اللي الجد كان يقوله لأي حد جديد:
"لو سمعت حد بيناديك بالليل... اتأكد الأول إنه فعلًا الشخص اللي تعرفه. ولو شفت حد واقف بعيد وشعره مغطي وشه... امشِ في طريقك، ومتقفش تبص."
ويقولوا لحد النهارده إن اللي يعدي جنب البير القديم وقت الضباب، ممكن يحس إن في حد واقف يراقبه... لكن أول ما يلف، مش هيلاقي غير السكون. ويمكن ده مجرد خوف... أو يمكن في حاجات، الأفضل تفضل مجرد حكايات.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق