أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
يوميات

حين يصبح الوطن غربة 💔

أشد قسوة من الغربة: أن تكون في وطنك وتشعر أنّك غريبٌ عنه .. ‏تسرَّبَ العمرُ رملاً من أصابعِنا ونحنُ ننظرُ في راحاتِ أيدينا ...

Eman AminEman Aminالكاتب 3 د للقراءة 5.01 المراجعات
حين يصبح الوطن غربة 💔

قالت لي إحدى صديقاتي ذات يوم :

«نحن في غزة في غُربةٍ مثلكم … لم نعد نرى أحبابنا»

توقّفتُ طويلًا عند عبارتها ؛ فقد كنت أظنّ أن الغربة هي أن تترك وطنك ، أن تحمل حقيبتك وتمضي إلى مكان لا يعرف اسمك ، ولا تحفظ شوارعه خطاك ، ولا تجد فيه وجهًا يشبه الذاكرة ؛ 

لكنّها جعلتني أفهم أن هناك غربةً أشدّ قسوة : أن تكون في وطنك وتشعر أنّك غريبٌ عنه ..

أن تعود إلى الحارة التي كنت تعرف كل تفاصيلها ، فلا تجدها ؛ أن تبحث عن البيت الذي كان يضمّ ضحكاتكم ، عن الشجرة التي كنتم تجلسون تحتها ،  عن الوجوه التي كانت تملأ المكان حياةً ؛ فلا تجد إلا آثارًا باهتة ..

الحرب لا تقتل الناس وحدهم ؛ بل تقتل الأماكن التي كانت تجمعهم ، فتطمس ملامح الحارات ، وتغيّر شكل الشوارع ، وتهدم البيوت ، وتبعثر العائلات ، وتطمس الذكريات ، حتى يصبح الوطن الذي تعرفه شيئًا مجهولًا ..

حتى الأماكن التي ما زالت قائمة ، قد لا تبقى كما عرفناها ؛ لأن المكان ليس جدرانًا فقط ؛ المكان هو الناس الذين كانوا يسكنونه ، والوجوه التي كانت تمنح المكان روحه ..

نحن في الغربة نشتاق إلى وطنٍ تركناه خلفنا ؛ أمّا هم في غزّة ، فيشتاقون إلى وطنٍ ما زالوا فيه ، لكنه لم يعد كما كان .

يشتاقون إلى حارةٍ لم تعد موجودة كما كانت ، إلى بيتٍ مُسحت ملامحه ، إلى أناسٍ فرّقتهم الحرب ، إلى أيامٍ لا يمكن استعادتها ، إلى تفاصيل صغيرة لم يكن أحد يظنّ يومًا أنها ستصبح ذكريات ..

أن تبحث عن ملامح الأماكن في ذاكرتك ؛ لأن الواقع محاها ، كأن الحرب لم تهدم البيوت فقط ؛ بل هدمت الطريق الذي كان يصل الإنسان بذكرياته ..

وفهمت أخيرًا أن الغربة ليست دائمًا أن تكون بعيدًا عن الوطن ؛ أحيانًا تكون الغربة أن يبقى الوطن في قلبك ، بينما تتغيّر ملامحه من حولك .

أن تظلّ تبحث عن حارتك القديمة ، عن أحبابك ، عن صوت الحياة الذي كان يملأ المكان ، فلا تجد إلا صدى بعيدًا يقول لك :

                      كان هنا وطن …

تاهت بنا السُّبُل ؛ لأن الطريق الذي ظننّاه يومًا يقودنا إلى النجاة ، أخذنا بعيدًا عن كل ما نحب ..

تغيّرت الأماكن ، وتبدّلت الوجوه ، وتبعثرت الأحلام على أرصفة الانتظار ، حتى صرنا لا نبحث عن طريقٍ يوصلنا إلى مكان ، بل عن طريقٍ يعيدنا إلى أنفسنا ..

تاهت بنا السُّبُل ، وبقي في القلب شيءٌ واحد لا يضلّ طريقه أبدًا : حنينٌ إلى زمنٍ كان فيه للحياة وجهٌ نعرفه ، وللأيام طعمٌ يشبهنا …

نحن عالقون عند ذلك اليوم …

ليس لأننا عاجزون عن المضي ، بل لأن شيئًا من أرواحنا ظلّ هناك ؛ في ضحكةٍ لم نعرف أنها الأخيرة ، وفي وجوهٍ حسبنا أن الغياب عنها مستحيل ، وفي حياةٍ لم ندرك جمالها إلا بعدما صارت ماضيًا ..

مضت الأيام ، لكن بعض الذكريات لا تشيخ ؛ تبقى حيّة ، كلما لامسها الحنين أعادت إلينا نسخةً منّا لم يعد لها مكان في هذا العالم ..

نحن لا نبكي ما مضى فقط ؛ نحن نبكي ما كنّاه حين كان كل شيء بخير ..

نعيش الحاضر بأجسادنا ، بينما جزءٌ خفيّ منّا ما زال هناك ..

image about حين يصبح الوطن غربة 💔

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تابع جديد Eman Amin

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق