أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
يوميات

خمسون عامًا من الحرب

قصة إنسانية عن رجل من قرى المنيا، بدأت معاناته في طفولته بين الفقر وقسوة المدرسة، ثم امتدت سنواته بين الجيش وحروب 1967 و1973 والعمل بالأجر في الأرض، حتى وجد نفسه في شيخوخته يخوض معارك جديدة مع السكري والقلب والضغط والصمم. حكاية عن عمر كامل قضي حياته في المقاوم

AlkatpAlkatpالكاتب 6 د للقراءة 0.00 المراجعات
خمسون عامًا من الحرب

 

خمسون عامًا من الحرب: حكاية رجل حارب الفقر والجندية والمرض حتى الشيخوخة
 



 

في عام 1960، كنت تلميذًا في المرحلة الإعدادية بمدرسة الشهداء، في قرية بسيطة من قرى محافظة المنيا. كان عمري صغيرًا، وكانت الدنيا أضيق من أن أرى ما ينتظرني خلف سنوات الطفولة.

في حصة الرياضيات، كان ذهني يسرح كثيرًا، وأفقد القدرة على متابعة شرح المعلم. لم يفكر أحد في سبب شرودي، ولم يسألني أحد عما يدور في رأسي؛ كان العقاب هو الإجابة الجاهزة، والضرب المبرح هو الطريقة التي يُراد بها إصلاح ما عجزوا عن فهمه. كنت أعود إلى البيت بجسد يؤلمني، وأحمل في داخلي خوفًا من اليوم التالي، كأن المدرسة التي ذهبت إليها لأتعلم أصبحت أول مكان أتعلم فيه معنى العجز. لم أكن أعرف أن بعض الآلام لا تنتهي بانتهاء الواقعة، وأن الإنسان قد يقضي سنوات طويلة يحمل آثار أشياء حدثت له وهو أصغر من أن يدافع عن نفسه.

image about خمسون عامًا من الحرب

 

كانت أمي تجلس معي أمام طبلية الطعام، تتابع دروسي وتحاول أن تساعدني على التركيز. كانت تحضر لي الحلوى أحيانًا، فظننت أن ذلك تشجيع منها على المذاكرة، حتى أدركت مع مرور العمر حقيقة لم يكن طفل في مثل سني قادرًا على فهمها. لم تكن الحلوى مكافأة على الاجتهاد؛ كان الطعام نفسه قليلًا، وكانت أمي تحاول أن تمنحني شيئًا يسد فراغ المائدة، ويحميني من الشعور بأن بيتنا لا يملك ما يكفي.
 

لم تكن تملك الكثير، لكنها كانت تعرف كيف تخفي عجزها كي لا يراه ابنها. أتذكرها الآن وهي جالسة إلى جواري، وأتساءل كم مرة أخفت جوعها حتى أظن أن الأمور بخير، وكم مرة ابتلعت حزنها كي أستطيع أنا أن أفتح كتابًا وأحاول التعلم. مضت السنوات، وبقيت صورة الطبلية في ذاكرتي أكثر وضوحًا من أشياء كثيرة امتلكتها لاحقًا. لم تكن هناك خطب عن الصبر، ولا كلمات كبيرة عن التضحية؛ كانت أمًّا فقيرة تجلس بجوار ابنها، وتحاول أن تمنحه ما ينقصه، حتى إن لم تجد ما تمنحه إياه سوى وجودها.
 

قبيل عام 1967، ذهبت إلى الجيش، وامتدت تلك المرحلة من حياتي حتى عام 1974، مرورًا بهزيمة يونيو وحرب أكتوبر. دخلت تلك السنوات شابًا من قرية صغيرة، يحمل وراءه سنوات من الفقر والعمل والخوف، ويترك في بيته حياة بسيطة تنتظر عودته.

كانت الحرب أكبر من قدرتي على فهم ما يجري حولي؛ أحداث تتلاحق، وأيام ثقيلة، وانتظار لا يعرف أحد متى ينتهي. لم أكن أملك ترف التفكير في شكل الحياة التي سأعيشها بعد ذلك، فقد كان المطلوب أن أؤدي واجبي وأمضي مع الأيام كما تأتي.

وعندما عدت، كانت العودة مختلفة عما تخيلته. رجعت أصمّ، وأصبح التواصل مع الناس أمرًا يحتاج إلى جهد لم أعرفه من قبل. تتحرك الشفاه أمامي، وتختلط الإشارات، وأجد نفسي خارج أحاديث كثيرة كانت في السابق جزءًا طبيعيًا من يومي. لم يكن الصمت مجرد غياب للصوت؛ كان حاجزًا بيني وبين عالم يستمر في الحركة دون أن ينتظرني. خرجت من سنوات الجيش، لكنني لم أخرج منها بكل ما دخلت به، وصار عليّ أن أبدأ حياة جديدة بجسد يحمل ما لم يكن موجودًا من قبل.
 

عدت إلى العمل أجيرًا في الأرض، وظللت أعمل حتى عام 2010. كانت الأيام تبدأ مبكرًا، والعمل يحتاج إلى جهد، والأجر يذهب إلى ضروريات الحياة التي لا تنتظر تحسن الظروف. لم تكن الأرض تسألني عما عشته، ولم يكن التراب يعرف شيئًا عن السنوات التي قضيتها في الجيش؛ كان عليّ أن أعمل كي أعيش، وأن أعود في نهاية اليوم بما استطعت كسبه
 

. وفي المساء، كنت أتابع التلفزيون، وأرى الحديث عن الانفتاح والرخاء والسلام، وأتابع أخبار العهود السياسية التي تتبدل، من سنوات ما بعد الحرب إلى عهد مبارك. كانت الكلمات تتحدث عن تغيرات كبيرة، بينما بقيت حياتي محكومة بما أستطيع فعله بيدي، وبما يسمح به جسدي، وبما يتبقى من الأجر بعد قضاء الحاجات.

لم أكن أطلب أن يتوقف البلد عند حكايتي، ولا أن ينكر الناس ما تحقق في حياتهم؛ كنت أحاول فقط أن أفهم المسافة بين الكلام الذي يصل إلى الشاشات والحياة التي أعيشها بعيدًا عنها. ومع تقدم العمر، أخذت صحتي تشغل مساحة أكبر من يومي، وصرت أتابع برامج تتحدث عن الشيخوخة والقلب والمناعة، أبحث فيها عن فهم لما يحدث للإنسان عندما يتقدم به العمر، ويصبح جسده نفسه موضوعًا للقلق والمراقبة.

image about خمسون عامًا من الحرب
 

ثم جاءت مرحلة أخرى، لم تحتج إلى جبهة عسكرية ولا إلى صفارة إنذار. أصبحت أعيش مع السكري وارتفاع ضغط الدم ومشكلات القلب، إلى جانب الصمم الذي رافقني منذ عودتي من الجيش. صارت الحياة اليومية تحتاج إلى انتباه أكبر، وأصبحت فكرة الغد مرتبطة بما أستطيع تحمله، وبما يسمح به جسدي. أحيانًا أتذكر الصبي الذي كان يجلس أمام مدرس الرياضيات، فأشعر أن المسافة بينه وبيني لم تكن مجرد أعوام طويلة؛ كانت سلسلة من التجارب التي أخذت من العمر شيئًا، وتركت مكانه أثرًا لا يراه الآخرون بسهولة. وأتذكر أمي، والطبلية، والحلوى القليلة، فأفهم أن أولى معاركي لم تكن في ميدان القتال، وإنما في بيت فقير حاولت فيه امرأة أن تحميني من قسوة الحياة بما تيسر لها.

ثم أفكر في سنوات الجيش والعمل، وفي الصمت الذي رافقني، وفي الأمراض التي أصبحت جزءًا من واقعي. هل كانت كل هذه الأشياء حربًا واحدة امتدت نصف قرن، أم أنها حروب مختلفة اجتمعت في حياة رجل واحد؟ لا أملك إجابة قاطعة، لكنني أعرف أن الإنسان قد يخرج من معركة ليجد نفسه أمام أخرى، من دون أن يمنحه أحد وقتًا كافيًا ليفهم ما حدث.

 

اليوم، عندما أستعيد عمري، لا أبحث عن لقب البطل، ولا أريد أن أبدو رجلًا انتصر على كل شيء. الحقيقة أبسط وأقسى: عشت كما استطعت، وعملت لأن الحياة كانت تحتاج إلى عملي، وتحملت لأن البدائل لم تكن كثيرة، ووصلت إلى الشيخوخة وأنا أحاول التعايش مع ما تركته السنوات في جسدي. خمسون عامًا من الحرب؛ ربما يزيد العدد أو ينقص، لكنني لا أحسبها بالتواريخ وحدها.

أحسبها في طفولة لم تعرف الأمان كاملًا، وفي أم أخفت قلة الطعام وراء قطعة حلوى، وفي سنوات الجيش التي انتهت بعودة لم تكن كما تمنيتها، وفي أعوام العمل التي لم تمنحني فرصة واسعة للراحة، وفي أمراض أواجهها الآن بعدما انقضت معظم سنوات قوتي. لا أعرف إن كان هناك انتصار يمكن أن يُكتب في نهاية هذه الحكاية، ولا أستطيع أن أغير ما مضى. كل ما أستطيع قوله إنني ما زلت هنا، أستعيد وجوهًا وأيامًا ظننت أنني تجاوزتها، وأحاول أن أضع حياتي في كلمات يفهمها من لم يعشها. لم تكن أمنيتي يومًا أن أعيش عمرًا استثنائيًا؛ 
 

أردت حياة عادية، طعامًا يكفي، وعملًا لا يستنزف الجسد، وأيامًا تمر من دون خوف جديد. لكن العمر مضى على نحو آخر. وحين يسألني أحدهم عن الحرب، لا أحتاج إلى أن أشرح له أسماء المعارك؛ يكفي أن أنظر إلى السنوات التي عشتها. فقد انتهت الحروب التي عرفها الناس في نشرات الأخبار، أما أنا فما زلت أتعلم كيف أعيش مع ما بقي منها، وكيف أحافظ على كرامتي في معركة أخيرة لا أريد منها سوى يوم هادئ، وذاكرة لا تضيع، وقلب يجد ما يكفي من الطمأنينة ليواصل النبض.

تابع جديد Alkatp

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق