أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
قصص رعب

رواية: النداء الثالث

انتقلت مريم (27 عاماً) للعيش بمفردها في شقة قديمة استأجرتها بسعر رخيص جداً في حي هادئ. كانت الشقة واسعة، لكن غريبة، فجدرانها مطلية باللون الرمادي الداكن

شمس العزةشمس العزةالكاتب 6 د للقراءة 0.00 المراجعات
رواية: النداء الثالث
image about رواية: النداء الثالث

 

الفصل الأول: الشقة رقم 7

انتقلت مريم (27 عاماً) للعيش بمفردها في شقة قديمة استأجرتها بسعر رخيص جداً في حي هادئ. كانت الشقة واسعة، لكن غريبة، فجدرانها مطلية باللون الرمادي الداكن، وينبعث من زواياها برودة غير طبيعية حتى في عز الصيف.

في الليلة الأولى، بينما كانت مريم ترتب كتبها في الصالة، رنّ هاتف الشقة الأرضي القديم ذو القرص الدوار. تعجبت كثيراً، فهي لم تقم بتوصيل الحرارة للهاتف بعد!

اقتربت بوجل ورفعت السماعة، فجاءها صوت أنثوي متقطع، مليء بالبكاء والتشويش:

  • "ماتفتحيش.. ماتفتحيش الباب لو رن تلات مرات.. هو مستني برة."

انقطع الخط فجأة. ظنت مريم أنها دعابة ثقيلة الظل من أصدقائها، فوضعت السماعة وهزت رأسها ساخرة. لكن في تمام الساعة الثالثة فجراً، استيقظت على صوت طرقات قوية على باب الشقة الخارجي.

طرق.. طرق.. طرق.
ثلاث طرقات متتالية، تلاها صمت قاتل. تذكرت مريم المكالمة، وتجمد الدم في عروقها!


الفصل الثاني: زائر الفجر

وقفت مريم خلف الباب، تنظر عبر العين السحرية. كان الممر مظلماً تماماً لأن مصباح السلم كان يرمش وينطفئ. لم تلمح أحداً، لكنها شعرت بأنفاس ثقيلة تمر من أسفل شق الباب، ورائحة رطوبة وعفن شديدة بدأت تتسرب إلى داخل الشقة.

عادت إلى سريرها وهي ترتجف، ولم تنم حتى أشرقت الشمس. في الصباح، قررت سؤال حارس البناية، عم "صالح"، رجل سبعيني يكسو وجهه التجاعيد. بمجرد أن سألته عن الهاتف والشقة، شحب وجهه وقال بنبرة مرتجفة:

  • "يا بنتي، الشقة دي مقفولة من عشر سنين. الساكنة اللي كانت قبلك كانت بنت في سنك، وكانت بتشتكي من نفس الطرقات.. لحد ما في يوم فتحت الباب، ولما دخلنا الشقة ملحيناش ليها أثر، كأن الأرض انشقت وبلعتها، والشرطة لقت السماعة مرفوعة!"

دب الرعب في قلب مريم، وعادت إلى شقتها وهي تنوي حزم حقائبها والرحيل فوراً. لكن بمجرد أن فتحت باب الشقة، وجدت المفاجأة الصادمة؛ كل أثاث الشقة كان مرتباً بشكل مختلف، وهناك خطوط حمراء مرسومة على الجدران تشبه طقوساً غريبة، وفي منتصف الصالة.. كان الهاتف الأرضي يرن من جديد!


الفصل الثالث: خيوط اللعنة

تقدمت مريم نحو الهاتف كالمغيبوبة، رفعت السماعة وجاءها نفس الصوت الباكي، لكن هذه المرة كان أكثر وضوحاً ورعباً:

  • "أنا فتحت الباب يا مريم.. وهو جوة الشقة دلوقتي.. متبصيش وراكي!"

سقطت السماعة من يد مريم، والتفتت ببطء وهي تحبس أنفاسها. لم يكن هناك أحد، لكن على المرآة الكبيرة في الصالة، بدأت تظهر كلمات مكتوبة بخار الماء البارد يتصاعد منها: "النداء الثالث.. الليلة."

أدركت مريم أنها ليست وحدها، وأن الكيان الذي يسكن الشقة لا يريدها أن ترحل. حاولت الركض نحو باب الشقة لتخرج، لكن المقبض الحديدي كان ساخناً كالجمر، والباب كان مغلقاً من الخارج بإحكام كأنه جزء من الجدار.

انطفأت الأنوار فجأة في الشقة كلها، وبدأ صوت الهاتف يرن ويرن، وفي نفس اللحظة.. بدأت الطرقات على الباب من جديد: طرق.. طرق.. طرق.

وفجأة، سمعت مريم صوتاً يهمس من خلفها مباشرة في الظلام الدامس:

  • "أنا مش برة.. أنا هنا."

 

الفصل الرابع: مذكرات الغرفة المظلمة

الظلام في الشقة لم يكن ظلاماً عادياً، بل كان كثيفاً كأنه مادة سائلة تخنق الأنفاس. ارتمت مريم على الأرض، وغطت أذنيها لتتحاشى سماع ذلك الهمس المرعب الذي جاء من خلفها مباشرة: "أنا مش برة.. أنا هنا".

تجمعت شجاعتها فجأة بفعل غريزة البقاء، فأخرجت هاتفها المحمول وشغلت كشافه الوميضي والتفتت بسرعة. لم يكن هناك أحد! لكن رائحة العفن كانت تزداد قوة. تحركت ببطء والكشاف يرتجف في يدها، وبدأت تفحص الصالة. تعثرت قدمها بكتلة خشبية أسفل السرير؛ كانت هناك بلاطة مرتفعة قليلاً عن الأرض في زاوية الغرفة.

بأظافرها التي تكسرت وسالت منها الدماء، رفعت البلاطة لتجد فجوة مظلمة تحتوي على دفتر مذكرات قديم بغلاف جلدي مهترئ، وبجانبه شريط كاسيت قديم.

فتحت الدفتر على عجل وقرأت السطور الأخيرة المكتوبة بخط يد مهتز:
"اليوم هو الـ 26 من أكتوبر.. الهاتف رن مرتين، وفي كل مرة كنت أسمع صوتي أنا! نعم، إنه صوتي يحذرني من نفسي. الكيان الذي يسكن هذه الشقة ليس شيطاناً، بل هو (قرين المرآة). يتغذى على خوفك حتى يتجسد في عالمنا، وعندما يرن الهاتف للمرة الثالثة وتجيب.. سياخذ جسدك ويحبس روحك داخل زجاج المرآة للأبد. الطريقة الوحيدة لمنعه هي تدمير المرآة الكبيرة وسلك الهاتف قبل ليلة اكتمال القمر.. الليلة هي تلك الليلة!"

سقطت المذكرات من يد مريم. الليلة هي ليلة اكتمال القمر، والهاتف الأرضي اللعين بدأ يرن مجدداً.. كانت تلك هي الرنة الثالثة!


الفصل الخامس: مواجهة العاكس

تررررن.. تررررن.
صوت رنين الهاتف الأرضي كان يثقب طبلة أذنها، ومعه عادت الطرقات على الباب بعنف أقوى بكثير، كأن الباب على وشك أن ينكسر: طرق.. طرق.. طرق.

نظرت مريم إلى المرآة الكبيرة المثبتة في الصالة، وتجمدت المفاجأة في حلقها. انعكاسها في المرآة لم يكن يتحرك معها! كانت مريم في المرآة تقف مبتسمة ابتسامة عريضة مرعبة، وتمسك بسماعة هاتف أرضي داخل الزجاج وتنظر إليها بعينين سوداوين تماماً وخاليتين من البياض.

قالت النسخة التي في المرآة بصوت مريم المتأصل بالرعب:

  • "ارفعي السماعة يا مريم.. حان وقت التبادل. أنتي عشتي في النور كفاية، ودلوقتي دوري."

تحركت يد مريم نحو سماعة الهاتف الحقيقي رغماً عنها، كأن هناك قوة مغناطيسية غير مرئية تتحكم في عضلاتها وتجبرها على التقدم. كانت تبكي وتصرخ:

  • "لا.. مش هسمحلك! مش هاخد مكاني!"

بكل ما أوتيت من قوة وإرادة متبقية، غيرت مريم اتجاه حركتها في اللحظة الأخيرة قبل أن تلمس السماعة. ارتمت نحو منضدة خشبية قريبة، وأمسكت بتمثال نحاسي ثقيل كان موضوعاً عليها. التفتت نحو المرآة الكبيرة، وصرخت بأعلى صوتها وهي تقذف التمثال بكل قوتها نحو مركز الزجاج!


الفصل السادس والأخير: خديعة الزجاج

دوى صوت تحطم الزجاج بقوة ملأت أرجاء الشقة. تناثرت آلاف الشظايا على الأرض، ومعها انقطع رنين الهاتف فجأة، وتوقفت الطرقات على الباب. ساد هدوء تام، وعادت أنوار الشقة لتضيء ببطء، واختفت رائحة العفن تماماً.

تنفست مريم الصعداء، وسقطت على ركبتيها وسط الشظايا وهي تبتسم بانتصار والدموع تملأ عينيها. لقد نجحت! دمرت المرآة وكسرت اللعنة. تلمست وجهها لتتأكد أنها بخير، ثم قامت وجمعت حقيبتها بسرعة، وفتحت باب الشقة الذي انفتح هذه المرة بسهولة.

نزلت السلم مسرعة وقابلت عم "صالح" حارس العقار عند المدخل. نظر إليها بابتسامة دافئة وقال:

  • "على فين يا بنتي على الصبح كدة؟"

ردت مريم براحة وفرح:

  • "أنا سايبة الشقة يا عم صالح.. ومش راجعة هنا تاني أبداً. أنا كسر اللعنة دي خلاص."

أومأ عم صالح برأسه، لكن ابتسامته اتسعت بشكل غريب وغير مريح، ونظر إلى يديها وقال بنبرة هادئة:

  • "الحمد لله يا بنتي.. بس غريبة، أنتي مخدتيش بالك من الشظية اللي في إيدك؟"

نظرت مريم إلى يدها اليمنى، لتجد أنها ممسكة بشظية زجاجية صغيرة متبقية من المرآة. نظرت إلى سطح الشظية اللامع، فصُعقت برؤية انعكاس وجهها داخلها.. لكن وجهها في الشظية كان يبكي ويصرخ خلف الزجاج بصوت مكتوم: "طلّعوني من هنا! دي مش أنا! دي اللي كانت جوة المرآة!".

وفي نفس اللحظة، نظرت مريم الحالية إلى عم صالح، ولمعت عيناها بسواد كامل للحظة واحدة، ثم ابتسمت ابتسامة باردة غامضة وقالت:

  • "فعلاً يا عم صالح.. الجو برة المرآة جميل أوي!"

وسارت في الشارع تاركة خلفها مريم الحقيقية محبوسة في شظية زجاجية ملقاة على الأرض بانتصار زائف.


تمت الرواية بحمد الله

تابع جديد شمس العزة

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق