جريمة غامضة في قصر الرشيدي ( الجزء الثاني)
أسرار خلف الجدران: خيوط التحقيق الجنائي وأقنعة العائلة (الجزء الثاني)
لم يكن لغز الغرفة المغلقة وساعة المنتصف المتوقفة سوى البداية. غادرت المحققة "سارة" مسرح الجريمة وعقلها يغلي بالأسئلة التي تبدو بلا إجابات. نزلت درجات السلم الرخامي الضخم متجهة إلى صالة الاستقبال الرئيسية في القصر، حيث كان المشتبه بهم يجلسون في صمت ثقيل، يقطعه فقط صوت رعد العاصفة في الخارج.
أدركت سارة منذ اللحظة الأولى أن هذا التحقيق الجنائي لن يكون سهلاً؛ فالمال والنفوذ يغيران النفوس، وكل من في القصر كان يملك دافعاً خفياً للتخلص من مراد الرشيدي.
مواجهة الوجوه الشاحبة: استجواب المشتبه بهم
جمعت سارة المشتبه بهم الثلاثة الرئيسيين، ووقفت تتأمل تعابير وجوههم باحثة عن أي هفوة أو حركة لا إرادية تكشف القاتل:
ليلى (الزوجة الشابة): كانت تجلس وهي تحاول إخفاء ارتعاش يديها، ممسكة بمنديل حريري. ليلى، التي تصغر مراد بعقود، تزوجته من أجل ثروته. لكن سارة كانت تملك معلومة سرية؛ مراد اكتشف مؤخراً خطتها لتهريب أمواله، وكان ينوي تعديل وصيته بالكامل قبل وفاته بأيام ليحرمها من كل شيء.
أمين (الشريك التجاري): رجل في أواخر الأربعينات، كان يمسح حبات العرق عن جبينه رغم برودة الجو. قبل أسبوع واحد، واجه مراد أمين بأدلة دامغة تثبت اختلاسه لملايين الدولارات من الشركة، وهدده بالسجن وتدمير سمعته في السوق.
كريم (الحارس الشخصي): رجل صامت، قاسي الملامح، وبنية جسدية قوية. كريم لم يكن مجرد حارس، بل كان الشخص الوحيد الذي يتحرك بحرية في القصر، ويملك نسخة إضافية من مفاتيح جميع الممرات السرية والأبواب والأبواب الخلفية.

"الخوف هو المحرك الأساسي لكل مجرم، ومهما بلغت درجة ثباته الانفعالي، فإن نبرة صوته أو لفتة عينه ستخونه حتماً عند السؤال الصحيح." – المحققة سارة
المفاجأة الكبرى وتقارير المختبر الجنائي
بدأت سارة الاستجواب بذكاء، ولم تسأل عن مكان تواجد كل منهم وقت وقوع الجريمة، بل ركزت على علاقتهم بالضحية في ساعاته الأخيرة. كانت الردود جاهزة ومدروسة، والكل يملك "حجة غياب" قوية تدعم موقفه، خصوصاً في الفترة ما بين الحادية عشرة والثانية عشرة ليلاً.
لكن مجرى القضية انقلب تماماً عندما دخل أحد الضباط مسرعاً وسلم سارة تقريراً عاجلاً من المختبر الجنائي.
فتحت سارة المظروف، وقرأت السطور المكتوبة بعناية، لترتسم على وجهها ابتسامة غامضة. التقرير الطبي الشرعي النهائي فجر مفاجأة لم يكن أحد يتوقعها: كوب القهوة الذي كان أمام الضحية سليم تماماً ولم يكن يحتوي على أي نوع من أنواع السموم!
إذن، كيف مات مراد الرشيدي دون نقطة دم واحدة ودون سم في طعامه أو شرابه؟
اللغز يتأزم: القاتل الخفي
أعاد التقرير صياغة معطيات هذه القصة الغامضة؛ الطبيب الشرعي أكد أن الوفاة نتجت عن إسفكسيا الخنق بسبب استنشاق مادة غازية سامة طيارة، عديمة اللون والرائحة، تم بثها في الهواء.
نظرت سارة إلى سقف المكتب مجدداً في مخيلتها، ثم التفتت ببطء إلى المشتبه بهم وقالت بنبرة هادئة مرعبة: "الآن فهمت.. القاتل لم يكن بحاجة لكسر الباب، ولم يكن بحاجة حتى ليكون متواجداً في الغرفة وقت الوفاة. الجريمة نُفذت عن بُعد".
اتسعت عيون أمين رعباً، وتصلب جسد كريم، بينما شهقت ليلى وأخفت وجهها بيديها. الخيوط بدأت تتشابك، والقاتل أصبح يعلم أن المحققة سارة باتت على مسافة خطوة واحدة من كشف هويته.
كيف تمكن الجاني من رش الغاز السام داخل الغرفة المغلقة؟ وما هي العلاقة السرية بين نظام تهوية القصر وساعة الحائط المتوقفة؟ هذا ما سنعرفه في الجزء الثالث والأخير من التحقيق الخانق!
الجزء الأول