همسات خلف الباب الأسود

همسات خلف الباب الأسود
لم يكن كريم يخشى الظلام يومًا، بل كان يراه مجرد غياب للضوء لا أكثر. لكن كل شيء تغير عندما ورث منزل جده الواقع على أطراف قرية مهجورة، حيث كانت الأشجار اليابسة تحيط بالمكان من كل جانب، وكأنها تمنع أي شخص من الاقتراب. منذ أن دخل المنزل شعر ببرودة غريبة، رغم حرارة الصيف، وكانت رائحة الرطوبة تملأ الممرات القديمة.
بينما كان ينظف الطابق السفلي، اكتشف بابًا أسود مصنوعًا من الحديد السميك، تعلوه رموز غريبة محفورة بعناية. كان الباب مغلقًا بسلاسل صدئة وقفل ضخم بدا وكأنه لم يُفتح منذ عشرات السنين. بجانبه وجد ورقة قديمة كتب عليها بخط مرتجف: "إذا سمعت الهمسات... لا تفتح الباب أبدًا."
ضحك كريم وهو يطوي الورقة، مقتنعًا بأنها مجرد مزحة قديمة. لكنه في منتصف الليل استيقظ على صوت خافت يناديه باسمه من أعماق القبو.
"كريم... افتح الباب..."
ظن أنه يحلم، فعاد إلى النوم. لكن في الليلة التالية تكرر الصوت، وكان أوضح من قبل، يصاحبه طرق منتظم على الباب الحديدي. ثلاث طرقات، ثم صمت، ثم ثلاث طرقات أخرى. ومع كل ليلة كانت الهمسات تزداد قربًا، حتى بدا وكأن أحدًا يقف خلف باب غرفته.
في اليوم الرابع سأل عجوزًا من سكان القرية عن المنزل، فتغير وجه الرجل وقال بصوت منخفض: "جدك لم يكن يعيش وحده... كان يحرس شيئًا لا يجب أن يخرج."
عاد كريم وهو يحاول تجاهل كلام العجوز، لكن الفضول تغلب عليه. أحضر مطرقة كبيرة، ونزل إلى القبو، وبدأ يحطم القفل. ومع الضربة الأخيرة انقطع التيار الكهربائي، وعم الظلام المكان، ثم انفتح الباب ببطء من تلقاء نفسه، مطلقًا هواءً باردًا كأنه خرج من قبر قديم.
أضاء مصباح هاتفه ونزل الدرج الحجري. في نهاية الممر وجد غرفة فارغة تتوسطها مرآة ضخمة مغطاة بالغبار. اقترب منها، ومسح سطحها بيده، لكنه لم ير انعكاسه... بل رأى شخصًا يقف خلفه.
استدار بسرعة، فلم يجد أحدًا.
وعندما نظر إلى المرآة مرة أخرى، كان ذلك الشخص يبتسم ابتسامة مرعبة، ثم بدأ يخرج منها ببطء، وكأن الزجاج أصبح سائلًا أسود.
ركض كريم نحو الدرج، لكنه اكتشف أن الباب اختفى، وتحولت الجدران إلى ممرات لا نهاية لها. وكلما ركض، كان يسمع أصوات أقدام تقترب منه، بينما الهمسات تتحول إلى ضحكات عالية.
وفجأة ظهر أمامه جده، لكن وجهه كان شاحبًا وعيناه سوداوان بالكامل. قال بصوت حزين: "لقد حذرتهم جميعًا... لكن الفضول دائمًا ينتصر."
مد الجد يده ليبعد الكيان عن كريم، إلا أن الظل ابتلعه في لحظة، ثم التفت نحو كريم وقال: "الآن جاء دورك لتحرس الباب."
في صباح اليوم التالي، مر أحد سكان القرية بجوار المنزل، فلاحظ أن الباب الرئيسي مفتوح. دخل وهو ينادي، لكن لم يجبه أحد. وعندما وصل إلى القبو، وجد الباب الأسود مغلقًا كما كان، إلا أن قفلًا جديدًا قد عُلِّق عليه.
ومن خلف الباب... كان صوت كريم يهمس بهدوء:
"لا تفتح الباب... أرجوك... لا تفتحه."
لكن مع انتهاء الهمسة، تحول صوته إلى ضحكة مخيفة هزت أرجاء المنزل، واختفى كل شيء في صمت مرعب، وكأن الشر عاد لينتظر ضحيته التالية.