الشقة الملعونة في الطابق الرابع

الشقة الملعونة في الطابق الرابع

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

image about الشقة الملعونة في الطابق الرابعالشقة الملعونة في الطابق الرابع لم تكن الشقة القديمة في الطابق الرابع مجرد مكان للسكن، بل كانت أشبه بصندوق أسود مغلق منذ عقود. عندما تسلم "يوسف" المفاتيح الصدئة، لم يبالِ بتحذيرات الجيران حول الأصوات الغريبة التي تصدر من الداخل؛ فالحاجة إلى مأوى مجاني بعد سنوات الغربة كانت أقوى من أي خرافة.

في الليلة الأولى، كان الصمت ثقيلاً ومطبقاً. وضع يوسف حقائبه في منتصف غرفة المعيشة، واستلقى على الأريكة القديمة محاولاً النوم. مع دقات الساعة التي أعلنت منتصف الليل، بدأ يلاحظ شيئاً غريباً؛ لم يكن صوتاً في الخارج، بل كان أشبه باهتزاز خفيف داخل الجدران. اعتقد في البداية أنها أنابيب المياه القديمة، لكن الاهتزاز سرعان ما تحول إلى ما يشبه الهمس الخافت.

اقترب يوسف من الجدار الممتد بين غرفة النوم والمطبخ، ووضع أذنه على الطلاء المقشر. كان الصوت واضحاً الآن.. إنه صوت بكاء امرأة، متقطع ومصحوب بأنفاس ثقيلة، كأنها تختنق. تراجع خطوة إلى الوراء، وخفقات قلبه تتسارع بعنف. "مَن هناك؟" صرخ بصوت ترجف فيه الشجاعة، لكن لم يأته رد سوى انقطاع مفاجئ للبكاء، يليه صوت خربشة حادة، كأن أظافر بشرية تحاول حفر الإسمنت من الداخل.

مرت الساعات كأنها دهر، ولم يجرؤ يوسف على إغلاق عينيه. ومع خيوط الفجر الأولى، اختفى كل شيء. في الصباح، حاول إقناع نفسه بأنه كان ضحية للإرهاق، لكن مع حلول الليلة الثانية، تبددت كل الشكوك.

عند منتصف الليل تماماً، عاد الهمس، لكنه هذه المرة لم يكن بكاءً، بل كان ينطق باسمه: "يوسف... افتح لنا... البرد ينهشنا". تجمد الدم في عروقه. التفت حوله ليبحث عن هاتفه، لكن أنوار الشقة انطفأت دفعة واحدة. في الظلام الدامس، رأى بوضوح لمعان خطوط زرقاء باهتة تشع من تشققات الجدار.

بدأ الطلاء يتساقط على الأرض ببطء، ومع كل قطعة تسقط، كان يظهر من خلفها خصلات شعر أسود طويل، تليها أصابع مشوهة ونحيلة بدأت تبرز من بين شقوق الإسمنت. حاول يوسف الركض نحو باب الشقة، لكن جسده لم يستجب، وكأن الهواء تحول إلى رصاص يثبته في مكانه.

امتدت اليد المشوهة من الجدار، وتبعها وجه شاحب بلا عيون، ينظر إليه بفتحات مظلمة مرعبة. انفتحت فجوة الجدار أكثر، ليرى يوسف خلفها عشرات الوجوه الممسوخة التي تصرخ بصمت. أدرك يوسف فجأة السر المرعب: هذا البيت لا يسكنه شبح، بل الجدار نفسه كيان حي، يلتهم الأحياء ليصنع منهم جدراناً صلبة تحميه من الزوال.

اقتربت اليد من وجهه، ولمس إصبعها البارد جبهته. في تلك اللحظة، شعر بجسده يتصلب، وبجلده يتحول تدريجياً إلى ملمس الحجر الرمادي. صرخ بكل ما أوتي من قوة، لكن صوته لم يخرج إلى الغرفة، بل ارتد إلى داخل الجدار.

في الصباح التالي، ساد الهدوء الشقة من جديد. وعندما جاء حارس البناء للتحقق من يوسف، وجد الشقة فارغة تماماً، باستثناء بروز غريب على جدار غرفة المعيشة يشبه جسد إنسان يصرخ، ولوحة طلاء جديدة غطت المكان بالكامل، منتظرة المستأجر القادم.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
محمد علي تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-