همسات من خلف المرآة

 

في إحدى القرى الهادئة، كان هناك منزل مهجور يتجنبه الجميع. لم يكن أحد يجرؤ على الاقتراب منه بعد غروب الشمس، فقد انتشرت شائعات تقول إن المنزل يبتلع كل من يدخله ليلًا.

بعد وفاة جدتها، ورثت ليلى ذلك المنزل. لم تؤمن بالخرافات، وقررت الانتقال إليه لتبدأ حياة جديدة. في الليلة الأولى، لاحظت وجود مرآة ضخمة بإطار خشبي أسود في غرفتها. كانت قديمة ومغطاة بطبقة من الغبار، لكنها بدت وكأنها جديدة كلما نظرت إليها.

عند منتصف الليل، استيقظت على صوت هامس يقول:

“لا تنظري خلفك...”

قفزت من سريرها وهي ترتجف، لكن الغرفة كانت فارغة. ظنت أنها كانت تحلم، وعادت للنوم.

في الليلة التالية، تكرر الصوت، لكنه هذه المرة خرج من اتجاه المرآة.

اقتربت منها بحذر، فرأت انعكاسها يبتسم... بينما وجهها الحقيقي كان خاليًا من أي تعبير.

تراجعت بخوف، لكن الانعكاس لم يتراجع. ظل واقفًا داخل المرآة يراقبها بعينين سوداويين، ثم رفع يده ولوّح لها ببطء.

في الصباح، أخبرت أحد كبار السن في القرية بما رأته، فتغير لون وجهه وقال:

“تلك المرآة ليست عادية... لقد كانت تُستخدم في طقس قديم لحبس الأرواح الشريرة. إذا بدأ الانعكاس يتحرك وحده، فهذا يعني أن الختم بدأ يضعف.”

ضحكت ليلى محاولة إقناع نفسها أن الرجل يبالغ، لكنها عندما عادت إلى المنزل وجدت المرآة في مكان مختلف، رغم أنها لم تحركها.

حلّ الليل، وانطفأت الكهرباء فجأة. انتشرت برودة غريبة في أرجاء المنزل، ثم سمعت طرقًا خفيفًا يأتي من داخل المرآة.

طرقة... ثم اثنتان... ثم عشرات الطرقات.

ظهر داخل الزجاج وجه امرأة شاحبة، وعيناها ممتلئتان بالدموع. همست:

“ساعديني... إنه قادم.”

وفجأة، سُحبت المرأة إلى الخلف بعنف، وظهر مكانها مخلوق طويل القامة، بلا ملامح، سوى فم واسع مليء بأسنان حادة.

مد يده من داخل المرآة، وخرجت أصابعه السوداء إلى الغرفة وكأن الزجاج أصبح ماءً.

صرخت ليلى وهربت نحو الباب، لكنه لم يُفتح مهما حاولت.

عندما استدارت، وجدت المخلوق يقف خلفها مباشرة، رغم أن المرآة كانت ما تزال في مكانها.

أغمضت عينيها من شدة الرعب، ثم سمعت صوت تحطم الزجاج.

عندما فتحت عينيها، كان كل شيء هادئًا. اختفى المخلوق، وتحولت المرآة إلى آلاف الشظايا.

ظنت أن الكابوس انتهى.

لكن في صباح اليوم التالي، نظرت إلى مرآة الحمام... فلم تجد انعكاسها.

وبدلًا منه، رأت ذلك المخلوق يبتسم ابتسامة باردة، ثم رفع إصبعه إلى فمه في إشارة تدعوها إلى الصمت.

ومنذ ذلك اليوم، أصبح كل من ينظر إلى أي مرآة داخل ذلك المنزل يسمع همسة واحدة فقط:

“دورك قد حان...”

مرت ثلاثة أيام منذ اختفاء انعكاس ليلى، لكنها لم تجرؤ على إخبار أحد. كلما نظرت إلى أي سطح عاكس، كانت ترى المخلوق يراقبها بصمت، بينما لا يراه سواها.

بدأت تلاحظ أشياء أكثر غرابة. الصور القديمة داخل المنزل كانت تتغير. في كل مرة تمر بجانبها، يظهر شخص جديد يقف في الخلفية، بوجه باهت وعينين فارغتين.

في إحدى الليالي، استيقظت على صوت خطوات بطيئة تصعد درجات السلم الخشبي.

خطوة…

ثم أخرى…

ثم توقف الصوت أمام باب غرفتها.

ظل المقبض يهتز ببطء، كأن أحدهم يحاول الدخول دون أن يُحدث ضجة.

حبست ليلى أنفاسها، وأمسكت بمصباح صغير. وفجأة، انفتح الباب وحده.

لم يكن هناك أحد.

لكن الأرض كانت مبللة ببصمات أقدام سوداء، تمتد من الباب حتى المرآة المكسورة.

اقتربت منها وهي ترتجف، فاكتشفت أن شظايا الزجاج بدأت تلتصق ببعضها وكأن يدًا خفية تعيد بناءها.

وقبل أن يكتمل شكل المرآة، خرج منها صوت المرأة نفسها التي استغاثت بها من قبل.

قالت بصعوبة:

“اهربي... قبل اكتمال القمر... وإلا ستصبحين مكاني.”

وقبل أن تكمل كلامها، ظهرت يد سوداء ضخمة وسحبتها إلى الظلام من جديد.

في اليوم التالي، بحثت ليلى بين مقتنيات جدتها حتى عثرت على دفتر جلدي قديم. كان مليئًا بمذكرات كتبتها الجدة بخط مرتجف.

في آخر صفحة وجدت عبارة جعلت الدم يتجمد في عروقها:

“المرآة لا تقتل ضحاياها... بل تستبدلهم. كل من يختفي داخلها يبقى حيًا، وكل من يخرج منها ليس إنسانًا.”

مع اقتراب اكتمال القمر، عاد التيار الكهربائي لينقطع وحده، وتحولت جميع مرايا المنزل إلى اللون الأسود.

ثم بدأت الهمسات تتردد من كل مكان:

“افتحي لنا الطريق...”

شعرت ليلى بأن الأرض تهتز، وبدأت المرآة تكتمل للمرة الأخيرة.

خرج منها المخلوق ببطء، لكن هذه المرة لم يكن وحده.

كانت خلفه عشرات الوجوه الشاحبة، تطرق على الزجاج من الداخل وتصرخ طلبًا للنجدة.

أدركت ليلى أن أمامها فرصة واحدة فقط.

أشعلت النار في الستائر القديمة، وسرعان ما امتدت ألسنة اللهب في أرجاء الغرفة.

صرخ المخلوق صرخة هزت المنزل، وبدأ جسده يتشقق كما يتشقق الزجاج.

وفي لحظة انفجار هائلة، تحطمت المرآة للمرة الأخيرة، واختفت الوجوه جميعها.

هربت ليلى قبل أن ينهار المنزل بالكامل.

وفي صباح اليوم التالي، لم يبقَ من المنزل سوى أطلال سوداء.

ظنت الشرطة أن الحريق كان حادثًا عاديًا.

لكن بعد أشهر، افتُتح متجر للتحف في المدينة، وكانت في واجهته مرآة قديمة بإطار خشبي أسود.

وقف أحد الزبائن أمامها ليتأملها.

ابتسم.

لكن انعكاسه…

لم يبتسم.