السياسة البريطانية بالمرستونية تجاه الدولة العثمانية: الأزمتان اليونانية والمصرية (1830–1841)
سياسة بالمرستون تجاه الدولة العثمانية
الأزمتان اليونانية والمصرية (1830–1841) في ميزان المصالح الأوروبية
مقدمة: بالمرستون والمسألة الشرقية

تمثل الفترة الممتدة بين عامي 1830 و1841 واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ الدولة العثمانية الحديث، إذ تزامنت مع تصاعد ما عُرف في الأدبيات الأوروبية بـ «المسألة الشرقية»، أي كيفية التعامل مع تراجع القوة العثمانية دون السماح بانهيارها الكامل. في قلب هذه المعادلة برز اللورد هنري جون تمبل، الفيكونت بالمرستون، بوصفه مهندس السياسة الخارجية البريطانية وصاحب رؤية براغماتية صارمة تجاه الشرق العثماني.
لم ينظر بالمرستون إلى الدولة العثمانية بوصفها كيانًا يجب إنقاذه لأسباب أخلاقية أو حضارية، بل كـ أداة توازن ضرورية في مواجهة التمدد الروسي والفرنسي في شرق البحر المتوسط. ومن هنا، جاءت سياسته تجاه الأزمتين اليونانية والمصرية انعكاسًا مباشرًا لمفهوم توازن القوى لا لمبدأ حق الشعوب أو سيادة الدول.
أولًا: الإطار الفكري لسياسة بالمرستون
ينتمي بالمرستون إلى المدرسة الواقعية في السياسة الدولية قبل أن تُصاغ نظريًا بقرن تقريبًا. فقد آمن بأن:
بريطانيا لا تملك أصدقاء دائمين ولا أعداء دائمين، بل مصالح دائمة.
سلامة الدولة العثمانية ضرورة استراتيجية، لا هدفًا في ذاته.
شرق المتوسط طريق حيوي للتجارة البريطانية المؤدية إلى الهند.
وعليه، فإن أي كيان — سواء كان يونانيًا أو مصريًا — يهدد التوازن القائم، يصبح خصمًا محتملًا، حتى لو كان في صراع مباشر مع السلطنة العثمانية نفسها.
ثانيًا: الأزمة اليونانية وإعادة رسم الخريطة (حتى 1830)
رغم أن الثورة اليونانية اندلعت قبل تولي بالمرستون وزارة الخارجية، فإن الاعتراف باستقلال اليونان عام 1830 جاء متسقًا مع الرؤية البريطانية الجديدة. لم يكن الهدف تحرير اليونان بقدر ما كان:
احتواء النفوذ الروسي الذي سعى لتقديم نفسه حاميًا للأرثوذكس.
منع فرنسا من تحويل الدولة اليونانية الوليدة إلى منطقة نفوذ دائم.
إنشاء كيان ضعيف نسبيًا، يعتمد على الحماية الأوروبية.
وهكذا، دعمت بريطانيا قيام دولة يونانية محدودة السيادة، محكومة بترتيبات دولية، ما جعل الاستقلال اليوناني نموذجًا مبكرًا لـ «الاستقلال المُدار».
ثالثًا: محمد علي باشا… الخطر غير المتوقع
إذا كانت الأزمة اليونانية قد أضعفت الدولة العثمانية من الخارج، فإن الأزمة المصرية مثّلت تهديدًا من الداخل. فقد ظهر محمد علي باشا، والي مصر، بوصفه حاكمًا يمتلك:
جيشًا حديثًا منظمًا.
مشروعًا إصلاحيًا واسع النطاق.
طموحًا سياسيًا يتجاوز الإطار العثماني التقليدي.
في نظر بالمرستون، لم يكن محمد علي مجرد والٍ متمرد، بل نواة دولة إقليمية قوية قد تسيطر على الشام والأناضول وتهدد ميزان القوى في شرق المتوسط.
رابعًا: التحول البريطاني الحاسم (1839–1840)
في البداية، اتسم الموقف البريطاني بالحذر، خاصة مع ميل فرنسا لدعم محمد علي. غير أن انهيار الجيش العثماني في معركة نزيب (1839) شكّل لحظة مفصلية، إذ بدا أن السلطنة على وشك السقوط.
هنا تدخل بالمرستون بحسم:
عزل فرنسا دبلوماسيًا.
حشد تحالف أوروبي (بريطانيا، روسيا، النمسا، بروسيا).
فرض اتفاقية لندن 1840 دون مشاركة فرنسية.
لقد كان الهدف واضحًا: إنقاذ الدولة العثمانية من محمد علي، لا إصلاحها.
خامسًا: معاهدة لندن 1840… سياسة العصا لا الشراكة
فرضت الاتفاقية على محمد علي:
التخلي عن الشام وكريت.
الاكتفاء بحكم مصر وراثيًا.
القبول بالسيادة الاسمية للسلطان.
وفي المقابل، لم تُقدَّم له ضمانات حقيقية لبناء دولة مستقلة. وهكذا أُجهض مشروعه الإقليمي، لا لأنه غير شرعي، بل لأنه غير مرغوب أوروبيًا.
سادسًا: 1841 ونهاية المرحلة
أكملت اتفاقية المضايق 1841 الإطار الذي أراده بالمرستون:
إغلاق المضايق أمام السفن الحربية.
تحجيم النفوذ الروسي دون حرب.
تثبيت الدولة العثمانية كـ «رجل مريض تحت الحراسة».
وبذلك، انتهت المرحلة بإعادة إنتاج الضعف العثماني لا معالجته.
خاتمة: سياسة نجحت مرحليًا وفشلت تاريخيًا
نجحت سياسة بالمرستون في:
منع تفكك الدولة العثمانية الفوري.
كبح الطموحات الإقليمية لمصر.
الحفاظ على توازن القوى الأوروبي.
لكنها فشلت في:
معالجة جذور الضعف العثماني.
استيعاب التحولات الاجتماعية والسياسية في الشرق.
تقديم بديل مستقر طويل الأمد.
لقد تعامل بالمرستون مع الشرق بوصفه مساحة لإدارة الأزمات لا لصناعة الاستقرار، وهو ما جعل سياساته — رغم براعتها الدبلوماسية — تمهيدًا لأزمات أعنف في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.