حين التقت العيون لأول مرة

حين التقت العيون لأول مرة

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 

هل ممكن نظرة واحدة تغيّر نهاية القلب… ولا لسه القدر مخبّي الفصل الأهم"

 

لما المطر وقف… بس اللي جواهم لسه شغّال”

المطر كان لسه بينقط خفيف على الأرض، وكأن السما بتحاول تحتفظ ببقايا اللحظة اللي جمعت بين ليلى وعمر. الشوارع بقت لامعة، والنيل عامل زي قطعة زجاج كبيرة بتعكس نور الأعمدة الصفراء. عمر خرج من الكافيه بخطوات متلخبطة… مش فاهم هو فرحان ولا قلق، بس الحاجة الوحيدة اللي متأكد منها إن اليوم ده مش هيتنسي.

وقف تحت مظلة صغيرة عند باب الكافيه، عينه بتدور على ليلى في كل الاتجاهات… يمكن تكون لسه قريبة؟ يمكن تبص وراه؟ لكن الشارع كان زحمة، ووشوش الناس بقت كتير، ومفيش غير ريحتها اللي كانت لسه معلقة في هدومه.

ركب عربيته، وشغل الراديو… أول أغنية طلعت كانت هادية بشكل غريب، من النوع اللي يخليك غصب عنك تفكر… زي الأغاني اللي بتسمعها في أجواء شبه مشهد من فيلم “قبل ما نتقابل تاني” اللي كان بيحبه، مشهد البطل لما بيقعد لوحده ويفتكر كلمة صغيرة قالتها البطلة، كلمة قلبت له الدنيا.

وهنا عمر لقى نفسه بيبتسم من غير ما يقصد.


في نفس الوقت…
ليلى كانت ماشية على الكورنيش، ماسكة كتابها بإيد ورافعاه فوق صدرها، كأنها بتحاول تحافظ على حاجة دافية جواها. الهوا كان بيهز شعرها الخفيف، والمطر اللي بقى نقط بسيط كان بيقع على خدّها… بس هي مكانتش مركّزة في الجو خالص.

كانت شايفة المشهد كله كأنه حلم… أو بداية حاجة جديدة.

فضلت ماشية لحد ما وقفت قدام النيل. المية كانت بتجري بهدوء، والليل قرب، بس الدنيا لسه فيها نور بسيط بيخلي الألوان مندهشة. خدت نفس عميق، وقالت لنفسها بهمس:

“هو ممكن يكون صدفة؟ ولا القدر بجد بيلعب علينا لعبته؟”


رجع عمر بيته، ولما قفل الباب، لقى نفسه بيرجع يتذكر النظرة… النظرة اللي خلت قلبه يهدى ثواني ويتهز بعدها بدقايق. قعد على الكنبة، مسك كباية مية، وبص في السقف… وفجأة افتكر صوتها لما قالت: “يمكن… أو يمكن تسيبها للقدر.”

حس إنها جملة مش مجرد كلمة لطيفة، لأ… دي كانت نقطة بداية.

بعد شوية، قام وفتح اللابتوب بتاعه، وبدأ يكتب شوية نقط في نوت صغيرة… حاجة عمره ما كان بيعملها. كتب:

  • اسمها ليلى
  • بتحب المطر
  • بتحب تقرأ
  • ضحكتها دافية
  • لازم أشوفها تاني

ولما خلص… كان حاسس إنه عامل حاجة مهمة جدًا.


أما ليلى، أول ما وصلت بيتها، دخلت أوضتها بسرعة. رمت الشنطة على السرير، والكتاب جنبها، وقعدت قدام المراية. بصّت لنفسها وكأنها بتحاول تفهم: إيه اللي حصل؟ وليه اللحظة الصغيرة دي خلت قلبها يتحرك من سنتين مكانوش فيها حاجة بتتغير؟

قربت من المراية وبصت في عينيها…
وقالت بهدوء:

“هو ممكن يكون… مختلف؟”

افتكرت طريقة كلامه، الخجل اللي كان واضح عليه، الارتباك اللي مع ذلك كان جميل… زي المشهد اللي كانت بتحبه في فيلم أجنبي قديم، المشهد اللي البطل فيه بيحاول يتكلم ومش عارف، فكل اللي بيعمله إنه يبتسم… والبطلة تفهم من غير كلام.

ضحكت ليلى وهي فاكرة المشهد، وقالت:

“يا رب بس ما يكونش اتأثر خلاص ومش هقابله تاني…”


تاني يوم الصبح…
عمر صحي بدري بشكل غريب. حس إنه عنده طاقة مش فاهم مصدرها. لَبِس بسرعة، وخد عربيته… وعلى غير العادة، لف ناحية الكافيه من غير ما يفكر.

كان بيقول لنفسه:
“أنا جاي آخد قهوتي… بس يمكن… يمكن ألاقيها.”

لكن لما وصل… لقى الكافيه هادي جدًا، ومافيش غير شاب صغير بينضف الترابيزات. قلبه وقع شوية.

سأله عمر:
“هي… كانت فيه بنت قاعدة هنا امبارح؟”
الشاب بص له باستغراب:
“كتير يا فندم… أي واحدة فيهم؟”

ضحك عمر بخجل وقال:
“ولا يهمك، شكراً.”

قعد على نفس الترابيزة اللي كانت جنبه… وحط إيده على الخشب اللي كانت هي مسنّدة كتابها عليه.
وكان الحنين غريب…
وكأنه اشتاق لها رغم إنه ما يعرفش عنها حاجة.


وفي اللحظة دي…
باب الكافيه فتح.

image about حين التقت العيون لأول مرة

وعمر ساب الكوباية اللي لسه ما اتملتشي، وبص بسرعة.

كانت هي.


ليلى.
نفس الشعر… نفس الخطوات… نفس الهدوء المريح.

عينيه اتسعت شوية من غير ما يقصد.
وليلى أول ما شافته… اتفاجئت، بس ابتسمت.

قربت منه بخطوات بطيئة، وقالت وهي ماسكة كتاب جديد:
“مش كنت قلت يمكن القدر مستني اللحظة؟ شكلنا رجعنا لنفس اللحظة تاني.”

عمر وقف—وهو مش واخد باله إنه وقف—وقال بخجل واضح:
“واضح إن القدر مش بيحب يسيب موضوع ناقص.”

ضحكت. جلسوا.
والوقت بدأ يجري تاني…
لكن المرة دي، كان فيه راحة… كأنهم اتقابلوا قبل كده بكتير.


فضلوا يتكلموا عن كتب، عن أفلام، عن لحظات في حياتهم حصلت فجأة وغيرت كل حاجة. ليلى حكيت له إنها بتحب مشهد من فيلم قديم لما البطل يمسّك إيد البطلة أول مرة، من غير ما يكونوا عارفين ده معناه إيه، بس الإيدين يفهموا قبل العقل.

وعمر ضحك وقال لها:
“أصل المشاهد دي بتفضل في دماغ البني آدم… بتزقّك للي جاي.”

وقبل ما اليوم يخلص…
وهم خارجين من الكافيه، الشمس كانت طالعة، بس الهوا بارد شوية. ليلى وقفت عند الرصيف، وبصت له.

سألها عمر:
“هشوفِك تاني؟"

المرة دي…
مبتسمتش بس.
قربت خطوة صغيرة منه… خطوة تخلي المسافة تبقى أهدى. وقالت:

“المرة دي… مش هنسيبها للقدر لوحده.”

وعمر حس…
لأول مرة من زمان…
إن الدنيا فعلاً ممكن تبتدي من كلمة.


ومع خطواتهم اللي مشيوا بيها جنب النيل…
ولا واحد فيهم كان فاهم اللي جاي.
بس كل واحد كان سامع نفس الصوت اللي قالله من البداية:

“دي مش صدفة… دي بداية.”

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Dina Gamal تقييم 5 من 5.
المقالات

9

متابعهم

12

متابعهم

3

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.