قلعة وندسور في إنجلترا
قلعة وندسور – إنجلترا
أقدم قلعة مأهولة في العالم ورمز العرش البريطاني
تُعد قلعة وندسور (Windsor Castle) واحدة من أعظم القلاع في التاريخ الإنساني، ليس فقط لضخامتها أو جمالها المعماري، بل لأنها تمثل شاهدًا حيًا على ما يقرب من ألف عام من الحكم الملكي المتواصل في بريطانيا. فهي ليست مجرد أثر تاريخي، بل قصر ملكي لا يزال مستخدمًا حتى اليوم، يجمع بين الوظيفة السياسية، والدور الرمزي، والقيمة المعمارية، والأهمية الثقافية.
أولًا: الموقع والأهمية الجغرافية
تقع قلعة وندسور في مدينة وندسور بمقاطعة بيركشاير جنوب إنجلترا، على الضفة الجنوبية لنهر التايمز. اختير موقعها بعناية فائقة لعدة أسباب:
الإشراف على نهر التايمز، الذي كان شريانًا تجاريًا وعسكريًا مهمًا.
القرب من لندن دون التداخل المباشر مع مركز الحكم.
ارتفاع الموقع نسبيًا، مما يمنحها أفضلية دفاعية.
هذا الموقع الاستراتيجي جعل القلعة نقطة تحكم مهمة منذ نشأتها الأولى.

ثانيًا: نشأة القلعة وبداياتها التاريخية
تأسست قلعة وندسور عام 1070م على يد ويليام الفاتح، بعد انتصاره في معركة هاستينغز عام 1066م. كانت في بدايتها قلعة خشبية على طراز Motte and Bailey، وهو النمط الدفاعي النورماني الشائع آنذاك.
مع مرور الوقت، وبسبب أهميتها المتزايدة، تحولت القلعة تدريجيًا إلى بناء حجري ضخم، وشهدت توسعات متتالية خلال العصور الوسطى، خاصة في عهد:
- هنري الثاني
- إدوارد الثالث
- هنري الثامن
ثالثًا: قلعة وندسور عبر العصور الملكية
1. العصر الوسيط
في القرن الرابع عشر، قام الملك إدوارد الثالث بإعادة بناء القلعة بشكل شامل، محولًا إياها إلى قصر ملكي محصّن، وأسس فيها وسام الرباط، أرفع وسام فروسية في إنجلترا.
2. عصر تيودور
شهدت القلعة اهتمامًا كبيرًا في عهد أسرة تيودور، خاصة الملك هنري الثامن، الذي استخدمها مقرًا ملكيًا، ودُفن لاحقًا في كنيسة سانت جورج داخل القلعة.
3. الحرب الأهلية الإنجليزية
خلال القرن السابع عشر، لعبت القلعة دورًا عسكريًا مهمًا أثناء الحرب الأهلية، واستُخدمت كسجن للملك تشارلز الأول قبل إعدامه.
4. العصر الفيكتوري
في عهد الملكة فيكتوريا، أصبحت القلعة رمزًا للحياة العائلية الملكية، ومكانًا مفضلًا للإقامة، مما عزز بعدها الإنساني وليس السياسي فقط.
رابعًا: العمارة والتخطيط العام
تمتد قلعة وندسور على مساحة تقارب 52 ألف متر مربع، وهي أكبر قلعة مأهولة في العالم.
تنقسم القلعة إلى ثلاثة أقسام رئيسية:
الجناح العلوي (Upper Ward)
يضم الشقق الملكية الرسمية وقاعات الاستقبال الكبرى.
الجناح السفلي (Lower Ward)
يحتوي على كنيسة سانت جورج والمباني المرتبطة بها.
البرج الدائري (Round Tower)
بُني على تل اصطناعي ويُعد القلب الدفاعي للقلعة.
العمارة مزيج متقن من:
الطراز النورماني
الطراز القوطي
الطراز الباروكي
تعديلات حديثة تحافظ على الطابع التاريخي
خامسًا: كنيسة سانت جورج – القلب الروحي للقلعة
تُعتبر كنيسة سانت جورج تحفة معمارية قوطية، وواحدة من أهم الكنائس الملكية في بريطانيا.
أهميتها:
مقر وسام الرباط.
مكان تتويج ودفن عدد من الملوك.
شهدت العديد من حفلات الزفاف الملكية، أبرزها زفاف الأمير هاري وميغان ماركل عام 2018.
من أبرز المدفونين بها:
- الملك هنري الثامن
- الملك تشارلز الأول
- الملك جورج السادس
- الملكة إليزابيث الثانية
سادسًا: الدور السياسي والعسكري
لم تكن القلعة مجرد مقر إقامة، بل لعبت أدوارًا متعددة:
حصن دفاعي خلال الحروب.
مقر لإدارة شؤون الدولة.
ملجأ ملكي أثناء الحرب العالمية الثانية، حيث احتمت العائلة المالكة داخلها.
سابعًا: حريق عام 1992 وإعادة الإعمار
في عام 1992م، اندلع حريق ضخم دمّر أجزاء كبيرة من القلعة، خاصة الجناح العلوي.
استمر الحريق نحو 15 ساعة.
أُعيد ترميم القلعة بدقة تاريخية استمرت 5 سنوات.
بلغت تكلفة الترميم نحو 36 مليون جنيه إسترليني.
اعتُبرت عملية الترميم نموذجًا عالميًا في الحفاظ على التراث.
ثامنًا: قلعة وندسور في العصر الحديث
اليوم تُستخدم القلعة كـ:
مقر رسمي للملك البريطاني.
مكان لاستقبال رؤساء الدول.
موقع سياحي يستقبل ملايين الزوار سنويًا.
كما أصبحت رمزًا للاستمرارية التاريخية للنظام الملكي البريطاني.
خاتمة
قلعة وندسور ليست مجرد بناء حجري قديم، بل سجل حيّ لتاريخ إنجلترا السياسي والعسكري والديني. من قلعة خشبية بسيطة إلى أعظم قصر ملكي مأهول في العالم، تظل وندسور شاهدًا على قوة التاريخ وقدرته على البقاء.