بيت الساعات الملعون (يوحي بجو الرعب التقليدي).
بيت الساعات الملعون (يوحي بجو الرعب التقليدي).
يقولون إن المنازل القديمة لا تنسى سكانها، لكن في حالة "بيت الساعات" المهجور في أطراف القرية، يبدو أن البيت لا يكتفي بالذكرى، بل يطالب بالمزيد. أنا، بدافع الفضول الذي يقتل صاحبه دائماً، قررت الدخول.
البداية: صوت النبض
عندما خطوت أول خطوة داخل الردهة، لم يكن الصمت هو ما استقبلني، بل "التكة" الرتيبة لمئات الساعات المعلقة على الجدران. كانت ساعات خشبية قديمة، وساعات جيب نحاسية، وساعات "بندول" ضخمة تهتز كأنها صدور تتنفس. الغريب أن البيت مقطوع عنه الكهرباء منذ عقود، فمن الذي يملأ هذه الساعات بالحياة؟
كلما تقدمت، شعرت أن عقارب الساعات لا تتحرك بشكل عشوائي، بل كانت جميعها تشير إلى وقت واحد يقترب سريعاً: منتصف الليل.
الغرفة المغلقة
وصلت إلى باب القبو، وكان هناك صوت خمش خفيف يأتي من الداخل. دفعته ببطء، ففاحت رائحة الورق القديم والحديد الصدئ. في منتصف الغرفة، كانت هناك ساعة "بندول" عملاقة بارتفاع رجلين، مرآتها تعكس وجهي، لكن ملامحي في المرآة لم تكن تشبهني تماماً؛ كان وجهي هناك يبدو أكبر سناً بآلاف السنين، وعيناي غائرتان كأنهما ثقبان أسودان.
فجأة، توقفت كل الساعات في البيت عن العمل في لحظة واحدة. ساد صمت مطبق لدرجة أنني سمعت صوت دقات قلبي. ثم، بدأ البندول في الساعة الضخمة يتحرك ببطء شديد، ومع كل حركة، كان جدار الغرفة يضيق.
الفخ الزمني
أدركت حينها الحقيقة المرعبة: الساعات في هذا البيت لا تقيس الوقت، بل تستهلكه. كل "تكة" أسمعها هي ثانية تُسرق من عمر الزائر. شعرت بوهن شديد يسري في أطرافي، ونظرت إلى يدي في ضوء كشافي الضعيف، فرأيت جلدي يتجعد وعروقي تبرز في ثوانٍ معدودة.
حاولت الركض نحو المخرج، لكن الممر الذي كان طوله أمتاراً قليلة بدا الآن كأنه يمتد إلى مالا نهاية. الساعات التي كانت صامتة بدأت تضحك، نعم، كانت التروس تصدر أصواتاً تشبه القهقهة المعدنية الباردة.
"لا أحد يغادر والوقت في جيبه، هنا ندفع الثمن ثانية بثانية."
الهروب المرير
قبل أن تكتمل الدقيقة الأخيرة، وقبل أن يتوقف قلبي الذي أصبح يصارع للبقاء، لمحت مرآة صغيرة مكسورة على الأرض. تذكرت أسطورة قديمة تقول إن كسر الانعكاس يكسر اللعنة. بكل ما تبقى لي من قوة، ركلت المرآة الكبيرة في ساعة البندول.
تحطم الزجاج، وانفجرت مئات الساعات في وقت واحد، وتصاعد غبار كثيف ملأ الرئتين. وجدت نفسي ملقىً في الشارع الخارجي، والشمس بدأت تشرق.
الخاتمة: الثمن
عندما عدت إلى منزلي ونظرت في المرآة، لم أجد الشاب الذي دخل البيت بالأمس. وجدت رجلاً في الأربعين من عمره، بخصلات شعر بيضاء عند الصدغين، وعينين رأت ما لا ينبغي رؤيته. ما زلت حتى اليوم، كلما سمعت صوت "تكة" ساعة في أي مكان، أشعر ببرودة تسري في عمودي الفقري، وأتلمس وجهي لأتأكد أنني لم أكبر عشر سنوات أخرى في لحظة.