تراتيل القبو: سر التلميذة الزهرية في ثانوية الموت

تراتيل القبو: سر التلميذة الزهرية في ثانوية الموت

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات

تراتيل القبو: سر التلميذة الزهرية في ثانوية الموت

المشهد الأول: الغريبة ذات العيون الباهتة 

في تلك السنة الدراسية الكئيبة، لم تكن الأجواء عادية في ثانويتنا العتيقة، ذلك البناء الاستعماري الضخم المحاذي للمقبرة الكبرى بضواحي العاصمة. كانت الجدران تقشرت بفعل الرطوبة، والساحة تطل مباشرة على شواهد القبور الحجرية. في منتصف الفصل، دخلت "ليلى" القسم؛ فتاة نحيلة بملامح شاحبة وعيون غائرة تبدو وكأنها لا تنظر إلينا، بل تنظر إلى عالم آخر موازٍ لا ندركه نحن البشر العاديون. اختارت المقعد الأخير في الزاوية الأكثر عتمة، ولم تنطق بكلمة واحدة طوال أسبوع، تكتفي بمراقبة زوايا السقف بصمت مريب. ذات صباح مطير، وبينما كانت الأستاذة تشرح الدرس بحماس، مالت ليلى نحوي وهمست بصوت يرتجف كخيط رفيع: "شهاب، أخبر الأستاذة أن تتوقف عن الكتابة فوراً.. الرجل الضخم الذي يجلس بجانبها الآن على المكتب يكره صوت احتكاك الطبشور، وهو غاضب جداً". نظرتُ إلى المكتب برعب، لم أرَ أحداً، لكن هواءً برائحة التراب المبلل اجتاح القاعة فجأة، وشعرت بوخز إبر على جلدي. أدركت حينها أن ليلى "زهرية" حقيقية، كائن يملك دماً يفتذب الكيانات الأخرى، وكانت بوجودها داخل المدرسة بمثابة مفتاح صدئ فتح أبواباً من الجحيم كان يجب أن تظل مغلقة للأبد.

المشهد الثاني: انفجار الزجاج ولحن الطفلة

بعد ذلك اليوم، بدأت الظواهر تتصاعد بشكل هستيري. في حصة الفيزياء المزدحمة، وبينما كان الهدوء يعم القاعة، تحطم زجاج النافذة الكبيرة فجأة وتناثر كشظايا ألماس حادة في كل مكان دون أن يلمسه أحد. صرخت ليلى وسدت أذنيها بيديها النحيفتين وهي تصرخ بهستيريا: "توقفوا عن الغناء! هذا اللحن يمزق رأسي!". في البداية ساد الصمت، لكن تدريجياً، بدأ صدى صوت طفلة صغيرة يتردد من خلف الجدران، لحن جنائزي عذب بشكل شيطاني يبعث القشعريرة في النخاع الشوكي. فجأة، ارتفع مكتب الأستاذة من مكانه لعدة سنتيمترات أمام أعيننا المشدوهة، قبل أن يهوي بقوة زلزلت الأرض. لم تكن هذه ريحاً، بل كان "غضباً" كامناً يسكن هذه المدرسة المبنية فوق رفات المنسيين. ركض الجميع نحو المخرج في حالة ذعر جماعي، إلا ليلى؛ بقيت متجمدة تنظر إلى السبورة وهي تُمحى ببطء بواسطة يد شفافة تترك أثراً طينياً، وكأن هناك كياناً من الجانب الآخر يحاول تصحيح "خطيئة" قديمة ارتكبت في هذا المكان.

المشهد الثالث: لعنة القبو والمراحيض المهجورةimage about تراتيل القبو: سر التلميذة الزهرية في ثانوية الموت

كانت الشائعات التي يتناقلها تلاميذ الثانوية تقول إن مركز الثقل في هذا الرعب يكمن في "المراحيض القديمة" الواقعة في نهاية رواق القبو المظلم، حيث تتركز الرطوبة السوداء ورائحة الموت. في ليلة مشؤومة غاب فيها العقل، قرر "ياسين" – زميلنا الذي كان يسخر من ليلى ويسمي قصصها خرافات – أن يدخل المدرسة ليلاً ليثبت شجاعته. في الصباح، وجدناه جثة متصلبة عند عتبة القبو. لم تكن هناك قطرة دم واحدة، لكن تعابير وجهه كانت متجمدة في صرخة صامتة مرعبة، وعيناه مفتوحتان على آخرهما بجحوظ مريب، وكأنه رأى شيطاناً يمزق روحه وهو حي. أخبرتنا ليلى لاحقاً وهي تجهش بالبكاء: "ياسين لم يمت بسبب سكتة قلبية.. لقد استدرجته الطفلة التي كانت تغني بلحنها المسحور، وحين وصل إلى عتبة المراحيض، أُجبر على النظر داخل البالوعة المظلمة.. وهناك رأى وجهاً يشبه وجهه، لكنه بلا عيون، يسحبه من الداخل".

الخاتمة الفخ:

تم إغلاق ذلك الجناح نهائياً بالسلاسل، ورحلت ليلى عن المدرسة فجأة ولم يظهر لها أثر، لكن صدى غناء الطفلة لا يزال يتردد في الممرات المهجورة كلما غابت الشمس. عزيزي القارئ: قبل أن تضع هاتفك جانباً وتطفئ النور لتستسلم للنوم، تذكر جيداً تلك المرة التي كنت فيها وحيداً في ممر عملك أو مدرستك وشعرت ببرودة مفاجئة تخترق ظهرك، أو سمعت وقع أقدام خلفك رغم أنك وحدك. لا تلتفت للخلف بسرعة.. فربما لست وحدك، وربما هناك "زهرية" في مكان ما تراك الآن وأنت تقرأ هذه الأسطر، وترى خلفك تماماً طيفاً بملامح مشوهة وأصابع معدنية طويلة تلمس شعرك ببطء. هل شعرت بالثقل في كتفك الآن؟ تأكد جيداً.. فقد تكون أنت "الاسم القادم" في سجلات القبو المنسية، والموت ينتظرك خلف أقرب باب مغلق في بيتك

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Guenfoude Chihab تقييم 5 من 5.
المقالات

3

متابعهم

1

متابعهم

0

most highly rated articles week
مقالات مشابة
-