الباب الذي لا يُغلق

الباب الذي لا يُغلق

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

.
 


 

:

.


القصةالباب الذي لا يُغلق.                        

لم يكن أحد يقترب من منزل الحاج سالم بعد وفاته. كان يقف في نهاية الطريق الترابي كشيخٍ أحدب، نوافذه مكسورة وعيناه مظلمتان، يراقب المارة بصمت ثقيل. منذ صغري وأنا أسمع الهمسات عنه: أصوات في الليل، أضواء في الطابق العلوي، وبابٌ أخير في الممر لا يفتحه أحد.

حين عدتُ إلى القرية بعد عشر سنوات من الغياب، وجدتُ التحدي ينتظرني. لم أعد ذلك الطفل الذي يهرب قبل غروب الشمس. كنت أريد أن أثبت لنفسي أن كل تلك القصص مجرد خرافات.

دخلتُ المنزل عند الغروب. الأرضية تصرخ تحت قدمي، والهواء محمّل برائحة الرطوبة والذكريات. كان كل شيء مغطى بطبقة كثيفة من الغبار، كأن الزمن توقف هنا. تقدّمتُ نحو الممر الطويل، وهناك رأيته… الباب الأخير.

كان مختلفًا عن بقية الأبواب. خشبه أغمق، ومقبضه نحاسي بارد كجلد ميت. وضعتُ يدي عليه، وفجأة سمعت همسة خافتة خلفه.

"تأخرتَ…"

تجمّدتُ في مكاني. أقنعت نفسي أنها الريح. لكن الهمسة تكررت، أوضح هذه المرة، تحمل نبرة شوق مخيف.

"كنا ننتظرك."

دفعتُ الباب بقوة. صريره شقّ الصمت كسكين. الغرفة كانت فارغة… إلا من مرآة طويلة في المنتصف. اقتربتُ منها بحذر. انعكاسي بدا طبيعيًا في البداية، لكن شيئًا ما كان خاطئًا.

انعكاسي لم يتحرك عندما تحركت.

حدّق بي بابتسامة باردة لم أرسمها على وجهي. ثم رفع يده ببطء… بينما يدي بقيت ثابتة بجانبي. حاولت التراجع، لكن قدمي لم تستجب. شعرت ببرودة تتسلل إلى صدري.

وفجأة، مدّ الانعكاس يده خارج سطح المرآة.

لم أصرخ. لم أستطع. أصابعه أمسكت بوجهي بقوة، وسحبتني نحوه. شعرت بأن العالم ينقلب، وأن الهواء يُسحب من رئتي.

في اللحظة الأخيرة، رأيت نفسي… أقف خارج المرآة.

ينظر إليّ.

ويبتسم.


 


 

:


القصة

لم أكن أؤمن بالأشباح. كنت أؤمن فقط بالأشياء التي أراها وألمسها. لكن ذلك كان قبل أن أعود إلى منزل عائلتي القديم في أطراف القرية، المنزل الذي تركناه فجأة بعد اختفاء أختي الصغيرة ليلى قبل خمسة عشر عامًا.

كان المنزل كما هو، أو هكذا ظننت. الجدران متشققة، الطلاء متقشر، والهواء ثقيل برائحة العفن والرطوبة. دخلت وأنا أحمل مصباحًا يدويًا وأوراق البيع في حقيبتي. أردت إنهاء الأمر بسرعة.

كل شيء أعاد لي الذكريات: الأريكة البالية، الساعة المتوقفة عند الثالثة وسبع دقائق، والدرج الخشبي الذي كان يئن تحت أقدامنا ونحن نلعب. حاولت تجاهل الشعور الغريب الذي تسلل إلى صدري عندما سمعت أول طرقة خفيفة.

طرقة واحدة.

توقفت.

ثم طرقتان متتاليتان.

الصوت جاء من الطابق السفلي.

ابتلعت ريقي وأقنعت نفسي أن الأمر مجرد أنابيب قديمة. فتحت باب القبو ونزلت ببطء. كل درجة كانت تصدر صريرًا كأنه تحذير. وعندما وصلت إلى الأسفل… تجمد الدم في عروقي.

كان هناك باب.

باب أسود في نهاية الجدار الحجري.

لم يكن موجودًا من قبل. أنا متأكد من ذلك.

اقتربت منه بخطوات مرتجفة. كان بلا مقبض، بلا مفصلات ظاهرة، مجرد سطح خشبي داكن يمتص الضوء. عندما لمسته، شعرت بنبض خفيف… كأنه قلب.

وفجأة، سمعته.

صوت ليلى.

"أخي… افتح الباب."

تراجعت خطوة، رأسي يدور. هذا مستحيل. ليلى اختفت. بحثوا عنها لسنوات. لكن الصوت كان واضحًا، ضعيفًا، مختنقًا… كأنها خلف طبقة سميكة من الجدران.

"أنا هنا… الجو بارد."

مددت يدي ببطء، ودفعت الباب.

لم يصدر أي صوت وهو يُفتح.

خلفه لم يكن هناك جدار… بل ممر طويل مظلم يمتد بلا نهاية. الهواء الخارج منه بارد بشكل مؤلم، ورائحته تشبه التراب الرطب والشيء المتعفن. وعلى الجدران، رأيت خدوشًا… كثيرة… وكأن أظافر بشرية حاولت الحفر للخروج.

ثم رأيتها.

ليلى.

واقفة في منتصف الممر، بثوبها الأبيض الذي اختفت به، لكن وجهها لم يكن كما أتذكره. عيناها سوداوان بالكامل، بلا بياض، وابتسامتها واسعة أكثر مما ينبغي.

"تأخرت كثيرًا."

تقدمت نحوي بخطوات غير طبيعية، كأن مفاصلها لا تعمل كما يجب. حاولت إغلاق الباب، لكنه لم يتحرك. حاولت الصراخ، لكن الصوت اختنق في حلقي.

مدّت يدها نحوي. كانت أصابعها أطول مما ينبغي.

"كنت وحدي… والآن ستبقى معي."

شعرت بشيء يمسك قدمي من الظلام خلفها. أيادٍ كثيرة، باردة، تمسك بي وتسحبني إلى الداخل. سقطت أرضًا، وأظافري تحفر في أرضية القبو محاولًا التمسك بأي شيء.

آخر ما رأيته قبل أن يبتلعني الظلام هو الباب… وهو يُغلق ببطء.

في اليوم التالي، جاء السمسار ليتفقد المنزل.

وجد الأوراق على الطاولة.

ووجد باب القبو مفتوحًا.

لكن لم يكن هناك باب أسود في الأسفل.

فقط جدار حجري عادي… عليه خدوش حديثة، وكأن أحدهم حاول الخروج.



 

 

 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
حمدي تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.