همسات خلف الباب

همسات خلف الباب

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about همسات خلف الباب



    همسات خلف الباب

لم تكن سارة تؤمن بالأشباح، لكنها كانت تؤمن بالهدوء. بعد سنوات من العيش وسط ضجيج المدينة، قررت أن تستأجر منزلًا قديمًا في أطراف قرية نائية. كان البيت مكوّنًا من طابقين، بجدران باهتة اللون، ونوافذ طويلة تُصدر صريرًا خفيفًا كلما داعبتها الرياح. أخبرها السمسار أن المنزل قديم لكنه “آمن تمامًا”، وابتسم ابتسامة بدت لها عادية في ذلك الوقت.

في الليلة الأولى، كان كل شيء ساكنًا بشكل مريح. أعدّت كوبًا من الشاي وجلست تقرأ قرب المدفأة. لكن قرابة منتصف الليل، سمعت صوتًا خافتًا… كأن أحدهم يهمس. توقفت عن القراءة، حبست أنفاسها، وأرهفت السمع. عاد الصمت من جديد. أقنعت نفسها أنه صوت الرياح يتسلل عبر الشقوق القديمة.

تكرر الأمر في الليلة الثانية، لكن الهمسات هذه المرة كانت أوضح. لم تكن كلمات مفهومة، بل أنفاسًا متقطعة، كأن أحدهم يحاول التحدث من خلف جدار سميك. تتبعت الصوت حتى وصلت إلى الطابق العلوي، حيث وجدت بابًا خشبيًا صغيرًا في نهاية الممر. حاولت فتحه، لكنه كان مغلقًا بإحكام. وضعت أذنها عليه، فتوقفت الهمسات فجأة.

في اليوم التالي سألت إحدى جاراتها العجائز عن تاريخ المنزل. تغيرت ملامح المرأة للحظة، ثم قالت بصوت منخفض: “ذلك الباب… لا يُفتح.” حاولت سارة أن تستفسر أكثر، لكن العجوز اكتفت بهز رأسها وأغلقت بابها ببطء.

مع مرور الأيام، بدأت سارة تلاحظ أشياء غريبة. أشياء تختفي من أماكنها ثم تعود. أضواء تُشعل وتُطفأ وحدها. والأكثر رعبًا، أنها كانت تستيقظ أحيانًا لتجد آثار أقدام رطبة على أرضية غرفتها، تبدأ من الباب وتنتهي عند سريرها.

في الليلة السابعة، استيقظت على همسة واضحة بجانب أذنها: “افتحي الباب.” قفزت من فراشها مذعورة، والقلب يكاد يقفز من صدرها. نظرت حولها، لم يكن هناك أحد. لكن الباب الصغير في الطابق العلوي كان يُصدر طرقات خفيفة، منتظمة، كنبض بطيء.

لم تستطع المقاومة. صعدت الدرج بخطوات مرتجفة، وكل درجة تصدر صريرًا كأنها تحذرها. وقفت أمام الباب، والهمسات تحولت إلى كلمات مفهومة: “نحن هنا… منذ زمن.” مدت يدها، ووجدت المفتاح معلقًا فجأة في القفل، رغم أنها متأكدة أنه لم يكن موجودًا من قبل.

دارت يدها ببطء، وانفتح الباب على ظلام كثيف. لم يكن هناك أثاث أو نوافذ، فقط غرفة ضيقة وجدران مغطاة بخدوش عميقة، وكأن أحدهم حاول الخروج منها يومًا ما. في منتصف الغرفة مرآة طويلة مكسورة.

اقتربت منها بحذر، ورأت انعكاسها… لكنه لم يكن مطابقًا. انعكاسها كان يبتسم، بينما وجهها الحقيقي شاحب ومذعور. حاولت الابتعاد، لكن قدميها لم تتحركا. انعكاسها رفع يده ببطء، ولم تفعل هي ذلك.

ثم خرج الصوت من المرآة مباشرة: “الآن دورك.”

في لحظة، شعرت بقوة تسحبها للأمام. صرخت، لكن صوتها اختفى في الفراغ. سقطت داخل المرآة كما يسقط حجر في ماء ساكن. وعندما فتحت عينيها، كانت داخل الغرفة، تضرب الزجاج من الداخل، تصرخ بلا صوت.

في الخارج، وقفت نسختها الأخرى، تنظر حولها بهدوء، ثم أغلقت الباب خلفها ونزلت الدرج.

في الصباح، مرت الجارة العجوز أمام المنزل، فرأت سارة تقف عند النافذة، تبتسم ابتسامة جامدة. همست العجوز لنفسها: “شخص جديد سكن البيت إذًا…”

ومنذ ذلك اليوم، لم تعد الهمسات تُسمع… لأن الباب لم يعد مغلقًا.

 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Asmaa fadl تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

0

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.