بين كبرياء الأعراب وظرف المخزومي: فلسفة العذر في أدب الحب

بين كبرياء الأعراب وظرف المخزومي: فلسفة العذر في أدب الحب

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

بين كبرياء الأعراب وظرف المخزومي: فلسفة العذر في أدب الحب

image about بين كبرياء الأعراب وظرف المخزومي: فلسفة العذر في أدب الحب

يُطل علينا عبدالله بن الحارث، المعروف بأبي السائب المخزومي، كشخصية فريدة من ظرفاء المدينة المنورة؛ رجلٌ جعل من تذوق الشعر الرفيع غايته الأسمى، ومن تتبع جودة القول ديدناً لحياته. لم يكن أبو السائب مجرد متلقٍّ عابر، بل كان ناقداً مطبوعاً يطرب للجمال ويسعى خلفه بين أشراف المدينة وبيوتاتها، محتفظاً بوقارٍ جعله محل احترام الجميع، حتى أن النبي ﷺ أثنى على صحبته ووصفه بأنه "نعم الخليط"، مما يضفي على شخصيته صبغة من النبل الممزوج برقة الذوق.

تتجلى رهافة حس أبي السائب في موقفه من أبيات عروة بن أذينة، حين شد الرحيل إلى عروة الزبيري ليسمع منه قصة المحب الذي صُدَّت تحيته فما كان منه إلا أن التمس لمحبوبته ألف عذر. لقد هزته عبارة "لعلها معذورة"، ورأى فيها قمة الوفاء وصدق الصبابة، فالمحب الحقيقي في نظره هو من يشفع بضميره لزلات الحبيب، ويغلف الجفاء بظنون الخير، بدلاً من التسرع في الهجر أو إعلان السلو والملال.

وفي مقابل هذا السمو العاطفي، استنكر المخزومي بشدة منطق الكبرياء الندية الذي جسده قول أحد الأعراب حين قال "فأهلي بي أضن وأرغب". فقد اعتبر أبو السائب أن هذا المسلك يتجاوز حدود أدب الحب، حيث يعامل الأعرابي المحبوب بمبدأ "العين بالعين" والندية في النأي والتداني. بالنسبة للمخزومي، الحب ليس معركة لإثبات الذات أو ساحة للمفاخرة بعزة النفس، بل هو تذللٌ محمود واستسلامٌ لرقة الشوق تذوب معه أنفة النفس أمام قدسية الوفاء.

بلغ وَلَهُ أبي السائب بالشعر حداً يقترب من الهيام الصوفي بالجمال، فكانت الأبيات الصادقة تسلبه لُبّه وتملأ عليه كيانه. فبعد سماعه لأبيات "لعلها معذورة"، رفض تناول الطعام مؤثراً ألا يخلط لذة الشعر بلذة الغذاء حتى جنّ عليه الليل. هذا الاندماج الكامل مع النص الشعري يعكس فلسفة جيلٍ كان يرى في الكلمة حياة، وفي المعنى الرقيق قوتاً للأرواح يتجاوز في أهميته احتياجات الجسد المادية.

ولم يتوقف ظرفه عند الاستماع، بل تحول الشعر في قاموسه إلى لغة يومية يتنفس بها؛ كما حدث حين فتن ببيت العرجي في وصف تلازم المحبين عند الفراق كغريمٍ متمسكٍ بثوب مدينه. لقد أقسم ألا يكلم أحداً إلا بهذا البيت، حتى ظن كبار القوم كعبدالله بن الحسين وقاضي المدينة أنه قد أصيب في عقله من فرط ترديده للبيت رداً على سلامهم. إنها حالة من "الجنون الفني" الذي لا يصيب إلا القلوب التي أدركت أسرار البلاغة وعمق الشعور.

ختاماً، يضعنا أبو السائب أمام تساؤل أخلاقي وجمالي حول ماهية الحب؛ فهل هو كبرياءٌ يصون كرامة الفرد، أم هو استلابٌ جميل يمنح العذر ويغفر الهجر؟ عبر اختيارات المخزومي وانحيازه لجميل وبن أذينة وقيس بن ذريح، ندرك أن عظمة الحب تكمن في "حُسن الظن"، وأن الصدق في العهد يتطلب قلباً يتسع للتغافل، ليبقى أدب العذر أوقع في السمع وأبقى في الأثر من كبرياء الرد بالمثل.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Al-Fattany Beauty Channel Vip تقييم 4.95 من 5.
المقالات

1045

متابعهم

652

متابعهم

6685

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.