صدى البداية: رحلة علمية من نسبية آينشتاين إلى شرارة الانفجار العظيم

image about صدى البداية: رحلة علمية من نسبية آينشتاين إلى شرارة الانفجار العظيم

تُعد نظرية النسبية العامة التي صاغها ألبرت آينشتاين في مطلع القرن العشرين أعظم إنجاز بشري لفهم طبيعة الكون؛ إذ قدمت تصوراً ثورياً لكون "أحدب" ذي حجم محدد وصف سطح مغلق، وهو ما نقض الاعتقاد القديم بالامتداد اللانهائي للمكان. ومع ذلك، حين طبق آينشتاين معادلاته لوصف الكون ككل، واجه نتيجة صادمة تشير إلى أن الكون إما أن ينكمش وينهار أو ينفجر ويتناثر، وهو ما عارض قناعته الشخصية وثبات الفكر السائد آنذاك باستقرار الكون وسكونه، مما دفعه لإضافة "ثابت كوني" مختلق لمعادلاته لضمان استقرارها، واصفاً هذا الإجراء لاحقاً بأنه "أكبر حماقة" ارتكبها في حياته المهنية بعد أن أثبتت التجربة خطأه.

لم يتأخر "العقاب العلمي" لآينشتاين كثيراً، ففي عام ١٩٢٩م، ومن خلال مرصد جبل ويلسون العملاق، نجح الفلكي إدوين هبل في كسر لغز "السدم الحلزونية" ليكتشف أنها مجرات شاسعة تشبه مجرتنا درب التبانة وتقع على مسافات مهولة. والأهم من ذلك، لاحظ هبل ظاهرة "الانزياح الأحمر" في أطياف الضوء القادم من هذه المجرات، مفسراً إياها وفق "تأثير دوبلر" بأنها دليل قاطع على تباعد المجرات عن بعضها بسرعة هائلة تزداد كلما زاد بعدها عنا، وهو ما رسم صورة كون يتمدد باستمرار، فاتحاً الباب أمام استنتاج منطقي وعميق: إذا كان الكون يتمدد الآن، فلا بد أنه كان في الماضي كتلة واحدة متجمعة في نقطة "بداية" وحيدة قبل نحو ١٣ مليار سنة.

أثار مفهوم "بداية الكون" عاصفة من الجدل في الأوساط العلمية الغربية، حيث اعتبره الكثيرون مفهماً "ثورياً" يقترب من حدود الميتافيزيقيا والأساطير القديمة، مما دفع المعارضين لابتكار نظريات بديلة مثل "الضوء المتهالك" للهروب من حتمية الخلق. وحاول هؤلاء تفسير الانزياح الأحمر بضياع طاقة الضوء وتعبة أثناء رحلته الطويلة عبر الفضاء بدلاً من تمدد المكان نفسه، ووصلت المعركة العلمية ذروتها بدخول رجال الدين والمفكرين على الخط، حيث أيد البعض فكرة البداية العنيفة لاتفاقها مع العقائد الدينية، بينما هاجمها آخرون بأسئلة فلسفية حول "ماذا كان قبل الخلق"، ليرد العلم بأن الفكر البشري يقف عاجزاً أمام الأسرار الأبدية للطبيعة قبل تلك اللحظة الصفرية.

مع مرور الوقت، صاغ العلماء ملامح "الانفجار الأزلي" (Big Bang) كقوة هائلة أدت لتناثر المادة الكونية من بقعة مركزية متناهية الصغر، ولكن النظرية ظلت تفتقر إلى "دليل مادي مباشر" يسكت المشككين الذين طالبوا ببرهان دامغ يثبت وقوع حادثة مضى عليها مليارات السنين. وهنا برز الفيزيائي روبرت ديك الذي اقترح طريقة استدلالية ذكية؛ فإذا كان الكون قد بدأ فعلاً ككرة ملتهبة في فراغ بارد، فلا بد أن يتبقى عن ذلك الانفجار "إشعاع حراري" خافت جداً يصل إلينا اليوم من كافة الاتجاهات بالشدة نفسها، وبدأ ديك في تصميم هوائيات خاصة بجامعة برنستون للبحث عن هذا "الأثر الحراري" المتجمد.

في ربيع ١٩٦٥م، لعبت الصدفة دورها التاريخي في مختبرات شركة "بل تليفون"، حيث كان العالمان أرنو بنزياس وروبرت ويلسون يحاولان تطوير هوائي حساس للاتصالات عبر الأقمار الصناعية، ففوجئا بوجود "ضجيج لاسلكي ثابت" ومزعج لا ينقطع. ورغم محاولاتهما لتوجيه الهوائي في كافة الاتجاهات وتطهيره من أي عيوب تقنية أو تداخلات أرضية، ظل الضجيج قائماً بالشدة نفسها ليل نهار ومن كل أرجاء السماء، وهو ما أصاب الباحثين بحيرة كاملة، قبل أن تصل أخبار هذا "التعطل" المحير إلى مسامع روبرت ديك وفريقه الذين كانوا يبحثون تحديداً عن هذه الإشارة الكونية.

عندما عاين طاقم جامعة برنستون نتائج بنزياس وو ويلسون، أدركوا فوراً أن هذا الضجيج ليس عطلاً فنياً، بل هو "صدى الانفجار الأزلي" الذي تنبأت به الحسابات؛ فالمواصفات الغريبة لهذا الإشعاع وتساويه المطلق في كافة الاتجاهات أثبتت أنه بقايا الحرارة التي خلفتها الشرارة الأولى للكون. هذا الاكتشاف العظيم قدم الدليل التجريبي الأول والنهائي على أن الكون له بداية زمانية ومكانية محدودة، وأن تمدده ليس مجرد افتراض نظري، بل حقيقة فيزيائية مرصودة يمكن سماع صداها حتى اليوم عبر أجهزة الاستقبال الحساسة، مما منح بنزياس وو ويلسون جائزة نوبل لاحقاً تقديراً لهذا الكشف التاريخي.

المثير في الأمر أن إدراك بداية الكون لا يتطلب بالضرورة مختبرات عملاقة، فالإشعاع الكوني الخلفي (CMB) يحيط بنا في كل مكان، بل ويصل صدى ميلاد العالم إلى داخل بيوتنا المعاصرة؛ فجزء من "الضجيج الضوئي" أو البقع البيضاء العشوائية التي تظهر على شاشات التلفاز القديمة (عند انقطاع البث) هو في الواقع نتاج استقبال الهوائيات المنزلية لبقايا موجات الانفجار الكبير. وهكذا، تحول التلفاز من وسيلة ترفيه إلى مرقاب بسيط يسمح لكل إنسان بأن يشهد بنفسه على الأثر الباقي من اللحظة التي وُلد فيها الزمان والمكان، مؤكداً أننا نعيش في كون ديناميكي يتطور من نقطة انطلاق عنيفة ومهيبة.

تظل رحلة البحث عن "الزمن صفر" شاهداً على عبقرية العقل البشري وقدرته على استنطاق الطبيعة رغم اتساع الفجوة الزمانية؛ فمن تأملات آينشتاين الفلسفية إلى مراصد هبل وصحون شركة "بل" اللاقطة، اكتملت ملامح القصة الكبرى لميلاد الكون. إن الانفجار الأزلي ليس مجرد نظرية في كتب الفيزياء، بل هو واقع فيزيائي نلمس آثاره في تمدد المجرات وفي صمت الفضاء البارد، مما يفتح آفاقاً جديدة للتساؤل حول مصير هذا الكون العظيم: هل سيستمر في التمدد إلى الأبد أم سيعود يوماً لينكمش على نفسه في "انسحاق كبير" يعيد الكرة إلى بدايتها الأولى؟