من مأرب إلى صنعاء: سيميولوجيا التراث وصوت التحديث في شعر عبد العزيز المقالح

من مأرب إلى صنعاء: سيميولوجيا التراث وصوت التحديث في شعر عبد العزيز المقالح

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

من مأرب إلى صنعاء: سيميولوجيا التراث وصوت التحديث في شعر عبد العزيز المقالح

image about من مأرب إلى صنعاء: سيميولوجيا التراث وصوت التحديث في شعر عبد العزيز المقالح

 المقدمة

تمثل اليمن في الوجدان العربي مخزناً هائلاً للتراث والأساطير، إلا أن هذا الثراء الفني ظل لفترات طويلة حبيس العزلة الجغرافية والسياسية. ومع بزوغ فجر التحديث في القرن العشرين، برز الشعر اليمني كأداة للمقاومة وصوت للتغيير الحضاري. ويقف الدكتور عبد العزيز المقالح في طليعة هذا المشهد، لا كشاعر فحسب، بل كجسر يربط بين أصالة الماضي وتطلعات المستقبل. تحلل هذه المقالة تجربة المقالح الشعرية، وكيف استطاع تحويل "اليمن" من مجرد بقعة جغرافية إلى معشوقة رمزية وقضية إنسانية كبرى، مستخدماً أدوات الحداثة لبعث الروح في الشخصيات التراثية والأساطير الحميرية.

يمتلك اليمن إرثاً حضارياً ضخماً زود الثقافة العربية بفنون الحكاية والملاحم والشعر، إلا أن هذا الإبداع واجه تهميشاً نقدياً خارج حدوده نتيجة العزلة التي فرضها حكم الإمامة والظروف السياسية. ومع ذلك، لم يتوقف الشعر اليمني عن التطور، بل تحول إلى وسيلة تحدٍ وقوة تعبيرية في وجه الظلم والتخلف، معبراً عن طموحات الشعب في التغيير. وقد ارتبطت بدايات الشعر الحديث بظاهرة "الهجرة والفرار" من استبداد الإمامة، الذي حارب "العصرية" في القصيدة واعتبرها جريمة، مما دفع الشعراء لشحن نتاجهم بالوطنية والالتزام السياسي الجاد.

يعد الدكتور عبد العزيز المقالح النموذج الأبرز الذي يجسد هذا التحول، فهو شاعر وسياسي وناقد استوعب تاريخ أمته وصاغ منها مركباً شعرياً يمزج بين التراث والمعاصرة. استطاع المقالح أن يخلق رموزاً شفافة عبر توظيف الأساطير والشخصيات التراثية اليمنية، شاحناً إياها برؤى عصرية تربط الماضي العربي بالحاضر النضالي. وتبرز دواوينه الخمسة الكبرى، مثل "لا بد من صنعاء" و"مأرب يتكلم"، كتجربة متكاملة تعكس صوته المتفرد وقضاياه المحورية التي تبتعد عن التغريب وتلتصق بهوية الأرض والإنسان.

الملمح الأكثر وضوحاً في مسيرة المقالح هو أن "اليمن" هي محبوبته الوحيدة والدائمة؛ فلا نجد في دواوينه قصائد غرام تقليدية، بل أناشيد حب لمعشوقته الأرض. وحتى في قصيدته "بطاقة إليها"، يخرج الشاعر من دائرة العشق الشخصي ليصب همومه في قالب وطني، معلناً فشله في الوصول للحبيبة الشخصية بسبب انشغاله بآلام بلاده. هذا الالتزام جعل من شعره منظاراً يرى من خلاله العالم، حيث تسيطر صورة اليمن على كافة مراحله الإبداعية، مع تعميق مستمر للعلاقة بين الذات الشاعرة والموضوع الوطني.

في ديوانه الأول "لا بد من صنعاء"، ترجم المقالح مشاعر الحنين والغربة التي عاشها المهاجرون اليمنيون، محولاً "صنعاء" من مدينة إلى رمز للعودة والحرية. وبالرغم من سيطرة النبرة الخطابية والحماسية في بداياته نتيجة تأثره بالثورة اليمنية، إلا أنه استطاع ربط قضية بلده بالقضايا القومية الكبرى. ففي قصائده، تتمازج صور أبطال العروبة مثل عبد الناصر مع رموز التراث الديني مثل "أم هاشم"، لتشكل لوحة تشكيلية تعبر عن دور مصر في دعم الثورة اليمنية، مؤكداً على رؤية قومية واعية لازمت شعره منذ البداية.

انتقل المقالح في ديوانه "مأرب يتكلم" نحو بناء عالم شعري أكثر نضجاً، حيث استلهم من التاريخ اليمني حادثة انهيار السد ليعبر عن واقع التخلف المعاصر. ومن خلال رمزية "الفأر" الذي يقود الشعب الممزق، قدم الشاعر نقداً سياسياً حاداً للاستكانة والجهل، داعياً إلى "سيل عارم" يغسل أحزان الجبال ويطهر الواقع من أدران الاستبداد. هذا التوظيف الذكي للرمز التاريخي أتاح للقصيدة الوصول إلى وجدان المتلقي اليمني دون الحاجة لرموز أجنبية غامضة، مما عمق من جماهيرية شعره وتأثيره.

تعمقت التجربة الفنية في ديوان "رسالة إلى سيف بن ذي يزن"، حيث انتقى الشاعر شخصية "سيف" التاريخية والشعبية ليعيد صياغتها في قالب ملحمي درامي. امتزجت هنا الأسطورة بالواقع، وصار "سيف" رمزاً للبطل الثائر والمنفي الذي يبحث عن حبيبته "منية النفوس" (اليمن السجينة). وعبر هذه اليوميات الشعرية، جسد المقالح معاناة المنفى وضرورة العودة لاقتلاع الكابوس الذي يحيق بالوطن، مقدماً نموذجاً فذاً في كيفية استنطاق التراث لخدمة قضايا الحرية والتقدم والعدالة الاجتماعية.

وصل التطور الفني لذروته في ديوان "عودة وضاح اليمن"، حيث اعتمد المقالح "القصيدة المدورة" التي تتسم بكثافة التعبير وتلاحق الصور الموسيقية. تقمص الشاعر شخصية "وضاح" الأسطورية ليجري حواراً تمثيلياً مع حبيبته "روضة" (قناع اليمن)، مدافعاً عن إخلاصه لها رغم سنوات النفي والفقر. وفي هذا العمل، ينفي الشاعر عن نفسه تهمة الهجر أو الخيانة، مؤكداً أن الحبيبة تعيش تحت جلده، وأن كل رحلاته في عواصم العرب كانت بحثاً عن "هدهد" يصرف حزنه ويدله على طريق الخلاص لبلاده المريضة.

إن تجربة عبد العزيز المقالح ليست مجرد نتاج أدبي، بل هي دراما عصرية تغترف من أصالة التراث اليمني لتعبر عن مأساة الإنسان المعاصر. لقد استطاع الشاعر بذكائه النقدي وقاموسه الخاص أن يحول القصيدة إلى وثيقة فنية واجتماعية وتاريخية في آن واحد. وبفضل هذا المزج المتقن بين الأسطورة والواقع، والحزن والثورة، يظل المقالح الصوت الذي أخرج الشعر اليمني من دائرته الإقليمية ليضعه في قلب حركة التحديث الشعري العربي، مخلصاً لليمن، ومجدداً لروح القصيدة العربية.

الخاتمة

يظل الدكتور عبد العزيز المقالح علامة فارقة في مسيرة الأدب العربي، حيث أثبت أن الالتزام بقضايا الوطن لا يتنافى مع التجديد الفني الرفيع. لقد استطاع عبر دواوينه أن يعيد لليمن وجهها الحضاري، مستخدماً الشعر كقنديل يضيء عتمة التخلف وسياجاً يحمي الهوية من الضياع. إن بقاء المقالح مخلصاً لـ "محبوبته اليمن" لم يجعله شاعراً محلياً، بل منحه تأشيرة العبور إلى قلوب القراء العرب، مؤكداً أن الصدق في التعبير عن الخاص هو أقصر الطرق للوصول إلى العام والإنساني.

 

 التوصيات

أرشفة التراث الشعري: ضرورة جمع ودراسة كافة قصائد المقالح الموزعة في المجلات العربية التي لم تضمها الدواوين السابقة، لضمان اكتمال صورته الإبداعية للباحثين.

الدراسات المقارنة: تشجيع الأطروحات الجامعية التي تدرس أسلوب "القناع" عند المقالح مقارنة بشعراء الحداثة العرب (مثل أدونيس والبياتي) لإبراز خصوصية الرمز اليمني.

الترجمة العالمية: العمل على ترجمة ديوان "عودة وضاح اليمن" و"سيف بن ذي يزن" إلى اللغات الحية، لتعريف العالم بعمق الأسطورة اليمنية وقدرتها على التشكل الشعري الحديث.

تفعيل المراكز البحثية: دعم "مركز الدراسات والبحوث اليمني" الذي أسسه المقالح ليكون منارة لمواصلة مشروعه في إحياء التراث اليمني وربطه بالمعاصرة.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Al-Fattany Beauty Channel Vip تقييم 4.95 من 5.
المقالات

1090

متابعهم

663

متابعهم

6689

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.