الفصل الثامن تحت ضوء القمر
ا
لفصل الثامن
م يكن الليل هذه المرة كأي ليلة مرت على "ليان". كان القمر معلقًا في السماء كأنه شاهد صامت على ما يدور في قلبها من صراع، وكأن نوره الخافت يتسلل ليكشف أسرارًا حاولت دفنها طويلًا. وقفت عند النافذة، تحدق في الفراغ، بينما تتردد في أذنها كلمات "آدم" التي قالها قبل أن يختفي دون تفسير.
“مش كل حاجة بنختارها... في حاجات هي اللي بتختارنا.”
لم تفهم حينها ما قصده، لكنها الآن بدأت تدرك أن هناك أشياء أكبر منها، وأعمق من قدرتها على الهروب.
أغمضت عينيها للحظة، تسترجع تلك الليلة. صوت خطواته وهو يقترب، نظراته التي كانت تحمل مزيجًا من الحيرة والخوف، ثم اختفاؤه المفاجئ. لماذا رحل؟ ولماذا عاد في حياتها من الأساس؟
قطع أفكارها صوت طرق خفيف على الباب.
"ليان؟ إنتِ صاحية؟" جاء صوت "نور" القلق من الخارج.
ترددت للحظة قبل أن ترد: “آه... ادخلي.”
فتحت نور الباب ببطء، وعيناها تبحثان في وجه ليان عن إجابة. “مالك؟ بقالك يومين مش طبيعية... حصل إيه؟”
تنهدت ليان، وجلست على حافة السرير. “حاسة إن في حاجة غلط... حاجة كبيرة، بس مش قادرة أحددها.”
اقتربت نور وجلست بجانبها. “له علاقة بآدم؟”
سكتت ليان، وكان صمتها كافيًا للإجابة.
"أنا كنت حاسة من الأول إن الموضوع ده مش بسيط." قالت نور وهي تعقد ذراعيها. “فيه سر... وأنا متأكدة إنك لازم تعرفيه.”
رفعت ليان رأسها ببطء. “وأعرفه إزاي؟ هو اختفى!”
وقبل أن ترد نور، دوى صوت رنين الهاتف فجأة، كأنه إعلان عن بداية شيء جديد.
نظرت ليان إلى الشاشة، وتجمدت.
"مين؟" سألت نور بفضول.
همست ليان بصوت يكاد لا يُسمع: “رقم غريب...”
ترددت للحظة، ثم ضغطت على زر الإجابة.
“ألو؟”
جاء صوت رجل غامض، عميق وهادئ: “لو عايزة تعرفي الحقيقة... لازم تقابلي آدم.”
اتسعت عيناها. “إنت مين؟ وآدم فين؟”
"المكان اللي بدأت فيه الحكاية... تحت ضوء القمر." ثم انقطع الاتصال.
ساد الصمت، ثقيلًا ومربكًا.
"إيه ده؟!" قالت نور بذهول.
وقفت ليان فجأة، وكأنها اتخذت قرارًا لا رجعة فيه. “أنا لازم أروح.”
"تروحي فين؟! انتي حتى مش عارفة المكان!" اعترضت نور.
لكن ليان لم تكن تسمع. كان هناك صوت داخلي يقودها، شعور غريب يخبرها أن الإجابة تنتظرها... وأن هذه الليلة ستغير كل شيء.
بعد ساعة، كانت تقف عند أطراف الحديقة القديمة، المكان الذي شهد أول لقاء بينها وبين آدم. كان القمر يضيء الطريق أمامها، بينما الأشجار تلقي بظلالها كأنها أشباح صامتة.
تقدمت ببطء، وقلبها ينبض بعنف.
"آدم؟" نادت بصوت مرتجف.
لم يجبها أحد.
لكن فجأة، تحرك ظل بين الأشجار.
“كنت عارف إنك هتيجي.”
تجمدت في مكانها.
خرج آدم من الظل، ملامحه متعبة، وعيناه تحملان شيئًا لم تره فيه من قبل... الخوف.
"ليه اختفيت؟!" قالت بصوت مليء بالغضب والارتباك. “وإيه اللي بيحصل؟!”
نظر إليها للحظات، وكأنه يصارع قراره.
“في حاجات لو عرفتيها... حياتك مش هترجع زي الأول.”
اقتربت خطوة، رغم خوفها. “وأنا أصلاً حياتي رجعت طبيعية؟! من يوم ما دخلت حياتي وأنا تايهة!”
أخفض رأسه، ثم قال بصوت منخفض: “أنا كنت بحاول أحميكي.”
"من إيه؟!" صرخت.
رفع عينيه، وقال: “من الحقيقة.”
سكتت للحظة، ثم همست: “قولي.”
تنهد بعمق، وكأن الكلمات ثقيلة عليه. “في حد بيراقبنا... من البداية. وكل خطوة كنا بنعملها كانت محسوبة.”
ارتجفت ليان. “مين؟”
وقبل أن يجيب، دوى صوت غريب في المكان، كصوت كسر غصن تحت قدم شخص ما.
نظر آدم حوله بسرعة. “إحنا مش لوحدنا.”
شعرت ليان بقشعريرة تسري في جسدها.
"إيه اللي بيحصل؟!" همست.
أمسك آدم بيدها فجأة. “مفيش وقت... لازم نمشي دلوقتي!”
لكن قبل أن يتحركا، خرج شخص من الظلام.
“للأسف... الوقت خلص.”
تجمد كل شيء.
نظرت ليان إلى الوجه الذي ظهر... وشهقت.
“إنت؟!”
ابتسم الرجل ابتسامة باردة، وقال: “أهلاً بيكي... أخيرًا وصلتي للحقيقة.”
وتحت ضوء القمر، بدأت أسرار لم تكن في الحسبان تنكشف... بينما كان الخطر أقرب مما تخيلت ليان يومًا.
يتبع…