وداع الحب.. قصة قصيرة
وداع الحب
أما (هِيَ) فإنها فتاةٌ وَضَّاحَةُ المُحَيَّا، مَمشوقةُ القَدِّ، صَهباءُ _ إذ هي بيضاءُ الوجنَتين في احمرار، كأنما انسكَبَت أشعةُ الشمسِ في خَدَّيْهَا إبَّانَ الشَّفَقِ!
إذا استحيَت؛ فكأنما فُقِئَ في وجهها حَبُّ الرُّمان فأُشرِبَت حُمرَةً حادثةً على حُمرتِها الجِبِلِّيَّة، أو كأنَّها الشمسُ المُتوهجةُ إذ حَجَبَها الغَمَامُ! وإذا تجرأت؛ فما جرأةٌ أشبَهُ بالخجلِ من جُرأَتِها، كأنها مطبوعةٌ على الحياء في حالَتيهَا!
هكذا تبدو، وأحيانا تخالُ وجهَهَا القمرَ الطالعَ، أو كأن للقمرِ جمالا غير ذاتي، فيقتبس من جمال وجهها الذاتي؛ فتَرَاه جميلا لأنه صِيغَ على صورتِها! أو إن شئتَ فقل قد مسحتها الطبيعة بضوء النهار، وغَذَّتها بأغذيةٍ من نور النجوم، ورَوَّتهَا من ندى الأُقحوانِ إذا تَنَدَّى. تكاد من رُوائها تتبوءُ مقاعدَ الثريا، لولا أن اللهَ شاءَ أن تكونَ في الأرض! وتوشك أن تكونَ شمسا في وقت الزوال، تتوسطُ الأولى كَبدَ السماء، وتتربعُ هي على عرش القلوب، لولا أنها طُبِعَت على التبسط والتواضع! كأنها واحدة من حور الجنة قد نزلت إلى الأرض، لتخبرهم عن نعيم ما أُعِدَّ لهم، ولتقولَ لهم: لِمثلِ هذا فَليَعمَلِ العاملون!
لها شفتان عَجفاوانَ كأنهما لؤلؤتان ثمينتان، تزودانِ عن سِمَاطين من اللؤلؤ المنضود، هما في فكيها أَسنانٌ، ولَدَى الناظرِ؛ قَلائدُ من الجُمَانِ، فإن تعجب؛ فعجبٌ أن يلوذَ النفيسُ بالنفيس، وأن يُوكَلَ إلى اللَآلي حراسةُ بعضها بعضا!
فإذا تبسمت؛ انفرجَتَ عن ثغرٍ وَضَّاءٍ يَنثُرُ الهَناءَة في كُلِّ مَنْ بَلَغَه شُعَاعُه، حتى تُحِسَّ أنَّ الكونَ يَضحكُ، وليس ثغرُها وحدَه. وتَسكُتُ؛ فتحدثكَ بصمتها حديثا، لا تبلغه الجهابذةُ الأقحَاحُ في البيان، كأن أحاديثَهم ثرثرةٌ متهافتة، وكأن صمتَها كلامٌ بليغ! فتُثيرُ في الأبكم نُطقًا يَظهَرُ في صفحة وجهه تحيرا وانشِدَاهًا، وتُثير في الناطقِ كلامًا يتبَختَرُ من فصاحته فخرا وتِيهًا. كأنما كان المتنبي إذ يمدح شعره وبيانه؛ يقصد وجههَا، أو كأنَّه رَكَّب في مخايلها لِسانًا يُعرِبُ عن حالها فيقولُ!
أنا الذي نظرَ الأعمى إلى أدبي وأَسمَعت كلماتي مَن به صَمَمُ
تذوب في عينيها النجلاوين بأساءُ الحياة ولأوائُها، كأنهما نهران جاريان، يذهَبُ زَبَدُ الحزن في مائهِما جُفَاءً، ويَستحيلُ البؤسُ بالنظر إليهما حُبورًا وهناءً.
إذا رأيتَ الجبينَ منها يتفصَّد؛ حسبتَها تتأرج، أنْ كان عَرَقُها كالمسك أو أطيب، وتحسبها - وهي بعد في حيائها الجبلي- تتغنج، وتراها - في غير زينة- كأنها شمسٌ تتبرج، فإذا ازدانَت؛ خُيِّلَ إليك أنه قد انطمس كُلُّ ضوءٍ عدا ما يَنبعثُ منها!
****
أما هو؛ فشابٌ فقير مُتبَطِّلٌ، نَحيلٌ مُتَهَدِّم مما أثَّرَ فيه الفقرُ، وطحنَه العِوَزُ وقِلَّةُ ذاتِ اليد، يَتَخَتَّرُ في مِشيَتِه كالرجُلِ الحَرَضِ؛ لا من مَرضٍ ولا من كِبَرٍ، ولكن من الجوع! وهو مع ذلك أَفَّاقٌ يضرب في الأرض ساعيا في طلب الرزق، بينما لا يظفرُ من السعي إلا بالسعي، ولا تُعطيه حركةُ الجوارح أكثرَ مما تُعطي المتمرنَ المتريض! بيدَ أنه لِنحولِ جسمه من الجوع، ورقة عضلاته من قلة الطعام؛ لم يكتسب شحما ولحما، وإنما ازدادَ بالركض في طلب الرزق وَهْنًا على وَهْنٍ! فكانت سحائبُ الخير لا تُصيبُ أرضَه إلا قليلا.
وبين جوانحه قلبٌ قَويٌّ.. ولكن في رقة، حازمٌ.. بغير غلظة، أسيفٌ من ترادف الخيبات، لكنه ثَريٌّ بالطموح والأمل، إذ لم يَكُنْ فقرُ بدنه؛ فقرا لنفسه، ولا تخلفُ آماله مُنتَزِعًا لها من قلبه، بل كانت له نفسٌ زكية مشبوبة، وروح وثابة تواقة، وقلبٌ مُفعَمٌ بالرجاء، فحسبك من توثب نفسه أنه حينَ تشوفَ إلى الحب؛ لم يقع فؤاده إلا على تلك الغيداء. وحسبك من قوة قلبه؛ أن الصبرَ قد خَدَّ فيه الأخاديد، فصارَ كأنه لا يجري بدماء بشرية بل بصبرٍ وقوةٍ جَأشٍ!
****
كانَ كلما ذكرَها في مجلسٍ من أصدقائه، تَرَسَّلَ في الهُيَام، حتى كأنه في السماء وهم في الأرض، وكأن ذكرَها يصنع في قلبه جناحين يُرفرِف بهما ويُخفق، ليرتحلَ عن دنياهم إلى حِمَاهَا المرتفع الشاهق! ولكن أصدقاءَه كانوا أصحابَ سوء، إذ كانوا يضمرونَ له الضغينة ويظهرونَ له الود، فأما ضغينتُهم؛ فلأنهم كانوا يعلمونَه - على فقره- خيرا منهم، ويوشك لأحلامِه المطوية في فؤادِه المتوثب أن تستحيلَ واقعا. وأما إظهارُهم مودَّتَه؛ فهي من بؤس الزمان، الذي قلَّ أن ينجوَ منه إنسانٌ؛ طالَما قد انعقدَ قلبه على طلب المعالي، ونبا عن السفاسف، فلا جَرَمَ يأنسُ من الناس مُداهنين متملقين!
فكانَ إذا ذكرَ حبيبته عندهم؛ لا يألونَه تهكما وخَبالًا، فمن قائل:
— أَمِثلُكُ أيها الصعلوكُ المُعدَم؛ يخطب وُدَّ هذه الحسناء؟ ويَحطِبُ في هوى تلك الملائكيةِ القمراء؟! ومثلك لا ينبغي له أن يتطلعَ إلا لمملوكة دكناء، أو دَميمةٍ شوهاء، أو مَهزولةٍ عجفاء، ولا شيء فوق هذا، ولكن لا بأسَ أن يكونَ دونَ هذا!
ويقول له آخر:
— إنما مَثَلُكَ كمثل رجل مقعدٍ؛ يرجو أن يحوزَ قصبَ السبق في مباراة العدو السريع!
فَنَهضَ ثالثٌ يدعي الدفاعَ عنه، وهو مِمرَثٌ خصيم، بين ترائبِه مُضغةٌ كالحةٌ مكفهرةٌ كأنها قد امتُحِشَت إذ قد ولَجَت تنورَ الحقد، فقال لصاحبيه:
— أَليس منكم رجل رشيد؟ بل مَثَلُ صاحبكم؛ كَمَثَلِ مَنْ تَضحضحَ في نفسه سرابُ المُني، فانبعث يعدو نحو السراب؛ فَمَا راعَه إلا فُجَاءةُ الوهم ومباغتةُ الحسرة!
ثم يتضاحكون، كأنما لاكَ كلُّ واحد منهم طُرفَةً، ولا يدري أنه أَرَاشَ سهما جارحا، ثم أطلَقَه في قلب هذا المسكين! فقد كانوا - ثكلتهم أمهاتهم- له بئسَ الخلان! وكانَ يكفيهم لو أنصفوا النصحَ؛ أن يُخبروه الحقيقةَ دونَ أن يُجَمِّلوا، ولكنهم أَبَوا إلا أن يُجِرِّحوا، وكان حسبهم لو خَطموا ألسنتهم عن التثريب خَطْمًا، ولكنهم حَطَمُوهُ بالسخرية حَطْمًا!
فكان كلما استاءَ من تقريعهم؛ خلا بنفسه يُناجيها، يسلي نفسَه، ويتمثل بقول أبي ذؤيب الهذلي:
عيَّرَهَا الواشونَ أني أحبها وتلك شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عنك عارُها
كأنما يقول لنفسه: أنا أهل لها، ولو كانَ للناس قوانينُ غيرَ قوانين الدرهم والدينار، وموازينُ غير ميزان الفقر واليَسَار، لرفعوني إلى رتبتها، لا لدنو قدرها، ولكن لارتقاء نفسي إليها، فما ثَمَّ بين القلوب قلبٌ أحقُّ بها من قلبي، وأي مضغةٍ أحقُّ بالنوالِ؛ من مضغةٍ تتهجدُ في محرابها آناءَ الليل وأطرافَ النهار؟! ولسانُ حالِه آنئذٍ:
إن كانَ يجمعُنَا حُبٌّ لِغُرَّتِه فليتَ أَنَّا بِقَدْرِ الحُبِّ نَقتَسِمُ
****
وكان يترقبُ نصفَ الشهر الهجري بفارغ الصبر، لينظرَ في بدر التمام، لأن فيه بعضَ حسنها، يَخَالُها هي في نُسخته، كما يَتَوَهَّمُ حُضورَ القمر لَدَى مُعاينتها، فلا جرمَ يَتَعَزَّى عن كُلِّ الحُسنِ يكون فيها، ببعض الحسن يكون في القمر! ووَجهُ الشَّبَهِ بين حبيبَتِه، والقمرِ؛ في أمرين؛
_ الأول: ما في كليهما من الحُسنِ والوضاءة، وإن كان جمال القمر في جمالها؛ كجمال البعض فى جمال الكل!
_ والثاني: أن ثِنتيهِمَا بعيد عنه، لا سبيلَ له في الوصول إليه.
وكأن القمرَ بدا كريما معه، إذ جعلَ يتمثلُ له صورةً مُصَغَّرَةً منها، صورةً لا تحمل كل معانيها، لكنها تحمل كل ذاكرته بها. حتى إذا خلا بصورة المحبوبة المصغرة— أي بالقمر — أي بمخايلها وقد طُبعَت في هذا الجِرمِ الصغير، جعل يمعن النظرَ فيه، كأنما يروم الارتواء من ظمأِ الشوق، وحرارةِ اللَّهَفِ، تماما كما يفعلُ العاشق النازحُ عن ديار المعشوق، لا يفتأ كلما اضطربَ فيه الشوق؛ يُخرِج من جيبه صورة المحبوب يتسلى بها، ويلثمها، ويقلبها على أوجه التقريب، ولو قَدِرَ أن يُودعَها قلبَه لفعل!
هذا وهو يعلم أن الصورةَ لا تُغنِي عن الأصل شيئا، ولكنها مع ذلك تفعل في نفسه أكثرَ مما تصنعه أجسام حية تتحرك، لأن هذه الجسومَ على كثرتها لا تشبه الحبيبَ، بينما تلك الصورةُ المطبوعةُ في صفحة السماء، البازغةُ في غَسَقِ الليلِ البهيمِ؛ هي كل ما يملكه منها!
ولأن الصورةَ من الحبيب؛ كالقَبسَةِ من الشهاب، لا تكونَ بعضًا منه، لكنه هو أصلٌ لها! ولما كانَ لا يملك سوى تلك الصورة؛ فقد كانَ يَجأرُ إليها كلما طَحطَحَ به الجَوى، واشتدَّ عليه هجيرُ النَّوَى، ولكم كانَ يتمنى أن تكون الليالي كلها بَدرا!
فإذا كانَ ثَمَّ؛ نظرَ في هذا البدر الملتئمِ، الذي اتسقَ حسنه باجتماع أبعاضه، كما تتأنقُ حباتُ الفسيفساء إذا اتَّسَقنَ؛ وجعل يُصوب إليه طَرفَه، يملأ نفسَه من حُسنه، إذ قد عجز أن يَملأَ حُسنَ القمرِ من نفسِه، لما بينهما من البون المَديد؛ وأنى له التناوشُ من مكانٍ بعيدٍ! وجَعلَ يَتحدرُ بعَبَرَاتٍ كأنَّهنَ لَفحُ النار على الوَجَناتِ، وقد لَفَحنَ قلبه بين يَدَي وَجنَتَيه!
وطَفِقَ يتلوعُ في حضرته من الوَجْدِ، كأنما يَبُثُّه من شَجى فؤادِه الصَّبِّ، أو يستمطِرُ شفقتَه لما عجزَ أن يستدرها من فؤاد الحِبِّ! ثم يَتَمَثَّلُ بأبيات شوقي:
يا ناعِسَ الطَّرفِ لا ذُقتَ الهَوى أَبَدًا أَسْهَرْتَ مُضناكَ في حِفْظِ الهَوى فَنَمِ
أَفــديكَ إِلـفًا ولا آلُــــــو الخَيالَ فِدًى أَغــــراكَ بالبُخْلِ مَن أَغــــراهُ بالكَرَمِ
فكأنه يَعتِبُ عليها إذ لم تشعر بحبه! وكيفَ لها أن تفعلَ، وهو الذي يَغضُّ الطرفَ عنها كلما رآها، كأنما يضن بنظرِه أن ينصرفَ إليها، وما به شُحٌّ، ولكن به وَجَلٌ وفَرَقٌ من أن يتكشفَ على الحقيقة التي يعلمها؛ وهي أنها منه كالسماء من الأرض! ثم يَرجِعُ على نفسِه باللائمة؛ أنها ألقت على أحب الناسِ إليه؛ سَهمًا من العتاب واللومِ! ثم يعود إلى نفسه بالشفقة؛ إذ قد تجاذَبَ أطرافَها؛ أوهامٌ لا مكانَ لها إلا في رأسه! وهنالك يتمثلُ قولَ أبي فراسٍ الذي ظنَّ أنه لا يتحدث إلا عنه:
إِذا اللَيلُ أَضواني بَسَطتُ يَدَ الهَوى وَأَذلَلتُ دَمعاً مِن خَلائِقِهِ الكِبرُ
تَكــادُ تُضيءُ النَّــــارُ بَينَ جَوانِحي إِذا هِيَ أَذكَتها الصَبابَةُ وَالفِكرُ
****
ولطَالَمَا كان يَرقُبُهَا من بعيد، فيتمنى أن يَرمُقَهَا من قريب، إذ كان لا يَعدو أن يَختلسَها باللحظِ اختلاسًا، لاسيما إن رآها في كَبكَبةٍ من الناس، خشيةَ أن يسبقَ نظرُ أحدهم إليه؛ نظرَه إليها، فيقرأَ في عينيه ما اجتهدَ في إخفائه، فيُفتَضَحَ أمرُه، وما شيءٌ أفضَحَ لصاحبه من التطلعِ إلى ما ليسَ له!
أما إن رآها منفردة؛ فقد كانَ أيضا لا يُجاهرها بالنظر، بل يسارقها النظرَ مُسارقةً، ويبعثُ إليها النظرةَ بعد النظرة، لأنه في الواقع يبعثُ إليها باللَهفَةِ بعدَ اللهفة، كأنَّ عينيه لِصَّانِ يهتبلانِ منها أي غفلةٍ، حتى ينعَمَا بالتطلعِ في سُبُحاتِ وجهها!
أما أن يملأ عينيه من حُسنِها؛ فقد حِيلَ بينه وبين ما يشتهي، إذ قد كانت فراسخُ الأرض بينهما مسافة تُقطَع، وهي في قلبه مسافة لا تُقطَع، ولأن الحوائلَ بينهما أمكنةٌ وأصقاعٌ، ولكنها في نفسه كَرغبةِ الجبانِ اليَرَاعِ؛ أن يخلعَ عليه الناسُ لقبَ المغوارِ الشجاع! فكانَ - والحالُ هذه- لا يستطيع بلوغَ حبيبته تلكَ؛ حتى يَلِجَ الجملُ في سَمِّ الخياط!
ولكن هناك ما هو أهونُ من ذلك؛ أن يتمطى فوقَ حُدود خوفه، وأن يتسامَى فوق جواذبِ نفسِه، ثم يُصارحها بحبه. ولكن أنَّى له أن يفعلَ، وقد فعلت فيه سياطُ الأقران أفعالَها؟ وكيف يُمني نفسَه بوصلها، وقد قالَ له أعرفُ الناسِ به - خلَّانُهُ- أنه لا يجدر بمثله إلا دميمةٌ شَوهاءُ فما دونَها؟! ولو أحسَن الظن بنفسه؛ لارتَقَى في الحسن درجةً أو درجتين، أما أن يرتقي مئينَ ألوفٍ من الدرجات بل أبعدَ من ذلك؛ فلا يتأتى إلا لِجامحٍ في الخيال، أو مُتَرَحِّبٍ في الجُنون!
*****
وذات مرة، دُعي إلا وليمة لبعض أصدقائه الأثرياء، ثم لَمَحَ هالةً من النسوة، قد تَوَسَّطَهُنَّ قَمرٌ منير، فدقق النظر فإذا هي ذاك القمر، فما شعرَ إلا وقدماه تهرولان به نحوها، كأنَّ رجليه خَيلَانِ قد استطردَهُمَا الشوق إلى موضع الإلف، وجَمحَ بهما الهوى إلى موضع الهَوَى، فلا يَحفِلانِ أن كانَ الذي يمتطيهما له فيهما مَآربُ أخرى! فكيفَ إذا كانَ أصلا؛ يتقطع في طلبها، ويَتبَتُّل في الشوق إليها؟! فطَفِقَ يعدو جهده نحوها، لا يدري أنه يمشي إليها بقوة قلبه، لا بقوة عقله، ويُدفَعُ إليها دفعا، لا يسير إليها سيرا.
وفجأة أفاقَ من سَكرة الهوى، وارتدَّ إليه شيء من وعيه، فأجبره العقلُ على التوقف، وحملته نفسه على المواصلة، فتحصل من هاتين القوتين المتنافرتين؛ حِراكٌ وئيدٌ مُتثاقلٌ، بدا فيه كالثَّملِ يمشي مُتَهزِّعًا مما أثقلَته الخمر! وجعلَ قلبه يَرجُفُ رجيفًا يكاد يَدُقُّ أضلاعَه دَقًّا!
فلما دنى منها ودنا، فكان قابَ قَوسين أو أدنَى؛ تلاقت أعينهما، فكادَ يُغشَى عليه من الوَجَلِ! إذ قد ألقى بنفسه في بحر عينيها، فجعلت تموج به مَوجًا، ولقد دأبت هاتان العينان على فعل ذلك مع أفناء الناس دونَ أن تقصد؛ فكيف إذا ألقَت بلألائِهما على عاشقٍ صَبٍّ وهي تقصد؟!
فلما كانت هذه الفَينَةُ، ما استطاعَ أن يُسارقَها النظرَ كما اعتادَ أن يفعل كلما رآها، بل شَخصَ بصرُه، فما عادَ يَرجعُ إليه، كأنما هي اختلسَته هذه المرة!
وفي هذا الموضع القريب منها جدا؛ توقفَ كالمَشدوه لا يدري ما يصنع، إذ قد اختلجت فيه المشاعر وتداخلت، كالذي ترادَفت في نفسه المعاني وازدحَمَت؛ فتلعثَمت في صدره؛ فصارَ كالعَيِيِّ عن التبيين لكثرة المعاني لا لغَيضِها. وبينا هو على تلك الحالة المثيرة للشفقة، ولا يفصل بينهما سوى بضعة أمتار، بَدَت في نفسه بضعَ سنين ضوئية؛ إذ تقدمت هي نحوه، تخترقُ صفوفَ الحاضرين كأنها لا ترى منهم غيرَه، ولا تعبأ منهم بنظرٍ أو لائمة، حتى بلغته فكانت منه بموضع الكتاب من القارىء!
وقفَت إزاءَه وقفةً هادئةً كأنها قصدت أن تُهدِّئ من روعه الذي اصطَفَقَت فيه المشاعر كما تصطفقُ أوراق الشجر في الخريف، وأن تُفرِّجَ عنه بعضَ ما اصطَخَب في نفسه! فأطرقَ برأسه إلى الأرض هُنيهَةً كأنما يستجمعُ شَتاتَ عقله، ويُهيِّجُ نفسَه على فهم ما يجري، أو كأنه أرادَ أن يتحققَ مما يحدث، أَهُو من الحقيقة، أم هي أحلامُ الوَسَن، أو خيالاتُ اليقظة!
ثم رفعَ بصرَه لينظرَها عن كَثَبٍ لم يَتَهَيَّأ له قبلُ، حتى في السُّبَات! فإذا هي ترمقه بنظراتٍ رقيقةٍ وادعةٍ، كأنها ألقَت عليه إزارا من الحنان! وكأنها تعرفه من قديم، وهو الذي ما عرفَها إلا في بناتِ خيالِه، ولا أمعَن النظرَ إليها إلا في صفحة البدر يَخالُها فيه! تبسمت ابتسامة رحيمة، وتحدثت بصوتٍ رخيم كأنما ينساب من بين أوتارٍ موسيقية لا من بين أحبالٍ صوتية :
—أَأنتَ خَالد؟!
تشعثت في نفسِه المشاعر، ما بين فرحٍ مُباغِتٍ، كأن فقيرا مُعدَمًا هطلت عليه الثروة بين غمضة عين وانتباهَتِها.. وما بين تعجب ودهشة.. وما بين اتهام لعقله وشك في سلامته، فلقد خُيِّلَ إليه أن عقلَه قد جَسَّدَ له أحلامَه شُخوصًا، ولم يكتفِ بنسجها صورا تتأرجح فيه أوهَامًا! فإن العاقلَ يَخالُ ويتوهم، ولكنه يعلمُ الفرقَ بين الخيال والحقيقة، أما المجنونُ فيرى خيالاتِه أشخاصًا يعاملهم! فلما غابَ في تلك الأفكار؛ تَنَحنحت، وأعادت عليه السؤال:
— أَلستَ أنت خالد؟!
أجابَها بصوتٍ متهدج:
— نَعَـ.. نعم.. أنا هو.
تبسمت مرة أخرى، وكأنها رامَت أن تُغدِقَه بمزيدٍ من الدفء، وقالت:
— طَالَما سَمِعتُ بك، ورجوتُ أن ألقاك!
فوقعَ كلامُها منه موقعَ القطرِ على الأرض المَيْتة؛ فتلقفَه كتلقفُها، وانبعثَ بالحياة كانبعاثِها، واهتزت نفسه وربت كاهتزازِها ورَبوها. ولم تكن دهشته أقلَّ من فرحه، إذ كيفَ سمعت عنه، وهوَ مَن يظن نفسَه عند الناس نكرةً من النكرات، ومجهولًا من المَجاهيل، لا يُعبَأ به ولا يُلتَفَت إلى ذكره؟! ثُم إن الذي سَمعَ عنه ليسَ واحدا من آحاد الناس، ولا فرد من الدهماء، بل هو تلك الشمس البازغةُ، ولسانُ حاله: لئن ذُكرتُ عند الشمس، إني إذن والله لَنَجمٌ من النجوم!
فأجابَها مُتلجلجًا، كأنما انعقدَ لسانُه بين التصديق والتكذيب:
— طالما سَمِعتي بي أنا؟!
فأطرَقت هُنَيَّةً؛ كالذي يستدعي ذكرًي غابرة، وقالت:
— نعم، سَمِعتُ أنك رجلٌ صَبورٌ في طُموح، تَوَّاقٌ على قِلَّة، ترومُ المعالي ولكنك تأبى أن تركبَ إليها إلا وسيلةً مشروعة، وأنك لم تُغلَب على رزقك؛ إلا لأنك لم تُغلَب على شَرَفِك.
فنزلت كلماتها مرة أخرى في موضع من قلبه، تتشاكَسُ فيه الأفكار والمشاعر، غير أنه وَقعٌ لم يكن يتمنى أن يظفرَ به، ولو في مَطارِح الخيال! وكَأنَّ ارتماضَه بلهيب الصبر؛ قد صارَ عليه اليوم بردًا وسلامًا، وتلك الأخاديدَ التي حفرَها الصبرُ في قلبه؛ قد مُلئت عوضا عن الصبر سُرورًا، واستحالَت ظَلماؤها نورا.
فصمتَ ولم ينبس بِقالَةٍ؛ كأنه يستطعم حديثَها ويتمنى ألا ينقضي به المقام. بيدَ أنه بدَا كمَن يحترزُ من الفَرَح، أو يُسَرُّ لكن بحذَر! لاسيما، وقد عهدت إليه الدنيا ألا تسره إلا بمقدار ما تسوءه، بل قد عهدت إليه ألا تسره إلا نَذرًا يسيرا! فمضت لحظاتٌ قصيرة من الصمت بينهما؛ اختلطَ عليه فيها طول الزمان بِقِصَرِه؛ إذ كانت عليه عمرا مديدا إذا قيست بالتوجس والترقب، لأنه ليسَ يدري ما الله صانعٌ فيه بعدها، وهي مع ذلك لحظاتٌ ضئيلةٌ جدا إذ هي بين يدي محبوبته، ولطالَما تنصرمُ أعوامُ السعادة في مَحضَرِ الحبيبِ بسرعة خاطفةٍ، كما لو كانت يوما أو بعض يوم!
رفعَت إليه بصرَها وقالت:
— لقد رأيتك غير مرة… من بعيد.
ثم استطردَت:
— نعم، كنتُ أراك تختلسُ إليَّ النظرَ اختلاسًا، ثم سرعان ما تنصرف ببصرك! كأنك كنتَ تترفعُ بطرفك أن يقعَ على طرفي!
فقالَ، وقد ركبه من الحياء ما يركبُ الجاني إذا هُتِكَ سِترُه:
— أو أربأُ بنفسِك عن نفسي!
فنظرَت كالمستفهمةِ وقالت كالمُستَعتبة:
— لمَ تقولُ ذلك؟ أحسبتني تلكَ الفتاةَ المدللةَ التي قد انحصرَ جمالُها في وجهها؟ ونقصَ عقلُها بمقدار ما زادَ حُسنُها؟ وتكبَّرَت؛ لأنها على التحقيق قد تضاءَلت؟!
— لقد كنتُ أرى في نظراتِكَ العابرةِ؛ مشاعرَك التي لم تَبُح بها، واقرأ في سطور عينيك الشاردتين؛ قَراطيسَ من المعاني لم تتكلمها! ولقد تأملتُ في نظراتِ الناس غيرَك؛ فَألفَيتُها سِهَامًا تخرجُ من ألحاظٍ جائعة، كأنها ذئابٌ في صورة الأعين، قد التمَعت لها الفريسةُ، فاهتاجَت، وتضرمت فيها الرغبةُ فانقَادَت، لا تطمع في شيء إلا قضاءَ وطرها من الشهوة!
— فلما رأيتك تسارقني النظرَ؛ رأيتُ عينيكَ يُشبهانِ حَمَلين وديعين يَلوذانِ بي من ذُعرٍ أصابَهما، وقد بَدَوَا مع ذلك يحمياني إذ يَحتَميانِ بي، ويزودانِ عني إذ أزودُ عنهما، وكأنَّ خوفهما هو عين الأَمان لهما، وكأنَّ أماني مرهونٌ بهذَين الخائفَين!
— لقد كانَ يخبرني قلبي ويُكَذّبُه انصرافُكَ عني! أَفَكَانَ قلبي هو الصادقَ فيما أنبأني عن نفسِك، أم كانت جوارحُكَ هي الصادقةَ في انصرافك عني؟!
فكأنها أَهوَت عليه بحجر مرتين، مرة إذ ألقَت عليه باللائمة فيما كان يحسبه من أعذاره، وطوقته بالتهمة فيما كان يتهم به واقعَه! ومرةً حين أعلَمته أنها كانت تشعر بحبه، ولا يبعدُ أنها تبادله ذاتَ الشعور! أَفكَانت هي أيضا تُحبه، وهو الذي طالما عاتبَ خيالَها في صورة القمر قائلا: يا ناعسَ الطرفِ لا ذُقتَ الهَوى أَبَدًا! وقبل أن يجيبها؛ أردَفت قائلةً:
— إن كانَ ما أخبرني قلبي حقا؛ فلِمَ لم تقترب يوما؟
ثم أطرقت كأنها استحيت من جُرأةٍ لم تعهدها في نفسها. أما هو فقد تهشمت الكلماتُ في صدره، قبلَ أن تصلَ إلى لسانه، وتدافعت في رأسه عبارات التهكم والسخرية التي لاكَها بحقه أقربُ الأصدقاء إليه، ولَاحَت له كلمةُ أحدهم: [أو دميمةٌ شوهاء]، كأنها امرأةٌ قبيحة تقفُ عند رأسه قائلة: أيها الصعلوك المُعدَم، أنا أحق الناس بك! ثم نطقَ أخيرا بصوتٍ واهِنٍ عليلٍ:
— لأن الطريق إليكِ… لم يكن يُقاس بالخطوات، بل بما لا أملك!
سَكنت ملامحها تتأملُ ما وراءَ قولِه، وقد تمنت ألا يكونَ ما فهمت، وتساءلت:
— أتعني المال؟
فأجابها في مرارةٍ لا تُقاوَم:
— بل أعني كل ما يجعلُ مَن هو مثلي في موضعه، وكل مَن هي مثلك في موضعها! لقد قُلتِ أني لم أغلَب على رزقي لأني لم أُغلَب على شرفي. لكنَّ ما لم تُقوليه هو أني غُلبتُ على لوعة الحب؛ لأني غُلِبتُ على لوعة الفقر. وكانت عيناه تلمعان بدمعٍ يحاول كظمَه، فأردَف قائلا، وقد تحدر الكلامُ من شفَتَيه دون أن يشعر:
— ولَعَمرُكِ الذي هو أحبُّ إليَّ من عمري، لو كان..
فما ودَعته يتم كلامه حتى قالَت:
— ماذا قلتَ؟ لعَمرِي الذي هو أحبُّ إليك من عمرك؟ أَتعني أن حياتي عندك أغلى من حياتك؟!.. ولا واللهِ ما علمتُ أن في الدنيا هذا المعنى حتى سمعته منك، ولا خطر ببالي أن يكونَ في العاشقين مَن بلغَ مثلَ الذي قُلتَ.. سامحَكَ الله.. إذ أَذِنتَ لهذا الشعورِ النبيل أن يموتَ حبيسَ صدرك! فقاطعها مسرعا:
— ومَن قالَ لكِ أنني سوف آذنُ له أن يموت؟!
فأجابَته بمرارةٍ لا تخلو من العتاب الحاد:
— بل سوف يتعين عليك أن تفعل، لأنه.. لأنه قد سبقَكَ إليَّ؛ مَن يملكُ ما لا تملك!
فرجَفَ قلبه، وقالَ في وَجَلٍ مَكظومٍ:
— ماذا تقصدين؟ سبقَني إلى ماذا؟
قالت وهي تدافعُ دمعَها:
— إلى خِطبَتي.
فكأنما تَحشرَجَ الكلامُ في شفتيه، لأنه قد تحشرجَ في صدره، وقالَ كأنما يُنَقِّبُ بين جوانحه عن بقايا حياةٍ:
— وقد قَبِلتِ به؟!
فقالَت وهي تلومُه على التقاعس، وتحمله مسؤولية التخاذل كاملةً، وتعتب عليه أن لم يكن أكثرَ شجاعة:
— ألم تقل أنه قد غَلَبَتَك لوعةُ الفقر على تجرع لوعة الحب؟! أما أني فقد غلبَتني قوانينُ أبي على قوانين نفسي، إذ كان أبي ينبعثُ عن قوانين الأرض، وكنت أنبعثُ عن قوانين السماء، كان يَرَى القوةَ في سلطان المال، وسلطان الحَسَب، وكنتُ أرَاهَا في سلطان الحب، وسلطان القلب، ولَكَم كانَ جديرا أن تعلوَ نواميسُ السماء فوق نواميس الأرض، لولا أني رأيتك تَرضَخُ لذاتِ القوانين، وتأبى - مثلهم- إلا أن تنحدرَ من فَلَكِ المعاني القلبية إلى حَمأةِ المعاني الأرضية!
ثم مَضَت في حديثها تُرسل عليه حِمَمًا من العتاب، كأنما كانَ مُتَنَفَّسَها أن تزفر النيرانَ في وجهه، بل في قلبه، فقالت:
— ما كَانَ أَحرَاني أن أتَشَبَّثَ بشظايا الأمل التي انبعثت في نفسي.. من طرفِك الحائر، وشَذَرَاتِ الرجاءِ التي استجَاشَها في قلبي.. حُبُّكَ الخائفُ؛ لولا أني رأيتك مستمسكا بالخوف كأنَّ فيه أمانَك، مؤثرا للصمتِ كأنَّ قلبَك جمادٌ أبكم، مُستسلما للقدر كأن الاستسلامَ من الصبر، لا من العَجز!
ثم سكتت هُنَيَّةً إذ خَنَقَها البكاءُ، فبدت كأنها تنتزعُ الكلامَ انتزاعًا، ثم قالت بذاتِ النبرةِ المُتَهدِّجَة التي خالَطَها الشهيقُ:
— لقد انتظرتُك طويلًا… انتظرتُك حتى مَلَّ الصبرُ من صبري! وقد كنتُ أحسبُني بارعةً في قراءة لغة الأعين، فلما آيستَني بطول صبرك؛ اتهمتُ براعتي، وأزَريتُ على حَدْسِي، وظننتني كنتُ واهمة!
وكان هذا آخر ما قالته، وتنهدت تنهيدة طويلة، كأنها قد أَلقَت عن نفسها حملا ثقيلا، فلما أدركت أنها ألقت به على هذا المسكين - إذ عَذلَته على ما ليس في مَقدوره- رَجعَت على نفسها بالتأنيب، وتمنت لو أنها ما تكلمت، وألو استدبَرَت ما استَقبَلَت! فَحملت أساريرَ وجهها على التبسم فما استطاعت، فاكتفَت بالإطراق! أما هو فما راعَه سياطُ عتابِها كما راعَه بكاؤها، فلقد كانت عبراتها - إذ تتساقط على وجنتيها كأنها اللؤلؤ والمَرجَان- كانت على قلبه أحدَّ من وقع السنان، وألظَى من جَمرِ النيران! فَهمَّ أن يُجيبَها؛ لولا أنَّ سَوادًا من النسوة قد أقبلَ عليهما، إذ قالت واحدةٌ منهنَّ:
— أسيل.. أسيل!
فانحرَفت بوجهها عن موضع الصوت، لتمسَح دمعها، ثم استأذنته في الانصراف، فما نَبَسَ بِذَاتِ شَفَةٍ، وجعلَ لا يرفع بصرَه عنها، كأنما يستعطفها بنظراته ألا تنصرف، أو يستعطفُ عقاربَ الزمان أن تتوقف، أو يَستَعطِفُ الأرضَ أن تميدَ به، وتنشَقَّ فَتُغَيِّبَه بين صفائحها! واستدارَت أسيلُ ومضت تحملُ ألَمَها ولوعَتها، وتحملُ معهما نفسَ خالد وقلبَه.
وقفَ خالدٌ يتأملها وهي تغيبُ عنه شيئا فشيئا، حتى ابتلعَها الأفق وغَيَّبَها، وغَيَّبَ معها أملَه، الذي بدا في منشأه كطفلٍ صغير يحبو، ثم صار شابا يافعا لما أن جاءَته، ثم هَرِمَ وهي تودعه، ثم ها هو ذا يفارق الحياة! فلما حاولَ السيرَ؛ جعلَتْ قدماه لا تحملانِه، يَئطان به أطيطا، كأنما تهدمت فوقَه السَّبعُ الرقاع!
فما ألهَبَه على السير إلا أنه رأى واحدا من أصدقائه الألداء! ذلك الذي وصَمَه بالدونيةِ وعَدَّه كالعاجزِ يتَقَلَّبُ في خيالات القدرة. بدا وكأنه رأى المشهدَ بكامله، وبدَت عليه أماراتُ الشماتة! فلما رأى خالد ذلك؛ لَملَم ما تبقى من أشلاء نفسه المبعثرة، وحملَ نفسَه على المُضِيِّ، ولسانُ حاله:
وتَجَلُّدِي للشامتينَ أُرِيهِمُ أَنِّي لِرَيبِ المَنونِ لا أتَضَعضَعُ
وغادرَ القاعةَ التي جمعت له السعادةَ والشقاءَ في آنٍ، وأسقَته من كليهما في كأس واحد، يمشي كما يمشي الظل إذا انطَفأَ صاحبه! وترك ضيقَ القاعة إلى سعة الأفق، بمكانٍ بعيد، قد تفيأ في نفسه الظلام حتى تَرَسَّلَ على الأفق، وأظلمتُ نفسُه فأظلم الكونُ من حوله.
ومن عجائبِ القدر أن هذه الليلة كانت هي الرابعة عشر من شهر ربيع الأول؛ أي كانت ليلةً بدرية، قد استوى فيها القمرُ في كَبَدِ السماء؛ كأنما أبَتِ المقاديرُ إلا أن تجمع له الحبيبةَ وصورتَها في نفس الليلة؛ إذ كانت قد عَزَمَت على أن تُباعِدَهُ منهما في نفس الليلة!
فرفَع إلى القمر بصرَه طويلا؛ كأنما يتطلعه للمرة الأخيرة، ويرمقه لا بنظرة عاشق يَتعزى به عن حبيبه؛ بل بنظرة مُودِّعٍ يُسَلِّم على آخرِ العهد به! ثم أنشأَ يناجي حبيبَتَه (أسيل) في البدر:
يا ناعسَ الطَّرفِ.. هَلَّا أخبرتَني أَقَتَلتُ نَفسِــــي أم أنتَ قتلتَني؟
زففتَ إليَّ من الوصالِ بِشارَةً ثمَّ انتزعتَ الوصلَ.. فما أبقيتَني
وأَعلَيتَنِي إلى الثُّرَيَّا إذ أزلَفتَنِي ثم إلى حَضيضِ البَيْنِ أَهويتَني
تلاقح قلبَانا إذ هُــــمَـا بمفازةٍ فلَمَّا تناوشَا طرفَ اللِّقا أَبعَدتَني!
وتدانَيا وهما في أصقاعٍ نائيةٍ أَفَأَنأيتَني.. لما إليك أَدنَيتَني؟!
إن كانَ ذَنبِي أنَّ قلبيَ صادقٌ فَبأي حُكمٍ في الهَوى أَدَنتَني
أو حَالَت بيننَا صُروفُ القَضَـــا فَلِمَ آزَرتَ عليَّ القَضَا فَتَهِمتَني؟
لقد رَددتَ إليَّ روحي وبَعَثتَها من جَدَثِ الإياسِ وقد ضَمَّنِي
وسقيتَ بالحنانِ نفسي الذابلة فَرَبَتْ لأنَّك كَلَّمتَنِي فأحييتَني
وأطفأتَ بالقُربى هجيرَ وحشتي فاستأنَــستْ لأني إليك آوَيتَنِي
ذابَت في ثنايا لَحظِك مُهجتي إذا مَا في الصَّــبابةِ غَــيَّـــبتَني
وتَوَقَّيتُ بين عِطفَيكَ لَهْفَـــتِي واستدفعتُ رمضاءَ ما لَوَّعتَني
فلما هانت عليَّ أتراحُ الجَوَى ونسيتُ بؤسي.. إذ بهما ذَكَّرتَني
ما كنتُ أَحسَبُ الوصلَ مُؤذِنًا بالقَطْعِ؛ حتى وَصَلْتَنِي.. فَقَطَعتَني
ما أتعسَ اللُّقيا إن كان مَآلُها إلى تَعَسِ الفراق.. فقد فَارَقتَني!
على شَفيرِ الوَداعِ قد تَزَلَّفَت أرواحُنا.. حينَ أتيتَ تَكَنَّفْتَني
وأرخيتَ عليَّ سُدولَ غَرامِكَ حتى ظَنَنتُكَ بالحنان تَغَشَّيتَني
فلما غَدونَا على شفا تَعَــانقٍ ركلتَني.. إذ تَمَنَّيتُكَ عانَقتني
وسُقتَ إليَّ حتفي.. لكن بِرِقَّةٍ تلاطفني الرحيلَ إذ لاطفتَني؟
وما زال في حنَا النفس جمرُها من غرامِ ما كنتَ به أرمَضتني
ما بثثتُ إليك سرَّ جراحتي ولا أَسفَرتُ عما به أضويتَني
أتمشي الهوينى حين جِئتَني وتعدو حثيثا إذا ما تركتني
ألا حَنانَيكَ بالذي تقطعت أوصالُه لَهَفًا عليك فلا خَلَّيتَنِي
لئن كان أول عهدي بك آخرَه لَقَد جئتَ في المهد لَحدتَني
أَفي عُرس اللقاء كان مَأتَمي كأنَّكَ للرَّمْسِ - لا للعُرسِ- زَفَفتَني
ولعمرك ما عتابُك قد راعَني ولكنَّكَ بالبكاء يا حَبيبُ أَرَعتَني
كأنما عَبراتُك التي أَهرَقتَها علي خَدَيَّ سِيَاطٌ نَزَلنَ فأحرَقنَنِي
فما أحرَقَ الدمعَ إن أنت ذرفتَه وما أحرقَ البَينَ إذَا أنتَ بايَنتَنِي
يا مَن تَعَزَّيتُ به عن كل رَزِيئَةٍ كيفَ إذا فيكَ اليومَ… أَرزأتني
أفديكَ—لَعَمري—بعمري كلِّهِ وأتمناكَ، وربي، وإن هجرتَني
يا بَدرُ إن مَرَّتْ بِعَينَيكَ التي في مُحَيَّاكَ طَيفُها طالما زَارَني
فأخبرها أني لن أبرحَ ذكرها ولأحفظنَّ الهَوَى وإن قَلَوتَني