الرسام العاشق عز
الرسام العاشق
في مدينة هادئة، كانت الشوارع تعرف بعضها كما يعرف القلب نبضه… وهناك بدأت حكاية عز وزينه.
كان عز شابًا بسيطًا، يحب الرسم ويقضي أغلب وقته على ضفاف النيل، يرسم وجوه الناس وأحلامهم. لم يكن يتحدث كثيرًا، لكنه حين يرسم، كان يقول كل ما في قلبه دون كلمة واحدة.
أما زينه، فكانت مختلفة… مليئة بالحياة، تضحك بصوت عالٍ، وتؤمن أن كل يوم يحمل مفاجأة جميلة. كانت تحب القراءة، وتحلم بالسفر واكتشاف العالم.
التقيا لأول مرة صدفة. كانت زينه تمر بجانب عز وهو يرسم، فتوقفت فجأة وقالت:
"هو أنت بترسم الناس من غير ما تستأذن؟"
ابتسم عز بهدوء وقال:
"أنا برسم اللي بيشد قلبي… مش بس شكله."
نظرت إلى الرسم، فوجدت نفسها… لكن ليس كما تراها في المرآة، بل كما تشعر بها من الداخل. صمتت للحظة، ثم جلست بجانبه.
ومن هنا بدأت الحكاية.
أصبحت زينه تأتي كل يوم تقريبًا، تجلس بجانبه وتتحدث بلا توقف، وهو يستمع ويرسم. كانت تملأ حياته بالكلام، وكان يملأ حياتها بالهدوء.
مرّت الأيام، وكبر شيء غريب بينهما… شيء لم يُقال، لكنه كان واضحًا في نظراتهم.
وفي يوم ممطر، تأخرت زينه ولم تأتِ. جلس عز وحده، ينظر للمكان الفارغ بجانبه، وكأن العالم كله أصبح ناقصًا.
وفي اليوم التالي، جاءت زينه… لكنها كانت حزينة.
قالت له بصوت خافت:
"أنا مسافرة… بابا خد شغل في بلد تانية."
سكت عز… لأول مرة لم يجد ما يرسمه ولا ما يقوله.
ثم أخرج ورقة، ورسم بسرعة… أعطاها لها.
كان الرسم لفتاة تقف على طريقين… لكن قلبها مربوط بخيط رفيع لشخص يقف بعيدًا، ينتظرها.
سألته زينه:
"دي أنا؟"
قال:
"ودي أنا… مستنيك."
دمعت عيناها وقالت:
"ولو ما رجعتش؟"
ابتسم عز وقال:
"هفضل أرسمك… لحد ما ترجعي."
سافرت زينه… لكن الرسائل لم تنقطع. كان يرسل لها رسومات، وكانت ترد عليه بحكاياتها.
مرّت سنوات…
وفي نفس المكان، كان عز لا يزال يرسم.
وفجأة… سمع صوتًا يعرفه جيدًا:
"لسه بترسم من غير إذن؟"
رفع رأسه… فوجدها أمامه.
زينه… لكن أجمل، وأقرب، وكأنها لم ترحل يومًا.
ابتسم وقال:
"دي المرة الوحيدة اللي استنيت فيها الإذن… عشان ترجع."
اقتربت منه وقالت:
"رجعت… عشان قلبي كان هنا."
وفي تلك اللحظة، لم يحتج عز أن يرسم…
لأن الحلم الذي كان يرسمه كل يوم… أصبح حقيقة أمامه.
بعد ما رجعت زينه، الدنيا كأنها بدأت من جديد… لكن الحقيقة إن اللي بينهم كان أكبر من مجرد بداية، كان حاجة عاشت جوّاهم سنين.
بقوا يتقابلوا كل يوم على النيل، نفس المكان، نفس الضحك… بس بإحساس أعمق. المرة دي، ماكانش في خوف من الفراق، لكن كان في خوف من الكلام اللي ممكن يغيّر كل حاجة.
وفي يوم، عز كان قاعد بيرسم كعادته… وزينه بتبص له وساكتة، على غير طبيعتها.
قالها:
"ساكتة ليه النهارده؟"
ابتسمت وقالت:
"مستنية تسمع حاجة منك بقالها سنين."
وقف عز، وبص لها بجدية لأول مرة:
"أنا عمري ما بطلت أحبك… لا وإنتي هنا، ولا وإنتي بعيدة."
عيون زينه لمعت، وقالت:
"وأنا عمري ما مشيت فعلاً… قلبي كان دايمًا هنا."
في
بعدها بقى كل شيء أوضح. عز بدأ يشتغل أكتر على رسمه، وفتح معرض صغير لرسوماته… وكان أول ركن فيه باسم "زينه"، مليان بكل الرسومات اللي رسمها ليها طول السنين.
زينه كانت دايمًا جنبه، بتشجعه وتساعده… لحد ما بقى معروف، والناس بتيجي مخصوص تشوف قصتهم في لوحاته.
وفي يوم، عز قالها:
"تيجي معايا مكان؟"
أخدها لنفس المكان اللي اتقابلوا فيه أول مرة.
طلع ورقة… بس المرة دي ماكنش رسم.
كانت مكتوب فيها:
"تتجوزيني يا زينه؟"
زينه ضحكت وهي بتعيط:
"أنا وافقت من زمان… بس كنت مستنية تسأل."
بعد
وعز… ما بطلش يرسم.
بس المرة دي، ماكانش بيرسم زينه عشان يفتكرها…
كان بيرسمها وهي جنبه . ❤️