حين تسرق الذاكرة

حين تسرق الذاكرة

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

د

image about حين تسرق الذاكرة

حين تسرق الذاكرة


في عالم تُباع فيه الذكريات وتُعاد كتابتها كما تُكتب البرامج، لم يعد الماضي شيئًا ثابتًا. صار سلعة، يمكن شراؤه، حذفه، أو حتى تزويره بالكامل.


كان "كريم" شابًا عاديًا يعيش في أطراف مدينة تدعى "أركاديا"، مدينة لا تنام، تلمع فيها الإعلانات على جدران الأبراج، تعد الناس بذكريات مثالية مقابل المال. من يريد طفولة أفضل، أو حبًا لم يعشه، أو نجاحًا لم يحققه… يمكنه ببساطة أن يشتريه. لكن كريم لم يكن مثل الآخرين.


في ليلة عادية، وبينما كان يعمل في توصيل الأجهزة، دخل إلى متجر قديم لتسليم طرد غامض. لم يكن يعلم أن تلك اللحظة ستكسر كل شيء.


الطرد كان عبارة عن شريحة ذاكرة غير مسجلة. وعندما لامستها يده، حدث شيء غير طبيعي… رأى مشاهد ليست له. طفل يركض في مكان مشتعل. امرأة تنادي باسمه. ورجل يقول: “احذفوه من السجل.”


ارتجف كريم وسقط أرضًا.


منذ تلك اللحظة، بدأت ذكرياته تتغير. يستيقظ أحيانًا ليجد أشياء في شقته لا يتذكر شرائها. يعرف أسماء أشخاص لم يلتقِ بهم. بل والأسوأ… بدأ يشك في صور طفولته. هل كانت حقيقية أصلًا؟


قرر البحث عن الحقيقة، متجهًا إلى "المنطقة المحذوفة"، المكان الذي يُقال إن الذكريات الممنوعة تُخزن فيه. هناك، التقى بامرأة تُدعى "ليان"، تعمل في تهريب الذكريات.


نظرت إليه وقالت بهدوء: “أنت لست كما تعتقد… أنت نسخة.”


تجمد الدم في عروقه.


أخبرته أن شخصيته الأصلية تم حذفها منذ سنوات، وأن ما يعيشه الآن مجرد إعادة بناء لشخص آخر، تم زرع حياته داخله. لكن الأخطر لم يكن هذا… بل أن الذكرى التي رآها في الشريحة كانت له هو فعلاً.
المدينة بدأت تراقبه. الأنظمة تعرف أنه بدأ يتذكر. والذكريات المحذوفة لا يُسمح لها بالعودة.
في اللحظة التي حاول فيها الهرب، سمع صوتًا داخل رأسه يقول: “لا تبحث عن الحقيقة… لأنها ستعيدك إلى الصفر.”


لكن كريم استمر، لأنه أخيرًا فهم أن أخطر ما في هذا العالم… ليس فقدان الذاكرة، بل اكتشاف من سرقها.
لم يستطع كريم النوم تلك الليلة.
كلمة "نسخة" كانت تتردد في رأسه كصداع لا ينتهي. كان يمشي في غرفته ذهابًا وإيابًا، ينظر إلى يديه وكأنه يراها لأول مرة. هل هذه يده فعلًا؟ أم أنها جزء مزروع في جسد لا يخصه؟


في صباح اليوم التالي، قرر العودة إلى "أركاديا" نفسها، ليس كعامل توصيل… بل كباحث عن إجابة.
لكن المدينة كانت مختلفة. الإعلانات التي كانت تملأ السماء بدأت تتغير كلما مرّ. وجوه تظهر وتختفي. وأسماء تُستبدل في ثوانٍ. وكأن المدينة نفسها تعرف أنه بدأ يتذكر.
في وسط الطريق، ظهر رجل يرتدي معطفًا أسود، وجهه مغطى بنظارة عاكسة.
قال بصوت هادئ: "أنت متأخر يا كريم… كان يجب أن تبقى نائمًا في ذاكرتك."
تراجع كريم خطوة للخلف: "من أنت؟"
ابتسم الرجل: "أنا الذي كتبك."
ثم رفع يده، فظهرت شاشة هولوغرافية في الهواء، تعرض مشاهد من حياة كريم… لكن بشكل مختلف: طفل يُمسك بيد علماء، مختبر ضخم، عملية زرع ذاكرة.
ثم جملة واحدة: "المشروع 17: إعادة بناء شخصية بشرية مستقرة."
ارتجف كريم: "هذا… كذب."
لكن الرجل رد بهدوء: "الحقيقة ليست ما تتذكره… بل ما تم السماح لك بتذكره."
في تلك اللحظة، ظهر صوت ليان من خلفه: "اهرب!"
لكن الأوان كان قد فات.
انفجرت أجهزة المراقبة في الشارع، وبدأت المدينة تغلق عليه. أبواب إلكترونية، طائرات صغيرة تلاحقه، وأنظمة صوتية تعلن: "تم اكتشاف ذاكرة غير مصرح بها. بدء إعادة الضبط."
ركض كريم بكل ما يملك، بينما المدينة تتحول إلى فخ ضخم.
وصل إلى أسفل مبنى قديم، حيث قالت له ليان: "هناك مكان واحد فقط لا يصلون إليه… مركز الذاكرة الأصلي."
"ولو وصلت؟" سألها.
أجابت: "ستعرف من أنت… أو تختفي تمامًا."
صمت لحظة، ثم قال: "أنا تعبت من أن أكون شخصًا لا أعرفه."
ودخل.
في الداخل، كانت القاعة ضخمة، مليئة بكبسولات زجاجية تحتوي على مئات الأشخاص النائمين. نسخ… أو أشخاص تم إعادة كتابتهم.
وفجأة، رأى كبسولة تحمل اسمه الحقيقي.
لكن قبل أن يقترب، ظهر الرجل ذو المعطف الأسود مرة أخرى: "لو فتحتها، لن تعود كما أنت."
رد كريم: "أنا أصلًا لست أنا."
ثم مد يده.
وبمجرد أن لامس الزجاج… انفجرت كل الذكريات دفعة واحدة داخل عقله.
صرخ.
رأى الحقيقة كاملة: لم يكن مجرد نسخة… بل كان "النسخة الأخيرة الناجحة" من تجربة لإعادة خلق الإنسان المثالي.
لكن ما لم يتوقعوه… أنه سيستيقظ.
وعندما فتح عينيه مرة أخرى… لم يعد كريم وحده.
بل أصبح كل النسخ تستيقظ معه.
ونظام أركاديا بدأ ينهار لأول مرة منذ تأسيسه.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Mohammed تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

2

متابعهم

2

أكثر المقالات تقييمًا هذا الأسبوع
مقالات مشابة
-