"رجعت أدور عليها… واللي لقيته كان صدمة!"
“رجعت أدور عليها… واللي لقيته كان صدمة!”

في أحد أحياء الإسماعيلية الهادئة، كان آدم يعيش حياة بسيطة جدًا.
شاب في الرابعة والعشرين، يعمل في مكتبة صغيرة قرب الجامعة. لم يكن يملك شيئًا مميزًا في نظر الناس؛ لا سيارة فاخرة، ولا ملابس باهظة، ولا حتى حضورًا لافتًا. كان هادئًا لدرجة أن كثيرين يمرون بجواره دون أن ينتبهوا أنه موجود أصلًا.
لكن خلف هدوئه كان يحمل قلبًا مختلفًا.
كان يكتب.
كل ليلة، بعد أن يغلق المكتبة، يعود إلى غرفته الصغيرة ويجلس قرب النافذة، يفتح دفترًا أسود قديمًا، ويكتب قصصًا عن الحب… عن لقاءات لم تحدث، عن أشخاص لم يعرفهم، وعن فتاة كان يشعر دائمًا أنها موجودة في مكان ما، تنتظره دون أن يعرفها.
لم يكن آدم يؤمن كثيرًا بأن الحب الحقيقي يمكن أن يحدث له.
إلى أن جاءت ليلى.
دخلت المكتبة في عصر يوم شتوي، تحمل بين يديها كتابًا قديمًا وقد بدا عليها التردد.
كانت مختلفة.
ليس لأنها جميلة فقط… بل لأن عينيها كانتا تحملان شيئًا غريبًا، مزيجًا من القوة والحزن.
قالت له بهدوء:
— “ممكن تساعدني؟ بدور على رواية… بس مش فاكرة اسمها.”
رفع آدم عينيه إليها، ولأول مرة منذ سنوات شعر أن قلبه نسي كيف ينبض بشكل طبيعي.
سألها:
— “فاكرة منها أي حاجة؟”
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت:
— “النهاية كانت سعيدة… بس طول القصة كانوا بيعانوا.”
ضحك دون أن يشعر.
— “يعني زي أغلب قصص الحب.”
ومن تلك الجملة بدأت الحكاية.
صارت ليلى تأتي إلى المكتبة كثيرًا.
في البداية كانت تسأل عن الكتب فقط… ثم صارت تسأله عن رأيه فيها… ثم عن حياته… ثم عن الأشياء الصغيرة التي لا يسأل عنها أحد.
لم يكن آدم معتادًا أن يهتم به أحد.
ولذلك، كل مرة كانت تدخل فيها، كان يشعر أن يومه يصبح أخف.
كانت تجلس أحيانًا قرب النافذة وتقرأ، بينما يراقبها هو من بعيد ويحاول أن يبدو منشغلًا.
وفي إحدى الأمسيات، هطلت الأمطار بغزارة.
بقيت ليلى عالقة في المكتبة بعد الإغلاق.
وقف آدم مرتبكًا، ثم قال:
— “لو حبيتي… ممكن تستني لحد ما المطر يخف.”
جلست.
ساد الصمت بينهما لدقائق.
ثم قالت فجأة:
— “أنت شخص غريب يا آدم.”
ارتبك.
— “ليه؟”
نظرت إليه طويلًا.
— “لأنك بتسمع كويس… وده نادر.”
كانت تلك أول مرة يشعر أن أحدًا يراه حقًا.
وفي تلك الليلة، تحدثا كثيرًا.
عن الطفولة. عن الأحلام التي ماتت. عن الأشياء التي نخفيها حتى عن أنفسنا.
وعندما خف المطر، خرجا معًا.
كانت الشوارع لامعة من الماء، والهواء باردًا.
سارت ليلى بجواره بصمت، ثم قالت:
— “حاسّة إني أعرفك من زمان.”
لم يرد.
لأنه كان يشعر بالشيء نفسه.
مرت الأسابيع.
وصار آدم يحبها.
ليس الحب الذي يأتي كالعاصفة… بل ذلك الحب الذي يتسلل بهدوء حتى يحتل القلب كله.
كان يعرف تفاصيلها الصغيرة.
تعرف متى تكون حزينة حتى لو كانت تبتسم. تعرف أنها تشرب القهوة دون سكر. تعرف أنها تخاف من الأصوات العالية. وتعرف أنها أحيانًا تنظر بعيدًا وكأنها تحارب شيئًا لا يراه أحد.
لكنه لم يسأل.
حتى جاء اليوم الذي اختفت فيه.
لم تأتِ للمكتبة يومًا… ثم يومين… ثم أسبوعًا.
في البداية أقنع نفسه أنها مشغولة.
ثم بدأ القلق يلتهمه.
كان يفتح باب المكتبة كل صباح وهو يتوقع أن يراها.
لكنها لم تأتِ.
بعد عشرة أيام، وجد ظرفًا صغيرًا على الطاولة.
فتح الرسالة.
"آدم…
أنا آسفة.
كان لازم أمشي.
ما كنتش ناوية أتعلق بيك بالشكل ده.
بس حصل.
وأنا… ما ينفعش أكمل.
سامحني."
تجمد مكانه.
قرأ الرسالة عشرات المرات.
لكن الكلمات لم تشرح شيئًا.
فقط تركت ألمًا ثقيلًا في صدره.
مرت الأيام بعد ذلك بطيئة وقاسية.
عاد آدم إلى وحدته القديمة.
لكن الفرق أن الوحدة هذه المرة كانت مؤلمة.
حتى الكتابة خانته.
كلما أمسك القلم، وجد نفسه يكتب اسمها فقط.
وفي ليلة متأخرة، بينما كان يقلب الكتب دون هدف، سقطت ورقة من بين صفحات أحد الكتب التي كانت تقرؤها ليلى.
كانت ورقة مطوية.
فتحها.
وكانت صدمة.
الورقة كانت تقريرًا طبيًا.
عرف حينها الحقيقة.
ليلى لم تختفِ لأنها أرادت.
كانت تمر بمرحلة علاج قاسية لمرض خطير… وكانت تخاف أن يراها تنهار.
لهذا ابتعدت.
جلس آدم طويلًا لا يتحرك.
ثم أغلق الورقة.
وفي الصباح التالي خرج يبحث عنها.
بحث في أماكن كثيرة.
سأل عنها في المقاهي. في الشوارع. في الأماكن التي كانت تحبها.
حتى وصل أخيرًا إلى مستشفى صغير في طرف المدينة.
رآها من بعيد في الحديقة.
كانت أنحف. أضعف. لكنها كانت هي.
تقدم نحوها.
رفعت رأسها، وعندما رأته اتسعت عيناها.
— “آدم…”
كان صوته مرتجفًا:
— “ليه؟”
خفضت عينيها.
— “ماكنتش عايزاك تشوفني كده.”
اقترب أكثر.
— “وأنا مين قالك إني كنت بحبك عشان تشوفيني قوية بس؟”
بدأت دموعها تنزل.
— “كنت خايفة.”
قال بصوت خافت:
— “وأنا كنت مستعد أخاف معاكي.”
بكت.
لأول مرة منذ شهور، بكت دون أن تخفي نفسها.
جلس بجوارها طويلًا.
لم يكن هناك كلام كثير.
أحيانًا، الحب الحقيقي لا يحتاج أكثر من وجود.
منذ ذلك اليوم، صار يزورها باستمرار.
كان يحكي لها قصصًا. يقرأ لها من دفاتره القديمة. ويجعلها تضحك حتى عندما تكون متعبة.
كانت أيام العلاج صعبة.
مرات كثيرة ظنت ليلى أنها لن تنجو.
وفي كل مرة، كان آدم يقول:
— “أنا لسه ما خلصتش قصتنا.”
كانت تبتسم رغم الألم.
بعد أشهر طويلة…
انتهى العلاج.
وفي صباح ربيعي هادئ، خرجت ليلى من المستشفى.
كان آدم ينتظرها عند الباب.
وقف أمامها مرتبكًا، كعادته.
ثم أخرج من جيبه ذلك الدفتر الأسود القديم.
ناولها إياه.
فتحت الصفحة الأولى.
كان مكتوبًا:
"كل القصص اللي كتبتها قبل ما أعرفك كانت مجرد تدريب…
القصة الحقيقية بدأت يوم دخلتي مكتبتي."
رفعت رأسها وعيناها ممتلئتان بالدموع.
ثم قال:
— “ليلى… أنا بحبك.”
ضحكت وهي تبكي في الوقت نفسه.
— “اتأخرت جدًا.”
— “كنت بخاف.”
— “وأنا كمان.”
ثم اقتربت منه.
وفي شارع صغير تملؤه شمس الصباح، قبّلته للمرة الأولى.
بعد عام…
افتتحا معًا مكتبة صغيرة.
كانت أكبر من القديمة، وأكثر دفئًا.
في الزاوية القريبة من النافذة، جلس آدم يكتب.
وفي المقابل، كانت ليلى ترتب الكتب وتراقبه بابتسامة.
سألته يومًا:
— “بتكتب إيه؟”
رفع رأسه.
ابتسم.
— “النهاية.”
ضحكت.
— “لسه؟”
قال وهو ينظر إليها:
— “لا… دي البداية.”