المعتمد بن عباد ساحر الكلمات
المعتمد بن عباد ساحر الكلمات
كان ياما كان في زمان بعيد يجمع الأهل والأحباب، في بلاد الأندلس الساحرة، حيث أشجار اللوز بنوارها الأبيض وأشجار برتقالها العطرة تخطف العقول والأنظار، عاش ملكٌ شاب ذكي وشجاع يُدعى “المعتمد بن عبّاد". كان المعتمد يحكم مدينة "إشبيلية"، وهي مدينة مليئة بالحدائق الخضراء، والقصور البيضاء، وأشجار البرتقال التي تفوح منها رائحة زكية.
لم يكن المعتمد ملكاً عادياً يجلس على عرشه طوال اليوم، بل كان “شاعراً كبيراً” يحب الكلمات والأشعار، ويجمع في قصره العلماء والأدباء، ويقيم المجالس والمناقشات بين أصحاب العقول اللامعة في كل المملكة .

حكاية المعتمد واعتماد: سحر الكلمات
في يوم من الأيام، كان المعتمد يتمشى مع صديقه الشاعر على ضفاف نهر إشبيلية الجميل. كانت الرياح تداعب صفحة الماء فتتمايل في تموجات تشبه دروع المحاربين. فقال المعتمد لصديقه بيتاً من الشعر يتغزل فيه بالنهر:
"صَنَعَ الرِّيحُ مِنَ المَاءِ زَرَدْ..." (أي أن الريح صنعت من الماء درعاً)
وعجز صديقه عن إكمال البيت الشعري. وفجأة، سُمِعَ صوتٌ عذب لفتاة كانت تغسل الثياب بالقرب من النهر، أكملت البيت قائلة:
"...أَيُّ دِرْعٍ لِقِتَالٍ لَوْ جَمَدْ!"
أُعجب المعتمد بذكائها وفصاحتها كثيراً، وعرف أن اسمها "اعتماد الرميكية". ولم تمضِ أيام حتى تزوجها، وأصبحت شريكة حياته، يبني لها القصور ويملأ أيامها بالفرح.
يوم حبات اللوز والثلج المستعار
كانت زوجته اعتماد تحب زوجها كثيراً، وفي أحد الأيام، رأت الثلج يسقط على الجبال البعيدة، فبكت وقالت للمعتمد: "أتمنى أن أرى الثلج في قصرنا بإشبيلية". لكن إشبيلية مدينة دافئة لا يسقط فيها الثلج!
فكر الملك الشاعر في حيلة ذكية تسعد قلب زوجته. أمر الحراس بزرع آلاف أشجار اللوز على التلال المحيطة بالقصر. وعندما حلّ فصل الربيع، تفتحت زهور اللوز البيضاء الناصعة، فغطت التلال وكأنها ثلج أبيض حقيقي! طارت اعتماد من الفرح، وشكرت زوجها الذي جعل الربيع يبدو كالشتاء الأبيض من أجلها.
الملك الشجاع
لم تكن حياة المعتمد كلها شعراً وقصصاً لطيفة، بل واجهت بلاده أخطاراً كثيرة عندما حاول الأعداء الهجوم على مدينته. هنا، ظهر المعتمد الفارس الشجاع. قاد جيشه بنفسه، ودافع عن إشبيلية بكل قوة لكي يعيش أطفال المدينة في أمان وسلام. كان يرى أن حماية شعبه وأرضه هي الواجب الأهم للملك.
نهاية الرحلة والدرس المستفاد
دارت الأيام، وتغيرت الأحوال، وخسر المعتمد ملكه في النهاية وانتقل ليعيش بعيداً عن قصوره في بلاد المغرب بقرية صغيرة تُدعى "أغمات". ورغم أنه لم يعد ملكاً، ولم يعد يملك الذهب والقصور، إلا أنه ظل ملكاً في قلوب الناس بسبب شعره الجميل وتاريخه الطيب.
نتعلّم من قصة المعتمد بن عباد أن "القصور والذهب قد تزول، ولكن الكلمة الطيبة، والشعر الجميل، والشجاعة في الدفاع عن الوطن، هي الأشياء الحقيقية التي تبقى خالدة في قلوب الناس إلى الأبد."