معركة "السطوح دوت كوم"

معركة “السطوح دوت كوم”
في حارة "العشاق" الهادئة — والتي لم تكن هادئة يوماً — كانت تعيش "أم سيد" و"أم عبده". جارتان يفصل بين شرفتيهما ممر ضيق لا تتعدى مساحته متراً واحداً، لكنه كان كافياً ليكون مسرحاً لأعظم العروض اليومية. أم سيد امرأة خمسينية، تمتاز بربطة رأسها "المحبوكة" وصوتها الذي يخترق الجدران الخرسانية، بينما أم عبده تصغرها بسنوات، وتشتهر بقدرتها العجيبة على تصويب "الشبشب" الطائر بدقة مذهلة.
بدأت المأساة في صباح يوم ثلاثاء مشمس. قررت أم سيد رعاية "ديك" هندي خارق النشاط على سطح بيتها. لم يكن ديكاً عادياً، بل كان يملك بحة صوتية تشبه محرك سيارة نقل قديمة، والأهم من ذلك أنه كان يملك فضولاً جغرافياً يدفعه دائماً للقفز إلى سطح أم عبده لسرقة طعام دجاجاتها.
الشرارة الأولى
في تمام الساعة السابعة صباحاً، وبينما كانت أم عبده تنشر الغسيل الأبيض الناصع، قرر الديك الهندي القيام بمناورة عسكرية. قفز فوق حبل الغسيل، وترك بصمة طينية مميزة على "ملاية" سرير بيضاء كانت أم عبده قد قضت ساعتين في غسلها.
نظرت أم عبده إلى الملاية، ثم إلى الديك الذي وقف يكاكي ببرود، ومن ثم وجهت نظرها نحو شباك أم سيد. هنا، دقت طبول الحرب.
وضعت أم عبده يديها في وسطها (الوضعية الكلاسيكية للاستعداد للردح)، وأطلقت زغرودة مقلوبة أشبه بإنذار الغارات الجوية:
"يا دبلة الخطوبة عقبالنا كلنا.. لما نشوف مين اللي هيربّي طيوره ومين اللي هيربّي جيرانه! يا حارة يا للي غسيلها أبيض وبقى بقدرة قادر لوحة فنية!"
اندلاع الملحمة
لم تكد الكلمات تلامس الهواء حتى انفتح شباك أم سيد بعنف، لتطل منه برأسها الملفوف بـ "الإيشارب" الأسود، وقالت بنبرة تقطر سخرية:
"جرى إيه يا عمر الصبا والجمال؟ ماله ديكي؟ ده ديك ابن ناس ومتربي على الغالي، مش زي ناس بتاكل العيش الناشف وتعمل فيها هوانم جاردن سيتي! الملاية مش عاجباكي؟ اغسليها تاني، الصحة ياما تروح وتيجي يا حبيبتي!"
صفقت أم عبده بيديها بقوة (الحركة الشهيرة بالخمسة وخميسة) وقالت:
"يا عيني على الروقان! ديك ابن ناس؟ ده ديك "جربان" واخد في نفسه قلم، شبه صاحبه بالظبط! نازل ليل نهار يفتش في زبالة الحارة، ويجي يتبغدد على ملاياتي! ده أنا غسلاها بـ (برسيل) وانتي غسيلك ريحته تودي لآخر الشارع من قلة النظافة!"
هنا، وصلت أم سيد إلى مرحلة الغليان. عدلت وضعية طرحتها، وأخذت نفساً عميقاً، وبدأت في إطلاق "سيمفونية الردح البلدي" الموزون:
“أنا غسيلي ريحته وحشة يا معقمة يا نضيفة؟ يا اللي بتطبخي الرز بالواحدة عشان توفري! يا اللي بتسرحي شعرك بمشط مكسور وتعملي فيها سِت الهوانم! روحي اتعلمي العجين الأول بدل العيش اللي بيطلع منك شبه كوتش الكاوتش! ده أنتي لو دخلتي مسابقة جمال القطط تطلعي في المركز الأخير تضامناً مع البيئة!”
ذروة الكوميديا
تجمع أهل الحارة في الأسفل. "عم حسنين" البقال أحضر كرسياً وجلس يستمتع بالعرض، بينما الشباب بدأوا في تصوير المشهد بهواتفهم كأنه بث مباشر لمباراة نهائية.
لم تستسلم أم عبده، بل نزلت إلى مستوى "الردح الإيقاعي"، فأخذت تصفق بيد وتضرب بالأخرى على فخذها قائلة:
“يا أرض اخسفي ما عليكي.. شوفي مين بيتكلم! أم سيد اللي بتستلف البصلة من الجارة وتعمل عليها شوربة لوز! يا اللي بتسرحي بشنبِك في الحارة وتقولي ده تاتو! روحي يا اختي شوفي ابنك سيد اللي ساقط في تالتة إعدادي بقاله خمس سنين لما المدرسة سمته (أبو التاريخ)!”
ردت أم سيد وهي تلوح بملعقة خشبية كبيرة:
"ابني سيد سيد الرجالة، بكرة ينجح ويقعدك على الرصيف تبيعي ترمس! لكن قوليلي يا اختي، فين جوزك عبده اللي بيمشي في الشارع يكلم نفسه من كتر "النق" بتاعك؟ ده الراجل شعره شاب وهو لسه في الثلاثين من كتر ما بتصحي الصبح تقولي له (هات ومات)!"
نهاية غير متوقعة
بينما كانت المعركة في أوجها، والشتائم الطريفة تتطاير كالقذائف، حدث ما لم يكن في الحسبان. تعثر الديك المشاغب، الذي كان يتابع الخناقة باهتمام من فوق السور، وسقط مباشرة في "طشت" غسيل مليء بالماء والصابون الأزرق كانت أم عبده قد جهزته لشطف بقية الملابس.
بدأ الديك يكاكي بفزع وهو يحاول الخروج مبللاً تماماً باللون الأزرق. نظرت المرأتان إلى الديك، وساد الصمت للحظة. ثم فجأة، انفجرت أم سيد بالضحك، وتلتها أم عبده بضحكة هستيرية هزت أرجاء الحارة.
قالت أم سيد وهي تمسح دموع الضحك:
“شوفي يا اختي.. الديك بقى لونه فيروزي! شبه الفراخ الصيني اللي في الكرتون!”
ردت أم عبده وهي تبتسم:
"طب والله لايق عليه الأزرق أكتر من الأبيض! انزلي يا أم سيد اشربي الشاي عندي، وننشف الواد "سيد" الديك ده مع بعض قبل ما يجيله برد!"
وانتهت المعركة بسلام، ونزلت أم سيد حاملة معها طبقاً من الكعك، لتجلس الجارتان على السطح تضحكان على "الردح" الذي دار بينهما، وسط دهشة أهل الحارة الذين تفرقوا وهم يشعرون بخيبة أمل لأن العرض الكوميدي اليومي قد انتهى سريعاً.