لغز الشقة رقم 17

لغز الشقة رقم 17

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

القضية التي حيرت الجميع حتى كشفت الساعة السر الاخير. 

 

في تمام الساعة الثامنة مساءً، تلقّى المحقق آدم نادر اتصالًا بدا مختلفًا عن أي بلاغ اعتاد استقباله.

كان صوت الضابط المناوب منخفضًا على غير عادته.

“لدينا وفاة غامضة في الشقة رقم 17... لا توجد آثار اقتحام، ولا سلاح جريمة، وكل شيء يبدو طبيعيًا بصورة تثير الشك.”

image about لغز الشقة رقم 17

أغلق آدم الهاتف، وأخذ معطفه الأسود، ثم انطلق نحو المبنى الواقع في شارع هادئ يكاد يخلو من المارة.

كان المطر يتساقط بخفة، بينما انعكست أضواء سيارات الشرطة على الأسفلت المبلل، مانحة المكان شعورًا بالكآبة.

تجمع السكان أمام المبنى، لكن أحدًا لم يكن يجرؤ على الاقتراب من باب الشقة.

الجميع يهمس بالجملة نفسها:

“لا أحد دخل... ولا أحد خرج.”

أول مشهد داخل الشقة

فتح رجال الأدلة الجنائية الباب.

كانت الشقة مرتبة بصورة مدهشة.

لم يكن هناك أثاث مقلوب، ولا زجاج مكسور، ولا آثار مقاومة.

في منتصف غرفة المعيشة جلس رجل في منتصف الخمسينيات على كرسي خشبي، وكأنه كان ينتظر شخصًا يعرفه جيدًا.

لكن الحقيقة أنه كان ميتًا منذ ساعات.

اقترب آدم ببطء.

بدأ يلاحظ التفاصيل الصغيرة التي غالبًا ما يهملها الآخرون.

كوب قهوة لم يُشرب سوى نصفه.

كتاب مفتوح على الصفحة السابعة والثمانين.

ساعة حائط متوقفة عند التاسعة وثماني عشرة دقيقة.

نافذة مغلقة بإحكام.

هاتف محمول بلا أي رسائل حديثة.

رفع رأسه وقال:

“الجريمة هنا... لكن القاتل ليس هنا.”

نظر إليه الضباط باستغراب.

أول دليل يغيّر كل شيء

فحص الطبيب الشرعي الجثة.

قال بثقة:

“الوفاة حدثت بين التاسعة والعاشرة مساءً.”

لكن آدم لم يقتنع.

أعاد النظر إلى الساعة المتوقفة.

سأل أحد الضباط:

“من أوقف الساعة؟”

أجاب الضابط:

“ربما تعطلت.”

ابتسم آدم ابتسامة خفيفة.

“لا... شخص ما أرادنا أن نصدق ذلك.”

ساد الصمت في الغرفة.

بدأ الجميع ينظر إلى الساعة كأنهم يرونها لأول مرة.

شهادة الجيران

استجوب آدم سكان المبنى واحدًا تلو الآخر.

قالت السيدة العجوز التي تعيش في الشقة المقابلة:

“سمعت ضحكة عالية حوالي الثامنة والنصف.”

وأضاف شاب يسكن في الطابق نفسه:

“ثم عمّ الهدوء... لم أسمع شيئًا بعدها.”

أما حارس العقار فأقسم:

“لم يغادر أحد المبنى طوال الليل.”

كانت الأقوال متشابهة، لكنها لا تفسر شيئًا.

إذا لم يدخل أحد، ولم يخرج أحد، فمن المسؤول؟

الملاحظة التي لم ينتبه إليها أحد

أثناء تجوله في المطبخ، لاحظ آدم شيئًا بسيطًا للغاية.

كانت هناك ثلاث ملاعق مغسولة حديثًا على رف التجفيف.

لكن في الشقة شخص واحد فقط.

توقف للحظة.

نظر إلى إبريق القهوة.

ثم إلى الأكواب.

ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.

همس لنفسه:

“الضحية لم يكن وحده.”

لكن السؤال الحقيقي لم يكن:

من كان معه؟

بل:

لماذا اختفى كل أثر لذلك الشخص؟

قبل أن يغادر آدم الشقة، طلب من أحد الضباط تفريغ كاميرات المراقبة في الشارع.

بعد دقائق عاد الضابط وهو يحمل جهاز التخزين.

قال بصوت مرتبك:

“سيدي... هناك مشكلة.”

رفع آدم نظره.

“ما هي؟”

أجاب الضابط:

“الكاميرات سجلت كل شيء... إلا الساعة التي وقعت فيها الجريمة.”

ساد الصمت.

أدرك آدم أن القضية لم تعد مجرد جريمة قتل، بل أصبحت لغزًا محكمًا، وكأن شخصًا ما كان يسبق الشرطة بخطوة في كل مرة.هل أخفت كاميرات المراقبة الحقيقة؟

في صباح اليوم التالي، جلس المحقق آدم داخل غرفة الأدلة يتأمل تسجيلات الكاميرات مرة أخرى. كان مقتنعًا بأن أي لغز، مهما بدا معقدًا، يترك خلفه خطأً صغيرًا.

أعاد تشغيل التسجيل للمرة الخامسة.

ظهر السكان يدخلون ويخرجون من المبنى بصورة طبيعية، ثم فجأة…

انقطع التسجيل لمدة سبع دقائق كاملة.

لم يكن الانقطاع بسبب عطل كهربائي، فالكاميرات الأخرى في الشوارع المجاورة كانت تعمل دون أي مشكلة.

قال خبير التقنية:

“هذا ليس عطلًا... شخص ما حذف هذه الدقائق فقط.”

رفع آدم حاجبيه في دهشة.

إذا كان القاتل قادرًا على حذف تسجيلات الكاميرات، فهو ليس شخصًا عاديًا.

رسالة مجهولة

بينما كان الفريق يفحص متعلقات الضحية، عثر أحد الضباط على ظرف أبيض صغير مخبأ داخل أحد الكتب.

لم يكن مكتوبًا عليه اسم.

فتحوه بحذر.

وجدوا ورقة تحمل جملة واحدة فقط:

“الحقيقة لا تختبئ... لكنها أحيانًا ترتدي قناعًا.”

لم يكن هناك توقيع أو بصمات واضحة.

لكن الورقة كانت جديدة، وكأنها وُضعت قبل ساعات قليلة من الوفاة.

قال أحد الضباط:

“ربما كان القاتل يسخر منا.”

لكن آدم هز رأسه.

“لا... هذه الرسالة موجهة لشخص يعرف معناها.”

الماضي الذي لم يعرفه أحد

بدأ الفريق البحث في حياة الضحية.

كان اسمه إبراهيم السيوفي، رجل أعمال متقاعد يعيش بمفرده منذ سنوات.

لكن أثناء مراجعة ملفاته البنكية، ظهرت معلومة غير متوقعة.

قبل أسبوع واحد فقط من وفاته، سحب مبلغًا كبيرًا من المال نقدًا.

الغريب أن هذا المال لم يُعثر عليه داخل الشقة.

ولم يظهر أي دليل على سرقة المكان.

فأين اختفى؟

شاهد جديد يقلب التحقيق

في مساء اليوم نفسه، حضر رجل إلى مركز الشرطة وطلب مقابلة المحقق آدم.

قال إنه يعمل سائق سيارة أجرة.

وأكد أنه أوصل الضحية ليلة الحادث إلى المبنى.

لكن…

لم يكن الضحية وحده.

كان يجلس بجواره شاب يرتدي قبعة سوداء، ولم ينطق بكلمة طوال الطريق.

سأل آدم:

“هل تستطيع التعرف عليه إذا رأيته؟”

أجاب السائق بثقة:

“لن أنسى عينيه أبدًا.”

كانت هذه أول مرة يظهر فيها دليل يؤكد أن شخصًا آخر دخل المبنى مع الضحية.

لكن الكاميرات لم تسجل دخوله.

وهنا عاد السؤال الأصعب:

كيف دخل دون أن يظهر؟

خطأ صغير كشف سرًا كبيرًا

أعاد آدم تفتيش الشقة للمرة الثالثة.

وأثناء مروره بجوار غرفة النوم، لاحظ شيئًا غريبًا.

إطار إحدى اللوحات كان مائلًا بدرجة بسيطة.

أزال اللوحة من مكانها.

لتظهر خلفها خزنة حديدية صغيرة.

بعد فتحها، لم يجد المال.

بل وجد دفترًا قديمًا يحتوي على أسماء وتواريخ ومبالغ مالية.

كانت جميع الأسماء مشطوبًا عليها بالقلم الأحمر.

إلا اسمًا واحدًا فقط.

“سليم عزام.”

قال الضابط:

“هل هو شريك الضحية؟”

أجاب آدم وهو يغلق الدفتر:

“أعتقد أنه أكثر من ذلك.”

اتصال في منتصف الليل

بينما كان آدم يغادر المركز، رن هاتفه.

كان الرقم مجهولًا.

تردد قليلًا ثم أجاب.

لم يسمع سوى صوت رجل يقول بهدوء:

“إذا أردت حل القضية... فتوقف عن البحث في الشقة رقم 17.”

ثم أُغلق الخط.

حاول فريق الاتصالات تتبع المكالمة، لكنها كانت صادرة من هاتف مؤقت أُلقي في أحد صناديق القمامة بعد دقائق من استخدامها.

ابتسم آدم ابتسامة خفيفة.

“الآن فقط... بدأت القضية تكشف عن وجهها الحقيقي.”

مفاجأة قبل نهاية الجزء

في صباح اليوم التالي، وصلت نتائج تحليل البصمات.

لم يجد الخبراء بصمات غريبة داخل الشقة.

لكنهم اكتشفوا شيئًا أكثر غرابة.

كانت جميع الأسطح التي يُفترض أن تحمل بصمات شخصين أو أكثر قد مُسحت بعناية شديدة.

شخص ما لم يترك خلفه أي أثر…

إلا أثرًا واحدًا.

شعرة قصيرة عالقة في ياقة معطف الضحية.

عندما أرسلها آدم إلى المختبر لتحليل الحمض النووي، قال له الخبير:

“النتيجة ستصلك خلال ساعات.”

لكن قبل أن تصله النتيجة…

دخل أحد الضباط مسرعًا وهو يصرخ:

“سيدي... لقد اختفى الشاهد الوحيد!”

ساد الصمت في الغرفة.

أدرك آدم أن القاتل لم يكن يراقب التحقيق فحسب…

بل كان يسبقهم دائمًا بخطوة.

نتيجة تحليل الحمض النووي

لم تمر سوى ثلاث ساعات حتى تلقى المحقق آدم اتصالًا من مختبر الأدلة الجنائية.

قال الخبير بصوت يحمل شيئًا من الدهشة:

“لقد ظهرت النتيجة... لكنك لن تصدقها.”

أسرع آدم إلى المختبر.

وضع الخبير التقرير أمامه، ثم أشار إلى اسم صاحب العينة.

سليم عزام.

الاسم نفسه الذي وُجد داخل الدفتر السري في خزنة الضحية.

لم يعد الأمر مجرد مصادفة.

كان سليم مرتبطًا بالقضية بطريقة مباشرة.

من هو سليم عزام؟

بعد مراجعة السجلات القديمة، اكتشف آدم أن سليم كان شريكًا للضحية قبل خمسة عشر عامًا.

أسسا معًا شركة صغيرة، لكنها أفلست في ظروف غامضة.

اختفى سليم بعدها تمامًا، بينما استطاع إبراهيم إعادة بناء ثروته وحده.

لكن الملفات كشفت حقيقة مختلفة.

لم يكن الإفلاس طبيعيًا.

بل كان نتيجة عملية احتيال مالية، تحمّل سليم وحده عواقبها، بينما خرج إبراهيم دون أي إدانة.

منذ ذلك اليوم، لم يره أحد.

حتى ليلة الجريمة.

العثور على الشاهد

بعد يومين من البحث، عثرت الشرطة على سائق سيارة الأجرة الذي اختفى.

كان محتجزًا داخل مخزن مهجور خارج المدينة، لكنه لم يُصب بأذى.

قال إن رجلًا ملثمًا اختطفه وهدده بعدم الإدلاء بأي شهادة.

وعندما عرضوا عليه صور المشتبه بهم، توقف عند صورة واحدة.

سليم عزام.

الساعة التي كشفت الخدعة

عاد آدم إلى الشقة رقم 17 للمرة الأخيرة.

وقف أمام ساعة الحائط المتوقفة عند التاسعة والثامنة عشرة دقيقة.

ثم طلب من فريق الأدلة فكها بالكامل.

وبالفعل، اكتشف الفني شيئًا لم يكن متوقعًا.

لم تتعطل الساعة.

بل وُضعت داخلها قطعة معدنية صغيرة أوقفت حركتها عمدًا.

لكن المفاجأة الحقيقية كانت وجود مفتاح صغير جدًا مخبأ داخل هيكل الساعة.

لم يكن مفتاحًا للشقة.

ولا للخزنة.

بل كان مفتاحًا لصندوق أمانات في أحد البنوك.

صندوق الأمانات

بعد الحصول على إذن من النيابة، فتح الفريق الصندوق.

وجدوا بداخله مستندات قديمة، وعقودًا مالية، ورسائل مكتوبة بخط إبراهيم.

اعترف فيها بأنه لفّق الأدلة ضد شريكه سليم ليستولي على الشركة وحده.

كما احتوت الرسائل على إيصالات تثبت تحويل أموال ضخمة إلى حسابات سرية.

أصبح الدافع واضحًا.

لكن بقي سؤال واحد:

إذا كان سليم هو القاتل…

فلماذا ترك كل هذه الأدلة التي ستدينه؟

المواجهة الأخيرة

بعد تتبع الاتصالات والتحويلات، تمكنت الشرطة من تحديد مكان سليم داخل منزل ريفي مهجور.

دخل آدم مع فريقه بحذر.

كان سليم يجلس بهدوء وكأنه كان ينتظرهم.

لم يحاول الهرب.

قال وهو ينظر إلى آدم:

“استغرقت وقتًا أقل مما توقعت.”

أجابه آدم:

“كنت تعلم أننا سنصل إليك.”

ابتسم سليم بحزن.

ثم قال:

“لم أكن أريد الهرب.”

الاعتراف

بدأ سليم يروي قصته.

قبل خمسة عشر عامًا، خسر كل شيء بعدما خانه شريكه إبراهيم.

سُجن، وفقد أسرته وسمعته.

وعندما خرج، حاول مواجهة إبراهيم بالحقيقة.

في ليلة الحادث، ذهب إلى الشقة ليطلب منه الاعتراف ورد الحقوق.

في البداية دار بينهما حديث هادئ.

ثم اعترف إبراهيم بالفعل، لكنه رفض تسليم المستندات أو الاعتذار.

احتدم النقاش.

وأثناء محاولة إبراهيم طرد سليم، سقط بقوة وارتطم رأسه بحافة الطاولة.

وقف سليم مصدومًا.

كان إبراهيم قد فارق الحياة.

بدافع الخوف، قرر سليم إخفاء وجوده في الشقة، فمسح بصماته، وأوقف الساعة ليضلل المحققين، وأخفى المستندات في صندوق الأمانات الذي كان يعرفه من أيام الشراكة.

الحقيقة الكاملة

استمع آدم إلى الاعتراف كاملًا، لكنه لم يكتفِ به.

أعاد مطابقة رواية سليم مع تقرير الطب الشرعي وآثار الارتطام داخل الشقة.

وتبيّن أن الإصابات تتوافق مع سقوط قوي، وليس مع اعتداء متعمد.

ومع ذلك، فإن ما فعله سليم بعد الحادث من إخفاء الأدلة، وتعطيل الكاميرات، واحتجاز الشاهد، جعله مسؤولًا أمام القانون.

نظر آدم إلى سليم وقال:

“ربما لم تبدأ الليلة بجريمة قتل متعمدة... لكن كل قرار اتخذته بعدها حوّل الحقيقة إلى متاهة.”

خفض سليم رأسه بصمت، ومد يديه ليُقيَّد.

انتهت القضية، لكن المحقق آدم خرج منها بقناعة جديدة:

أحيانًا لا يكون أصعب ما في التحقيق هو العثور على الجاني، بل التمييز بين الحقيقة التي حدثت، والحقيقة التي يحاول الجميع أن يصدقها.

بعد أسابيع، أُغلقت الشقة رقم 17، وبقيت ساعة الحائط محفوظة في غرفة الأدلة كشاهد صامت على واحدة من أكثر القضايا غموضًا، ولتذكّر كل محقق بأن أصغر التفاصيل قد تكون المفتاح الذي يكشف أكبر الأسرار.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Rasha Albadrawy تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-