على حافة الإنهيار
على حافة الانهيار... أوقات الإنسان بيوصل لمرحلة يحس فيها إن الدنيا كلها قفلت في وشه، وإن مفيش حد فاهم حجم الوجع اللي جواه. ساعات الضحكة اللي الناس بتشوفها بتكون مجرد قناع بيخبي تعب سنين، ودموع محدش شافها. يمكن كل واحد فينا مر بلحظة حس فيها إنه خلاص فقد القدرة على المقاومة، لكن الحقيقة إن أوقات النهاية اللي بنفتكرها نهاية، بتكون مجرد بداية لحياة جديدة ربنا كاتبها لينا. القصة دي بتحكي عن بنت عاشت سنين وهي بتحاول تقاوم كسرات متتالية، لحد ما وصلت للحظة كانت شايفة إنها آخر محطة في حياتها. لكن رسالة بسيطة، وحلم غريب، وآية من القرآن الكريم، كانوا السبب في إن حياتها تتغير بالكامل. فهل فعلًا كانت النهاية؟ ولا كانت بداية طريق جديد مليان أمل؟
محدش بيصحى من النوم فجأة ويبقى شخص تاني. الحكاية بتبدأ بحاجة صغيرة، كلمة، موقف، خذلان، أو كسر بيستخبى جواك من غير ما حد يحس. ومع الوقت، كل حاجة بتتراكم لحد ما تلاقي نفسك مش عارف إنت بقيت مين.
كنت قاعدة في أوضتي في ليلة هادية، شبه كل الليالي اللي عدت عليا في آخر سنتين. مفيش صوت غير صوت المروحة، ونور الأباجورة الخافت، وأنا قاعدة أبص للسقف وأفكر في كل اللي حصل.
كنت حاسة إني تعبت…
مش تعب جسم، لكن تعب روح.
مسكت الفون، وفتحت شات أقرب واحدة ليا. أكتر إنسانة كانت عارفة تفاصيل حياتي، وكانت شاهدة على كل مرة كنت بقول فيها: "أنا كويسة"، وأنا من جوايا كنت بصرخ.
فضلت أبص للشاشة شوية، وبعدها بدأت أكتب…
“قوليلهم إني مش مسمحاهم... وإن كل كلمة وجعتني عمرها ما راحت من قلبي.”

وقفت أبص للرسالة دقيقة كاملة.
صوابعي كانت قريبة من زر الإرسال، لكن مقدرتش.
قفلت الشاشة، وحطيت الفون على المكتب.
وفجأة... الذكريات هاجمتني مرة واحدة.
افتكرت نفسي وأنا صغيرة، البنت اللي كانت بتضحك من قلبها، واللي كانت بتحلم كتير، ومش بتخاف من أي حاجة.
افتكرت المدرسة، وأصحابي، وأول مرة حسيت إن الغيرة ممكن تكسر حد.
بعدها افتكرت أول موقف ظلم عشته بجد... يومها بكيت في سجودي، وكنت متأكدة إن ربنا مش هيسيب حقي، وفعلاً عدى الموقف، وعدت الأيام، وكملت حياتي.
وقتها كنت قوية.
مكنتش بسيب حد يشوف دموعي.
لكن اللي حصل بعد كده... هو اللي غير كل حاجة.
نتيجة الثانوية العامة مكانتش مجرد ورقة درجات.
كانت أول مرة أحس إن حلم كامل وقع قدامي.
دخلت كلية عمري ما كنت بتمنى أدخلها، ومن يومها وأنا بحاول أقنع نفسي إني راضية، لكن الحقيقة كانت غير كده.
بدأت ثقتي في نفسي تقل واحدة واحدة.
بقيت أخاف من أبسط المواقف.
بقيت أراجع كل كلمة قبل ما أقولها.
وأوقات كتير كنت بسأل نفسي…
“هو أنا فعلًا اتغيرت... ولا أنا رجعت لشخص عمري ما كنت أعرفه؟”
ومن هنا... بدأت أصعب فترة في حياتي.
لما الناس اللي حبيتهم بقوا سبب وجعي
أول سنة في الكلية كانت بداية جديدة بالنسبة لي. كنت داخلة وأنا بقول لنفسي: "يمكن دي الفرصة اللي أعوض بيها كل اللي فات." وبالفعل، اتعرفت على ناس حسيت إنهم شبهّي. ضحكنا، خرجنا، ذاكَرنا مع بعض، وبدأت أصدق إن ربنا عوضني عن كل حاجة وحشة حصلت قبل كده.
كنت بحبهم بجد.
ولما بقول بحبهم، فأنا أقصد إني كنت بعتبر فرحتهم من فرحتي، وزعلهم من زعلي. لو حد احتاجني في أي وقت، كنت أول واحدة أجري عليه من غير ما أفكر.
مكنتش مستنية مقابل.
كل اللي كنت محتاجاه هو إن ألاقي نفس الاهتمام اللي بديه.
لكن مع الوقت... كل حاجة بدأت تتغير.
بقيت ألاحظ إن كلام بيتقال من ورا ضهري، ومواقف غريبة بتحصل قدامي. أسرار كنت بحكيها بكل ثقة، لقيتها بقت معروفة لناس عمرها ما كان المفروض تعرفها.
في الأول كنت بقول يمكن سوء تفاهم.
بعدها قلت يمكن أنا اللي حساسة زيادة.
لكن الحقيقة كانت أوضح من أي تبرير.
كل مرة كنت بسكت فيها عشان أحافظ على العلاقة، كانوا بيعتبروا سكوتي ضعف.
وكل مرة كنت بعدّي موقف مؤذي، كانوا يتمادوا أكتر.
لحد ما جه اليوم اللي قررت فيه أدافع عن نفسي.
اتكلمت لأول مرة.
وقلت اللي مضايقني بكل هدوء.
لكن بدل ما ألاقي حد يسمعني... لقيت نفسي أنا اللي بقيت الغلطانة.
أنا اللي "كبرت الموضوع".
وأنا اللي "حساسة".
وأنا اللي "فاهمة كل حاجة غلط".
رجعت يومها البيت، وقعدت قدام المراية أبص لنفسي.
وسألت سؤال عمره ما فارقني بعد كده…
“هو أنا فعلًا المشكلة؟”
السؤال ده كان بداية حرب بيني وبين نفسي.
بدأت أشك في كل قرار باخده.
في كل كلمة بقولها.
وفي كل تصرف بعمله.
الثقة اللي كنت ببنيها سنين... اتهدت في شهور.
بقيت بخاف أتعرف على ناس جديدة.
وبخاف أتعلق بأي حد.
وبقيت أعتذر حتى وأنا معملتش حاجة.
الابتسامة اللي كانت بتيجي لوحدها، بقت مجهود.
والضحكة بقت تمثيل.
والهدوء اللي الناس كانت بتحسدني عليه... كان مجرد تعب مستخبي جوايا.
يمكن أصعب إحساس في الدنيا، إنك تبقى وسط ناس كتير... وتحس إنك لوحدك.
وده بالظبط اللي كنت بعيشه كل يوم.
الرسالة اللي محدش كان المفروض يقراها
عدت أيام وأنا بحاول أعيش بشكل طبيعي، لكن الحقيقة إني كنت بتكسر من جوايا يوم بعد يوم. بقيت أرجع البيت، أقفل باب أوضتي، وأفصل نفسي عن الدنيا كلها.
مبقتش بحب أخرج.
مبقتش برد على حد.
حتى الناس اللي كانت بتسأل عليا، كنت أرد عليهم بكلمة أو كلمتين وأقفل أي كلام.
لأول مرة في حياتي، حسيت إن الوحدة بقت أهون من وجود ناس حواليا.
وفي الليلة دي…
مسكت الفون، وفتحت شات أقرب صاحبة ليا.
فضلت أبص على الشاشة شوية، وبعدها بدأت أكتب…
“قوليلهم إني مش مسمحاهم... وإن كل وجع سابوه جوايا هيفضل شاهد عليهم. أنا تعبت، وتعبت أوي من إني كل يوم بمثل إني بخير.”
وقفت.
قريت الرسالة مرة…
واتنين…
وتلاتة…
دموعي كانت بتنزل على الشاشة، وكل كلمة كنت كاتبها كانت طالعة من قلب موجوع بقاله سنين.
لكن فجأة…
لقيت نفسي بمسح الرسالة كلها.
مش عشان الوجع راح…
لكن عشان جوايا كان لسه فيه جزء صغير بيقول:
“يمكن بكرة يبقى أحسن.”
حطيت الفون على المكتب، وسندت راسي على إيدي.
افتكرت كل حاجة مرت عليا.
كل كلمة تنمر سمعتها.
كل مرة حسيت فيها إني أقل من غيري.
كل مرة اتكسرت فيها وسكت.
وكل مرة كنت محتاجة حد يسمعني، ولقيت نفسي لوحدي.
وقتها فهمت إن أصعب حاجة مش إن الناس تجرحك…
أصعب حاجة إنك تبدأ تصدق كلامهم عن نفسك.
بقيت شايفة نفسي بعينهم.
شايفة إني مش كفاية.
وإني مهما عملت... عمري ما هكون كويسة.
فضلت أبص قدامي وأنا تايهة.
والفون لسه مفتوح قدامي.
وفجأة…
ظهر إشعار من رقم كنت مميزة رنته من سنين، أيام ما كانت الحياة أبسط، والقلوب أنضف.
اتجمدت مكاني.
الاسم لوحده رجعلي ذكريات كنت فاكرة إنها انتهت.
فتحت الرسالة بتردد…
وكان مكتوب فيها كلمتين بس:
“عاملة إيه؟”
ابتسمت ابتسامة باهتة، ومكنتش عارفة أرد بإيه.
بعد ثواني كتبت:
“بحاول أبقى كويسة...”
لكن قبل ما أبعت الرسالة، حسيت إن عيني بتقفل من التعب.
وسندت راسي على المكتب…
ومن غير ما أحس…
غرقت في نوم عميق، وكان الحلم اللي شوفته بعدها هو نقطة التحول اللي غيرت كل حاجة في حياتي.
لقيت نفسي واقفة في مكان غريب... ضلمة من كل ناحية، ومفيش غير صوت خطواتي. كنت بمشي وأنا تايهة، وكل ما أنادي محدش يرد.
وفجأة…
بدأت أسمع أصوات.
أصوات ناس كانوا في يوم من الأيام جزء من حياتي.
كل كلمة جرحتني رجعت تتردد في وداني.
“إنتِ فاشلة.”
“إنتِ مش هتعملي حاجة.”
“إحنا استحملناكي كتير.”
“المشكلة فيكي إنتِ.”
كنت كل ما أحاول أجري بعيد، الأصوات تفضل ورايا، لحد ما وقفت وغطيت وداني بإيديا وأنا بصرخ:
“بس... كفاية!”
وفجأة... كل حاجة سكتت.
وبعدها ظهر نور خفيف من بعيد.
بدأ يقرب واحدة واحدة.
ولقيت نفسي شايفة نسخة مني... لكن مش النسخة اللي أنا عليها دلوقتي.
شفت البنت الصغيرة…
البنت اللي كانت بتضحك من قلبها.
اللي كانت بتحلم من غير خوف.
اللي كانت بتثق في نفسها.
بصتلي بابتسامة وقالت:
“هو إنتِ نسيتي أنا مين؟”
اتصدمت.
فضلت أبصلها من غير ما أتكلم.
قالتلي وهي ماسكة إيدي:
“إنتِ طول عمرك قوية... بس سيبتي كلام الناس يعرفك بنفسه، ونسيتِ تعرفي نفسك بنفسك.”
دموعي نزلت.
قلتلها بصوت مكسور:
“أنا تعبت...”
ابتسمت وقالت:
“التعب مش نهاية... النهاية الحقيقية إنك تستسلمي.”
وفجأة اختفت.
ورجعت الضلمة تاني.
لكن المرة دي... سمعت صوت أقوى من أي صوت سمعته قبل كده.
كان بيتردد في المكان كله.
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾
أول ما سمعت الآية... حسيت إن قلبي بيرتعش.
والضلمة بدأت تختفي.
والنور زاد.
وفجأة…
سمعت حد بينادي باسمي.
“حياه... حياه..”
فتحت عيني بسرعة.
ولقيت أختي واقفة قدامي بتقولي:
“مالك؟ نمتِ على المكتب... يلا ماما بتنادي عشان الأكل.”
بصيت حواليّا وأنا بحاول أستوعب اللي حصل.
الفون كان قدامي.
والرسالة لسه مفتوحة.
لكنها ما اتبعتتش.
تنفست بعمق.
وقبل ما أقوم، سمعت صوت الراديو اللي كانت أمي فتحاه في الصالة.
وكانت نفس الآية…
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾
وقفت مكاني.
وحسيت إن الرسالة وصلت…
مش من حد من البشر…
لكن من ربنا.
وفي اللحظة دي، لأول مرة من فترة طويلة، حسيت إن لسه فيه أمل... وإن يمكن الحياة تستحق إني أبدأها من جديد، حتى لو البداية هتكون صعبة.
قعدت بعد الموقف ده وقت طويل بفكر.
افتكرت قد إيه كنت قريبة أسيب الوجع يكسب، وقد إيه كنت فاكرة إن مفيش مخرج، وإن كل اللي حواليا خلاص انتهى. لكن الحقيقة اللي فهمتها متأخر، إن أصعب المعارك هي اللي بتكون بين الإنسان ونفسه، وإن ساعات كلمة، أو موقف، أو حتى آية من القرآن، ممكن يرجعوا الروح لقلب كان خلاص استسلم.
مكنتش صحيت تاني وأنا شخص جديد.
مكنتش كل أحزاني اختفت في يوم وليلة.
لكن صحيت وأنا عندي يقين إن ربنا مبيسيبش حد، وإن مهما طال الليل، لازم يطلع الفجر.
بدأت أتعلم أطلب المساعدة لما أتعب، وأبعد عن أي شخص بيستهين بمشاعري، وأفهم إن قيمتي عمرها ما كانت في رأي الناس، ولا في كلمة اتقالت وقت غضب، ولا في تنمر عشته وأنا صغيرة.
يمكن لسه في جروح محتاجة وقت عشان تخف…
لكن بقي عندي أمل.
ولو في حد بيقرأ قصتي دلوقتي، وحاسس إنه على حافة الانهيار، أحب أقوله حاجة واحدة…
إوعى تستسلم للحظة هتعدي، وتخسرك عمر كامل.
الكلام مهما كان مؤلم، بيعدي.
والخذلان مهما كان قاسي، بيعدي.
أما حياتك... فهي نعمة كبيرة تستحق تتمسك بيها.
افتكر دايمًا إن بعد كل ضيق فيه فرج، وبعد كل عسر فيه يسر، وربنا سبحانه وتعالى أرحم بينا من نفسنا.
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾
> إذا كنت بتمر بفترة صعبة أو حاسس إنك مش قادر تكمل، افتكر إن طلب المساعدة قوة مش ضعف، والكلام مع شخص تثق فيه أو مع مختص ممكن يكون أول خطوة حقيقية للنجاة. أنت تستحق الدعم والأمل دائمًا.