أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرينWrite · Publish · Grow
Novels

قهوة كل أسبوع

قصة مؤلمة عن "محمد" الذي ظل عشرين عامًا ينتظر حبيبته الراحلة "س" في مقهى قديم، ويكتب لها أشعار الوفاء كل يوم، جاهلًا أن القدر خطفها يوم زفافهما، ليظل وفيًا لوعده حتى لحظة رحيله الأخير.

محمودمحمودAuthor 3 min read 0.00 reviews
قهوة كل أسبوع

قهوتان كل جمعة

يُقالُ أنَّهُ في أحدِ الأيامِ، وفي مدينةٍ ما، كانَ هناكَ شابٌّ يُدعى "محمد" جالسًا على مقعدِهِ المُعادِ، وأمامَهُ قهوتُهُ البنيةُ كلونِ عينيهِ، وقلمٌ وكتابٌ منقوشٌ عليهِ حرفُ "س"، أحدُ أحرفِ اسمِها.  

كانَ هذا الشابُّ شاعرًا، أو لعلَّهُ أصبحَ شاعرًا بسببِها، يأتي كلَّ يومٍ في نفسِ الموعدِ وكأنَّ الزمنَ توقفَ عندَ غيابِها.  

يفتحُ "محمد" إحدى صفحاتِ هذا الكتابِ، فيجدُ مكتوبًا بخطِّ يدهِ:  

«كيفَ أُخفي شوقي إليكِ،  

ألا تعلمي أنَّ الفؤادَ يهواكِ،  

كيفَ أنسى عيونًا أخذتني دونَ استئذانٍ،  

وكيفَ لا أكونُ هيمانَ وحبُّكِ يسكنني»

لم يكن "محمد" يأتي إلى هذا المقهى صدفةً قط.  

فهذا المقعدُ الخشبيُّ المهترئُ صارَ وطنَهُ، وهذهِ القهوةُ المُرَّةُ صارت شريكَهُ الوحيدَ.  

عشرونَ عامًا تمرُّ على الجدرانِ، وتتبدلُ وجوهُ الجرسوناتِ، ويكبرُ الأطفالُ الذينَ كانوا يلعبونَ بالبابِ،  

وهوَ لا يزالُ هنا. يفتحُ كتابَهُ كلَّ يومٍ عندَ الرابعةِ عصرًا، ويكتبُ سطرًا جديدًا لحبيبةٍ لم تعُدْ تقرأُ.  

كأنَّهُ إن توقفَ عن الكتابةِ يومًا، ستتوقفُ هيَ عن الوجودِ في عالمِهِ.

يغمضُ "محمد" عينيهِ، فيعودُ الزمنُ بهِ قسرًا إلى ذلكَ اليومِ،  

إلى آخرِ مرةٍ رأى فيها صاحبةَ الحرفِ قبلَ أن يسرقَها القدرُ منه.  

كانت واقفةً تحتَ المطرِ، تضحكُ كطفلةٍ، وشعرُها يتساقطُ على كتفيها قطراتٍ من فضةٍ.  

نظرتْ إليهِ نظرةً واحدةً، نظرةُ شوقٍ لم تكتملْ، وكأنَّ قلبَها كانَ يعلمُ أنَّهُ الوداعُ.  

ومنذُ ذلكَ الحينِ، صارت تلكَ النظرةُ دفئَهُ الوحيدَ في ليالي الشتاءِ القارسةِ.  

يهمسُ للورقِ بأبياتِهِ:  

«ذكرى بيننا صارتْ دفئي لي،  

وكيفَ أنسى نظرةَ شوقٍ منكِ،  

يا مَن سكنتِ الروحَ قبلَ الجسدِ،  

ويا مَن رحلتِ وبقيَ الشوقُ يسكنني»

يفتحُ عينيهِ على صوتِ الجرسونِ: "قهوتك بردت يا أستاذ محمد".  

فيبتسمُ ابتسامةً ميتةً ويهمسُ: "لا بأس، فهيَ تعودتْ على الانتظارِ، كما تعودتْ هيَ على الرحيلِ".  

ثمَّ يمررُ أصابعَهُ على حرفِ "س" المنقوشِ بحنانٍ، وكأنَّهُ يلمسُ خدَّها للمرةِ الأخيرةِ.  

لم يدرِ أحدٌ في المقهى أنَّ صاحبةَ الحرفِ لم تتأخرْ عن موعدِها،  

بل إنَّ القدرَ هوَ الذي سبقَها إليهِ، في طريقِها إليهِ يومَ زفافِهما، قبلَ عشرينَ عامًا.

وفي فجرِ الجمعةِ الألفِ وأربعينَ، دخلَ الجرسونُ كعادتِهِ.  

وجدَ "محمدًا" جالسًا على مقعدِهِ المُعادِ، مائلًا برأسِهِ على الكتابِ المفتوحِ أمامَهُ.  

والقهوةُ البنيةُ كلونِ عينيهِ، باردةٌ جافةٌ في الفنجانِ، لم تُحتسَ كما تعودتْ.  

والكرسيُّ المقابلُ لهُ، ما زالَ فارغًا، كما كانَ دومًا.  

في كفِّهِ المتيبسةِ ورقةٌ صفراءُ، خطُّها يرتجفُ كقلبٍ شيخٍ:  

«إلى صاحبةِ حرفِ "س"،  

وعدتُكِ أنتظركِ إن تأخرتِ.  

فها قد تأخرتِ عشرينَ عامًا، ووفيتُ أنا بوعدي كاملًا غيرَ منقوصٍ.  

إن لم تأتي اليومَ، فاعلمي أنَّ هذا الكرسيَّ سيظلُّ فارغًا، لأجلِكِ وحدَكِ، لا لأحدٍ سواكِ».

لم تأتِ صاحبةُ الحرفِ قط. لم يكن لها قبرٌ يزورُهُ، ولا صورةٌ يتكئُ عليها أحدٌ.  

ماتت يومَ زفافِها وهيَ في طريقِها إلى هذا المقهى، قبلَ أن تصلَ إلى هذا الكرسيِّ بخطوةٍ واحدةٍ.  

وماتَ هوَ اليومَ، وهوَ جالسٌ في انتظارِ تلكَ الخطوةِ التي لم تكتملْ.  

ومنذُ ذلكَ اليومِ، والمقهى كلُّهُ يشهدُ على سرٍّ لا يعلمُهُ إلا الكرسيُّ الخشبيُّ والقهوةُ الباردةُ:  

أنَّ الوفاءَ الحقيَّ ليسَ أن تلقى من تحبُّ، 

الوفاءُ الحقيُّ أن تبقى وفيًّا لحرفٍ واحدٍ، حتى يصيرَ الانتظارُ قبرَكَ.

*لِـ:يَـاسـمِـيـن مُـحـمـد"مَـحـبَـرة"*

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Keep up with محمود

Choose site notifications, email, or both. Guests can subscribe by email without an account.

Enjoyed this article?

Share it with someone who will value it

More
Report this article

Tell our review team about a problem with this content. Your details will not be shown to the author or other readers.

Sign in to report an article

Discussion

comments (0)

Share a perspective. Start a thoughtful conversation.

add comment
loading...

please login to be able to comment