فاتح القسطنطينية: العبقرية العسكرية التي أذهلت العالم

فاتح القسطنطينية: العبقرية العسكرية التي أذهلت العالم

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about فاتح القسطنطينية: العبقرية العسكرية التي أذهلت العالم

 

فاتح القسطنطينية: العبقرية العسكرية التي أذهلت العالم


​لم تكن أسوار القسطنطينية العاتية مجرد حجارة صلبة مرتفعة، بل كانت لغزاً مستعصياً أعجز ملوك العالم وفاتحيه لقرون طويلة. غير أن تلك الأسوار المنيعة لم تكن بالنسبة للشاب العثماني، محمد بن مراد الثاني، سوى الجدار الأخير الذي يفصله عن حلم صباه، وتحقيق النبوءة الشريفة التي طالما حلم بأن يكون صاحبها.

​منذ نعومة أظفاره، امتلك هذا الأمير الشاب فكراً عسكرياً ورؤية إستراتيجية تسبق عصره بأعوام طويلة. تعلّم سبع لغات، وتبحّر في علوم الفلك والهندسة والتاريخ، ونهل الحكم والروحانية من مربّيه الشيخ "آق شمس الدين". وعندما اعتلى عرش السلطنة العثمانية وهو لم يناهز الحادية والعشرين من عمره، لم يشغله بريق السلطة ولا اتساع النفوذ، بل كان يردد بصرامة ويقين: "إما أن آخذ القسطنطينية، أو هي تأخذني".

​بدأت خطته العبقرية قبل الحصار بأشهر؛ إذ أشرف على بناء قلعة "روملي حصار" في وقت قياسي على أضيق نقطة من مضيق البوسفور، لقطع الإمدادات البحرية عن البيزنطيين وخنق المدينة اقتصادياً. وفي ربيع عام 1453م، تحرك الجيش العثماني بنظام دقيق نحو المدينة العتيقة. خيمت القوات عند أسوارها الشاهقة، وبدأت المدافع العملاقة—والتي كان أبرزها مدفع "أوربان" الضخم الذي أشرف السلطان بنفسه على تصميم حساباته الهندسيّة—بالدويّ متسببة في زلزال حقيقي تحت أقدام المدافعين البيزنطيين.

​على مدى أسابيع من الحصار الشديد، استبسل المدافعون، مستندين إلى حائل طبيعي وجدوا فيه أمانهم المطلق: سلسلة حديدية ضخمة أغلقت مدخل القرن الذهبي وجعلت وصول السفن العثمانية من البحر أمراً مستحيلاً.

​وهنا تجلت عبقرية القائد الذي أذهل العالم بأكمله ورفض الخضوع لمفاهيم المستحيل والتحديات الجغرافية.

​في ليلة واحدة سادها الصمت والذهول، أمر السلطان محمد بنقل ثمانين سفينة حربية عبر البر. تم دهن الألواح الخشبية بالدهن والشحم، وجُرّت السفن الحربية بأيدي الرجال والأبقار فوق التلال المرتفعة، لتلتف حول السلسلة المغلقة، وتستقر مع شروق الشمس في مياه القرن الذهبي. استيقظ أهل المدينة على أصوات التكبير تدوي داخل مينائهم الذي ظنوه عصياً على الخرق، فسقطت معنوياتهم تماماً، وأدركوا أنهم أمام عقلية عسكرية استثنائية تطوّع الجغرافيا لصالح رؤيتها.

​وفي صباح التاسع والعشرين من مايو، صدرت الأوامر النهائية بالهجوم الشامل من البر والبحر. اقتحم الجنود الثغرات المنهدمة، حتى رفعت الرايات العثمانية على أعلى الأسوار. ودخل السلطان الشاب القسطنطينية على فرسه الأبيض، ملتحفاً بالتواضع، فنزل عن ظهر جواده وسجد لله شكراً على هذا الفتح المبين الذي غيّر خارطة العالم وأنهى القرون الوسطى.

​لم يقتصر إنجازه التاريخي على النصر العسكري فحسب؛ بل توجه فوراً إلى أهالي المدينة الخائفين والمجتمعين في كنيسة آيا صوفيا، وأمّنهم بالكامل على أرواحهم وحريتهم ودور عباداتهم. ثم عمل على تحويل المدينة إلى عاصمة عالمية للحتضن جميع الثقافات والأديان تحت اسم "إسطنبول"، ليجمع بين هيبة الفاتح وعدل القائد المصلح. ومنذ ذلك اليوم التاريخي المجيد، اقترن اسمه بلقبه الخالد: محمد الفاتح.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Saeid Ashraf تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-