يا ساكنة حينا والله قتلتيني
يا ساكنة حينا والله قتلتيني
في حيّ قديم كانت البيوت متقاربة، والأبواب تعرف أصحابها، والجيران يعرفون أخبار بعضهم قبل أن تصل إليهم.
وفي أحد تلك البيوت كانت تسكن فتاة لفتت انتباه شاب يُدعى سالم.
لم يكن سالم يعرف عنها الكثير، سوى أنها كانت تظهر أحيانًا في شرفة منزلها، تحمل كوبًا من الماء أو ترتب بعض الأشياء، ثم تختفي خلف الباب.
ومع مرور الأيام، أصبحت رؤيتها جزءًا من تفاصيل يومه.
كان يشعر أن وجودها جعل للحي معنى مختلفًا، وأن الشارع الذي كان يمر فيه كل يوم أصبح يحمل سرًا لا يعرفه أحد.
لكن بين سالم والفتاة، مريم، كان هناك اختلاف كبير.
كان لكل واحد منهما دينه وعاداته وطقوسه، وكان سالم يعرف أن المشاعر مهما كانت قوية لا تجعل الاختلافات تختفي.
لذلك لم يحاول أن يضغط عليها، ولم يطلب منها أن تتغير من أجله.
كان كل ما يريده أن يعرفها أكثر، وأن يفهم عالمها كما هي، لا كما يتخيله.
ومريم أيضًا كانت ترى فيه إنسانًا يحترمها ويحترم معتقداتها، ولذلك نشأت بينهما معرفة هادئة، تقوم على الحوار والاحترام.
كانا يتحدثان أحيانًا عن الحياة، وعن أحلامهما، وعن المستقبل.
وكان سالم يقول لها إن الإنسان يستطيع أن يحمل في قلبه مشاعر جميلة، لكنه يحتاج أيضًا إلى الحكمة حتى لا يظلم نفسه أو يظلم من يحب.
وذات مساء صيفي شديد الحرارة، مر سالم أمام منزلها.
كان عطشانًا، فتوقف قليلًا بالقرب من البيت.
خرج أحد أهل المنزل، وقدم له كوبًا من الماء.
شرب سالم، ثم رفع عينيه إلى الشرفة التي اعتاد رؤيتها فيها، لكنه لم يجد مريم.
ابتسم بحزن، ومضى في طريقه.
في تلك الليلة، أدرك أن تعلقه بها أصبح أكبر مما ينبغي، وأن عليه أن يقرر: هل يظل أسير مشاعر لا يعرف إلى أين ستقوده، أم يضع الأمور في إطار واضح ومحترم؟
مرت أيام.
ثم جاء اليوم الذي أخبرته فيه مريم أن أسرتها تستعد للرحيل.
كان الخبر صعبًا عليه.
قالت له:
“ربما يكون الفراق مؤلمًا، لكنه أحيانًا يكون أرحم من طريق لا نعرف نهايته.”
ظل سالم صامتًا.
كان يستطيع أن يقول لها الكثير، لكنه اختار ألا يجعل مشاعره سببًا في الضغط عليها.
قال فقط:
“أتمنى لك الخير، مهما كان الطريق الذي ستختارينه.”
رحلت مريم.
وبقي البيت كما هو، وبقيت الشرفة، وبقي الشارع نفسه، لكن شيئًا في قلب سالم تغير.
تعلم أن الحب ليس دائمًا أن تحصل على من تحب، بل أن تحترم الإنسان الذي أحببته، حتى عندما تكون النتيجة مختلفة عما تمنيت.
مرت سنوات طويلة.
وفي أحد الأيام عاد سالم إلى الحي.
وقف أمام البيت القديم، لكنه لم يجد مريم.
كانت الشرفة خالية، والباب مغلقًا، والذكريات وحدها تسكن المكان.
ابتسم وقال في نفسه:
“بعض الأشخاص يمرون في حياتنا ليتركوا أثرًا، لا ليبقوا فيها إلى الأبد.”
ثم تابع طريقه.
لم يندم على مشاعره، لكنه تعلم منها أن القلب يحتاج إلى العقل، وأن الاختلافات الكبيرة لا ينبغي أن تتحول إلى صراع، وأن احترام معتقدات الآخرين أهم من أي حكاية عاطفية.
وهكذا بقيت مريم، بالنسبة إليه، أجمل ذكرى من ذلك الحي القديم؛ فتاة سكنت بيتًا قريبًا، لكنها تركت في ذاكرته قصة لا تُنسى.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق