الدرهم الأموي الذي غير مجرى التاريخ المالي: كيف صاغ عبد الملك بن مووان هوية الاقتصاد الإسلامي المستقل

الدرهم الأموي الذي غير مجرى التاريخ المالي: كيف صاغ عبد الملك بن مووان هوية الاقتصاد الإسلامي المستقل

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات
image about الدرهم الأموي الذي غير مجرى التاريخ المالي: كيف صاغ عبد الملك بن مووان هوية الاقتصاد الإسلامي المستقل


الدرهم الأموي الذي غير مجرى التاريخ المالي: كيف صاغ عبد الملك بن مووان هوية الاقتصاد الإسلامي المستقل

 

في أواخر القرن السابع الميلادي، عاش العالم الإسلامي تحولاً جذرياً لم يقتصر على فتوحاته الجغرافية، بل امتد ليعيد صياغة العصب المالي للإمبراطوريات. لفترات طويلة، ظلت الأسواق الإسلامية تعتمد على العملات الأجنبية؛ حيث تداول المسلمون الدنانير البيزنطية والدراهم الفارسية الساسانية دون وجود لعملة وطنية خالصة تعبر عن سيادة الدولة الجديدة واستقلالها المالي.

مع تولي الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان مقاليد الخلافة، أدرك بوعصريه الثاقب أن اكتمال السيادة السياسية والعسكرية للدولة الإسلامية لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن التحرر الاقتصادي. كانت العملات المتداولة وقتئذ لا تحمل فقط صور أباطرة الروم وأكاسرة الفرس، بل كانت تحمل أيضاً شعارات دينية ورمزية تخص عقائد تلك الإمبراطوريات، مما جعل الاقتصاد الإسلامي مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بخصومه التقليدية.

بدأت قصة التغيير بقرار جريء ومدروس قاده عبد الملك بن مروان بالتعاون مع رجالات الدولة الأكفاء، وعلى رأسهم الحجاج بن يوسف الثقفي في العراق. تطلب الأمر تصميماً دقيقاً للعملة الجديدة يعكس القيم الإسلامية البحتة، مبتعداً عن صور الأرواح والرموز الوثنية أو السياسية للأمم الأخرى. وفي عام 77 للهجرة، خرج إلى النور أول درهم إسلامي عربي خالص، مصكوك وفق معايير دقيقة من الوزن والنقاء، وخالٍ تماماً من أي تأثيرات أجنبية.

تميز الدرهم الأموي الجديد بنقوشه العربية الخالصة التي حملت آيات من القرآن الكريم، مثل سورة الإخلاص، إلى جانب اسم دار الضرب وتاريخ الإصدار، مما أضفى عليه موثوقية عالية بين التجار. لم تكن هذه الخطوة مجرد إصلاح نقدي عادي، بل شكلت ثورة اقتصادية غيرت قواعد التجارة الدولية في ذلك العصر. لقد وحّدت هذه العملة المعايير المالية عبر مساحات شاسعة تمتد من آسيا إلى شمال إفريقيا، وسهلت عمليات التبادل التجاري الداخلي والخارجي، مما قلل من مشكلات الغش التجاري وتفاوت أسعار الصرف الذي كان سائداً بسبب رديئة بعض العملات الساسانية المقلدة.

أثار هذا الإصلاح حفيظة الإمبراطورية البيزنطية التي رأت فيه تحدياً مباشراً لاقتصادها وهيمنتها التجارية، وحاول الإمبراطور البيزنطي آنذاك تهديد الخلافة بمنع التعامل بالعملات الإسلامية الجديدة أو مقاطعتها. لكن صلابة الاقتصاد الإسلامي وحجم الأسواق الكبرى التي باتت تسيطر عليها الخلافة جعلت التجار يتقبلون الدرهم الجديد بسرعة فائقة نظراً لوزنه الثابت ونقائه المضمون. تحول الدرهم الإسلامي تدريجياً إلى العملة الأقوى والأكثر انتشاراً في حوض البحر الأبيض المتوسط والمشرق الإسلامي.

لقد أرست هذه الخطوة التاريخية ركائز علم الاقتصاد الإسلامي الحديث، ووضعت مفاهيم السيادة النقدية كدعامة أساسية لاستقلال الدول. إن قصة تعريب العملة في العصر الأموي تذكرنا بأن القوة الاقتصادية والمالية هي الوجه الآخر للسيادة السياسية، وأن الابتكار المالي المستقل يظل دائماً طوق النجاة للدول الطامحة نحو النمو والريادة والاستقرار المستدام في وجه الهيمنة العالمية.



 

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Ghandy Ghandy68 تقييم 5 من 5.
المقالات

4

متابعهم

6

متابعهم

7

مقالات مشابة
-