فتح عمورية: قصة استجابة الخليفة المعتصم بالله لصرخة مظلومة لتخليد أروع ملاحم العزة.

فتح عمورية: قصة استجابة الخليفة المعتصم بالله لصرخة مظلومة لتخليد أروع ملاحم العزة.

تقييم 5 من 5.
2 المراجعات

        قصة فتح عمورية العظمي


مقدمة العزيمة

في أواخر العصر العباسي، تحديداً في عام 223 هـ (الموافق 838 م)، كانت الخلافة الإسلامية تعيش أزهى عصور القوة والازدهار. وفي المقابل، كان الإمبراطور البيزنطي ثيوفيلوس يتربص بالدولة الإسلامية، مستغلاً انشغالها ببعض الاضطرابات الداخلية. شنّ الإمبراطور هجوماً مباغتاً ووحشياً على مدينة "زبطرة" -مقر ولادة الخليفة المعتصم بالله- فعبث بها فساداً، وقتل الرجال، وسبى النساء، وارتكب فظائع روعت العالم الإسلامي.

صرخة المعتصم

لم تكن زبطرة مجرد مدينة عادية، بل كانت الرمز والوطن. ويُحكى أن امرأة مسلمة أُسرت في تلك الغارة، فصرخت بأعلى صوتها مستنجدة بالخليفة: "وا معتصماه!".

وصلت هذه الصرخة إلى قصر الخليفة المعتصم بالله في بغداد، فوقعت عليه كالصاعقة. لم يتردد الخليفة لحظة واحدة؛ فقد غضبت له شهامته ونخوته، وعقد العزم على تأديب الإمبراطور البيزنطي وجيشه، وجعل مدينة "عمورية" -وهي الحصن الأمني الأحصن للبيزنطيين وولد فيها الإمبراطور- هدفاً لحملته الكبرى.

الجيش الجرار والمسير نحو الحصن

بدأ المعتصم بالتجهيز لحملة عسكرية لم تكن تشهدها الدولة الإسلامية منذ سنوات طويلة. جهز جيشاً عرمرماً وصفه المؤرخون بأنه يمتد مد البصر، وفتحت الأسواق لتوفير السلاح والمؤونة. والأهم من ذلك، أنه استشار المنجمين الذين أخبروه بأن الوقت غير مناسب للنصر، فلم يعبأ بخرافاتهم، وقال كلمته الشهيرة: "الموت في سبيل الله، والنصر باليقين!".

تحرك الجيش العباسي متجاوزاً الوعور والجبال، حتى وصل إلى أسوار عمورية المنيعة. وكانت عمورية مدينة محاطة بأسوار شاهقة ومحميّة بأبراج دفاعية قوية، يعتقد أهلها أنها مستحيلة الاختراق.

العزم الذي دكّ الأسوار

حاصر المسلمون المدينة حصاراً شديداً. وطال الحصار، وبدا أن اقتحام الأسوار أمر شاق للغاية، إلى أن أتى الفرج من عربي حانق عرف نقطة ضعفا في الأسوار؛ فقد دكت المنجنيقات الإسلامية ثغرة في سور المدينة الضعيف، حيث كانت تضربها مياه الأمطار والرطوبة سابقاً. اقتحم المجاهدون الأسوار، وسقطت عمورية الحصينة في أيدي المسلمين، وانفتح الطريق أمام العدالة لتأخذ مجراها.

الخاتمة والخلد التاريخي

لم تُنس هذه المعركة عبر التاريخ، بل خلدها الشعراء والأدباء، وعلى رأسهم أبو تمام في قصيدته الخالدة التي افتتحها بقوله:

السَّيْفُ أَصْدَقُ أَنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ ... في حَدِّهِ الحَدُّ بَيْنَ الجِدِّ واللَّعِبِ


استراتيجية الصبر والدروس الخالدة

لم يكن اقتحام عمورية أمراً سهلاً؛ فقد واجه الجيش العباسي أسواراً منيعة وحصوناً شيدت خصيصاً لتردع أعظم الجيوش. ضرب المعتصم طوقاً حصارياً محكماً استمر أسابيع طويلة، استخدم خلاله أحدث آلات الحرب والحصار في ذلك العصر، وعلى رأسها المنجنيقات الضخمة التي لم تتوقف عن دك الأبراج ليل نهار. ومع اشتداد المعركة، برهنت القيادة العباسية على حنكة استراتيجية عالية في إدارة الحصار، متجاوزة قسوة المناخ وصعوبة التضاريس.

ولم تكن عمورية مجرد نقطة عسكرية سقطت في أيدي الفاتحين، بل كانت رمزاً لهيبة الإمبراطورية البيزنطية التي تصدعت تحت وقع الضربات الإسلامية. لقد أعادت هذه الملحمة رسم موازين القوى في المنطقة، وبعثت برسالة قاطعة لكل متربص بأن حدود الدولة الإسلامية وكرامة أبنائها خط أحمر لا يمكن تجاوزه. وبقي هذا النصر العظيم محفوراً في ذاكرة الأمة، شاهدًا أبديًا على أن العدالة والكرامة هما أساس بقاء الأمم وعزتها.



 


 

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Ghandy Ghandy68 تقييم 5 من 5.
المقالات

3

متابعهم

2

متابعهم

6

مقالات مشابة
-